صورة من الأرشيف في 10 أغسطس 1993 لقائد القوات الصربية في البوسنة الجنرال راتكو ملاديتش لدى وصوله إلى مطار سراييفو لرفض انسحاب قواته من جبل إيغمان

عشية الحكم على ملاديتش حزن البوسنيين على ضحاياهم اقوى من الاعوام

لا يراود فكرت بلاسيتش سوى حلم واحد هو العثور على رفات افراد عائلته. ولا يأبه ما اذا كان القضاء الدولي سيوجه الأربعاء الى الجنرال راتكو ملاديتش أم لا تهمة ارتكاب عمليات القتل هذه خلال الحرب الطائفية في البوسنة.

وقال فكرت ملاديتش الذي يبلغ التاسعة والخمسين من عمره "بالنسبة إلي، لقد مات ملاديتش، في اي حال. الامر الوحيد الذي يستأثر باهتمامي هو ان اعرف أين زوجتي وولداي ووالدتي...".

كانت نرمينا في السادسة من العمر، ونرمين في الثانية عشرة، ووالدتهما مينكا في الثانية والثلاثين. وأعدمتهم قوات صرب البوسنة في 25 تموز/يوليو 1992 امام منزلهم في قرية زيكوفي بمنطقة برييدور (شمال-غرب).

واوضح زياد باسيتس (40 عاما) "كانوا سبعة عشر شخصا. نساء واطفال فقط... وأصغرهم كان عمره سنتين ونصف سنة". انه الوحيد من اقرباء فكرت بلاسيتش الذي نجا من المجزرة. وخسر زياد والدته وشقيقته التي كانت في العاشرة من العمر، وشقيقيه اللذين كانا في الثالثة عشرة والسادسة عشرة. وباستثناء إحدى الجارات، كانوا جميعا من عائلة واحدة.

وكان الرجال قد اقتيدوا قبل يومين. وتجمعت النساء والاطفال في أحد المنازل. وفي الساعات الاولى من المساء، طرق الجنود الباب وارغموهم على الخروج لإطلاق النار عليهم من اسلحة رشاشة، كما قال زياد الذي اختبأ خلف أحد المنازل.

- لا جثث بين الأنقاض-

قال هذا الفلاح "لن أنسى ما حييت صرخات الأطفال عندما بدأوا باطلاق النار". وحين يغادر منزله كل يوم، يلقي نظرة على المكان الذي وقعت فيه المجزرة.

ولدى عودته بعد الحرب، وجد فكرت باسيتش الأنقاض والأعشاب البرية. لكنه لم يجد جثثا. وقال "مشيت الف مرة فوق كل متر مربع في القرية والغابة والجداول...". واضاف "اعتقد ان كل جار صربي يعرف اين هم، لكنهم لا يريدون ان يقولوا لنا ذلك".

ومنذ 2015، تجرى في ساراييفو محاكمة اربعة عشر صربيا ينتمي معظمهم الى قرية راسافتشي المجاورة، بسبب الجرائم التي وقعت في زيكوفي.

ويؤكد المعهد البوسني للمفقودين، ان عمليات البحث مستمرة عن اكثر من 770 شخصا من اصل 3200 قتلتهم القوات الصربية في برييدور.

وقد اسفر النزاع الطائفي في البوسنة عن حوالى 100 الف قتيل، ولا يزال حوالى 7000 في عداد المفقودين.

اقدم القتلة على بعثرة بقايا ضحاياهم، ما جعل عمليات البحث فائقة الصعوبة، إذ غالبا ما لا يتم العثور إلا على بعض العظام.

-موت الأمل-

وتمكن مختبر أنشأته في 1996 في البوسنة اللجنة الدولية للأشخاص المفقودين، غير الحكومية، التي انتقلت العام الماضي الى لاهاي، من تحديد هوية 70% من 40 الف شخص فقدوا في حروب التسعينات (منهم اكثر من 30 ألفا في البوسنة).

وبين ثمانية الاف رجل وشاب بوسني قتلوا خلال أيام في تموز/يوليو 1995 في سريبرينيتسا (شرق)، تبدو علياء مصطفيتش كالمغمى عليها. فوالدتها نورا (70 عاما) استطاعت ان تدفن في النصب التذكاري لسريبرينيتسا، زوجها حسن وابنيها الآخرين مرصاد وفؤاد. وتقول علياء انها حجزت مكانا لا يزال فارغا.

واضافت "عندما ندفن (أحد افراد الاسرة)، نعرف انه لم يبق أي امل. وما لم اعرف هل ان ابني مات او لا يزال حيا، سآمل في ان ينبثق من مكان ما. دمر ملاديتش كل شيء، بقيت وحيدة، مثل شجرة مقطوعة. ايا تكن آلامها، فلا تقارن بآلامي".

اما عديلة افنديتش التي ولدت قبل ثلاثة اسابيع من سقوط سريبرينتسا، فتمكنت من ان تلتزم فترة الحداد في تموز/يوليو، عندما وارت بعضا من عظام والدها سناجيد الذي قتل عندما كان في الخامسة والثلاثين من عمره.

وقالت هذه الممرضة الشابة المهاجرة منذ تشرين الاول/اكتوبر في المانيا، "فصلوني عن والدي عندما كان عمري عشرين يوما فقط. لم أشعر ابدا بالعاطفة الأبوية. عندما أبلغوني بالعثور عليه، تبدد املي المكتوم بأنه لا يزال على قيد الحياة وبأنه سيأتي، وتأكدت من أنه مات".

وخلصت "هذا الحكم لن يجلب لا الطمأنينة ولا العزاء. لكنه مهم لأن ملاديتش سينتهي في المكان المعد له".