المستشارة الالمانية انغيلا ميركل والرئيس الاميركي دونالد ترامب في يونيو 2018

المخاوف من الهجرة تقلب سياسات الدول الغربية

تهيمن مسألة واحدة حالياً على النقاش السياسي بين كبرى الديموقراطيات الغربية وهي مسألة الهجرة التي يمكن ان ينقسم حولها الغرب.

يحاول الرئيس الاميركي دونالد ترامب ان يركب موجة المشاعر المعادية للهجرة ليحقق نصراً لمؤيديه الجمهوريين في انتخابات منتصف الولاية التي ستجري في تشرين الثاني/نوفمبر.

وتأمل المستشارة الالمانية انغيلا ميركل أن تخرج من هذه الازمة دون ان يتضرر ائتلافها الهش ودون تقديم الكثير من التنازلات للمتشددين.

وقد نقلت الائتلافات الحكومية الجديدة في النمسا وايطاليا الاصوات المتشددة الى ردهات السلطة بعد ان كانت على هامش الجدال حول الهجرة.

وتواجه استراليا انتقادات لسياستها باحتجاز طالبي اللجوء الذين يصلون الى سواحلها في مخيمات وسط البحر في نوارو وبابوا غينيا الجديدة.

ووسط ذلك كله تصاعدت الانقسامات السياسية الغربية بسبب النقاش المحتدم على مواقع التواصل الاجتماعي حول الهجرة، والذي يقال انه مدفوع بدعاية اعلامية روسية خفية.

وبمعزل عن الحملات الانتخابية والتضليل المعلوماتي، هناك تداعيات انسانية وسياسية فعلية لمسألة الهجرة.

وبالمعايير التاريخية فإن تدفق المهاجرين لا يزال مرتفعا، وتقدر الامم المتحدة ان نحو 65 مليون لاجئ ومهاجر يتحركون حول العالم.

وقال المفوض السامي لشؤون اللاجئين في الامم المتحدة فيليبو غراندي ان المشكلة تستدعي حلا عالميا شاملا، ولكن الجو السائد هو التوجه نحو حلول احادية انطلاقا من افكار قومية متشددة في كل بلد.

وكما كتب المفكر وولتر راسل ميد في صحيفة وول ستريت جورنال فإن قضية الهجرة وليس اليورو هي الان المسألة "الاكثر حساسية بالنسبة للمؤسسة الاوروبية".

ولا تزال غالبية الشعب الالماني مؤيدة للاتحاد الاوروبي، ولكنها في الوقت نفسه تجاهد للتأقلم مع محاولة ميركل استيعاب اكثر من مليون طالب لجوء غالبيتهم من المسلمين في 2015.

- انخفاض مستوى الجريمة وازدياد المخاوف -

رغم مزاعم ترامب المتكررة بأن المهاجرين مسؤولون عن موجة الجرائم، الا ان ارقام الجريمة الكلية في المانيا انخفضت.

غير ان عددا من الحوادث الملفتة والتي تورط فيها قادمون جدد ومن بينها الاعتداءات الجنسية الجماعية، اشعلت الرأي العام.

وكتب ترامب على تويتر هذا الاسبوع "ارتفعت الجريمة في المانيا الى ما يزيد عن 10% (المسؤولون لا يريدون الابلاغ عن هذه الجرائم) منذ قبول المهاجرين".

وتظهر الارقام الالمانية الرسمية انخفاض معدل الجريمة بنسبة 5% بين 2016 و2017، في ادنى مستوى لها منذ ربع قرن.

وتردد ان السفير الاميركي في المانيا ريتشارد غرينيل يريد "تمكين" اليمين الاوروبي، فيما عززت المشاعر المعادية للهجرة معارضي ميركل.

والان هدد الاتحاد المسيحي الاجتماعي، شريك الاتحاد المسيحي الديموقراطي الذي تتزعمه ميركل، بالاطاحة بحكومتها اذا لم تغلق الحدود.

بدوره فإن ترامب مصمم على وقف الهجرة عبر الحدود المكسيكية فيما يبني جدارا وعد مؤيديه مرارا في السابق ببنائه.

وتتوحد قاعدته الداخلية حول هذه القضية وتلعب في صالحه في خلافه مع ميركل، كما أن موقفه يشكل عونا لاصدقائه من اليمينيين القوميين في اوروبا.

وفي اطار سياسة ادارته "بعدم التسامح" بدأ موظفو الحدود الاميركيون بفصل اطفال المهاجرين عن ذويهم واحتجازهم في مخيمات.

وأشاد مؤيدو الرئيس بهذه الخطوة باعتبارها رادعاً للعبور غير الشرعي عبر الحدود، الا ان الصور والتسجيلات المريعة لأطفال يبكون غيرت المزاج العام لصالح المهاجرين.

- "غزو بلادنا" -

في البداية القى ترامب بالمسؤولية في مشكلة المهاجرين على معارضيه الديموقراطيين، واستخدم في وصفه للمهاجرين عبارات تساوي بينهم وبين افراد عصابة "ام اس -13" الاجرامية المرتبطة بالسالفادور.

وكتب على تويتر "الديموقراطيون هم المشكلة .. فهم لا تهمهم الجريمة ويريدون مهاجرين غير شرعيين مهما كانوا سيئين، فهم يتدفقون ويغزون بلادنا مثل ام اس-13".

ولكن الاربعاء، وفي اليوم الذي صادف اليوم العالمي للاجئين، تراجع ترامب عن موقفه واوقف فصل العائلات، إلا أنه أكد على أن سياسة "عدم التسامح" لا تزال سارية.

وقد يسكت ذلك الانتقادات في معسكره الجمهوري الذي اتهمه بالمبالغة،

الا ان الهجرة ستهيمن على مناظرات انتخابات منتصف الولاية.

وفي اوروبا دعا قادة الاتحاد الاوروبي الى محادثات ازمة حول الهجرة في بروكسل الاحد، بعد ان تسببت هذه القضية في انقسامات جديدة في القارة.

والمخاطر شديدة على قادة وسطيين مثل ميركل وحليفها الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، او حتى على الاتحاد الاوروبي نفسه. فقد اختار الناخبون البريطانيون الخروج من الاتحاد الاوروبي بعد استفتاء استندت حملته على المشاعر المعادية للهجرة.

وقبل ايام رفض الائتلاف الايطالي اليميني الجديد السماح لقارب يحمل 630 مهاجرا الرسو على سواحل البلاد.

وحذر وزير الداخلية الايطالي ماتيو سلافيني الاشخاص "غير الشرعيين" بأن عليهم "حزم حقائبهم". وهو يعرب مرارا عن تأييده لترامب وتولى حزب الرابطة اليميني الذي يتزعمه السلطة استنادا الى خطاب سياسي مناهض للهجرة. وتطالب الدول الاوروبية الواقعة على ساحل المتوسط دول شمال اوروبا بتحمل بعض العبء وقبول لاجئين يرسون على شواطئها.

الا ان الناخبين في تلك الدول لا يرغبون في استقبال المهاجرين.

وكتب راسل ميد انه "بالنسبة للسيد سلافيني فإن اثارة قضية الهجرة تصب في مصلحته .. فهو يقسم اليسار ويوحد اليمين في بلاده ويتحدى اجماع النخبة الاوروبية ويرسخ مكانته كشخصية ذات اهمية دولية".

وحذر المستشار النمساوي سباستيان كورز، المفضل لدى غرينيل سفير ترامب، من "كارثة"، وهو يلتقي مع المتشددين مثل المجري فيكتور اوربان.

ويشعر هؤلاء القادة ان الامور بدأت تتحول لصالحهم.