دبابات تركية في سوريا

مصير محافظة ادلب في شمال غرب سوريا رهن استراتيجية أنقرة

بعد اقتراب سقوط الغوطة الشرقية، آخر معقل لمقاتلي المعارضة قرب دمشق، تستقطب إدلب اهتمام روسيا وتركيا، ويتوقف مصيرها، بحسب محللين، على قدرة أنقرة على توسيع سيطرتها في شمال غرب سوريا عبر تقليص نفوذ هيئة تحرير الشام، اللاعب الأقوى ميدانيا.

وخسرت قوات النظام السوري محافظة إدلب (شمال غرب) منذ صيف العام 2015، إثر سيطرة تحالف فصائل جهادية واسلامية عليها، لكنه سرعان ما تفكك إثر جولات اقتتال داخلي تطورت الى صراع على تقاسم النفوذ.

وتسيطر هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً) حاليا على نحو 60 في المئة من إدلب الحدودية مع تركيا، بينما تنتشر فصائل أخرى إسلامية منافسة لها في مناطق أخرى. وتمكنت قوات النظام مؤخراً من استعادة السيطرة على مطار أبو الضهور العسكري وعشرات القرى والبلدات في ريف ادلب الجنوبي الغربي.

ويقول الباحث في المعهد الأميركي للأمن نيك هاريس لوكالة فرانس برس إن ادلب "موضع سباق بين روسيا وتركيا، وسيعتمد مصير المحافظة على تصميم (الرئيس التركي رجب طيب) أردوغان على تحدّي (الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين في سوريا".

ويضيف "يتجمع أكثر خصوم الأسد شراسة في إدلب، وقد يغري الأمر روسيا كثيراً لإعطاء النظام الضوء الأخضر لشن هجوم في المحافظة".

وتدعم موسكو بقوة النظام السوري، وساهم تدخلها العسكري المباشر في الحرب منذ 2015 في تغيير موازين القوى على الارض لصالح النظام الذي خسر في السنوات الاولى مساحة واسعة من الاراضي.

وتؤوي ادلب هيئة تحرير الشام وفصائل اسلامية وعشرات الآلاف من المقاتلين الذين تم اجلاؤهم على مراحل من مناطق مختلفة بموجب اتفاقات مع دمشق، آخرها من الغوطة الشرقية بإشراف روسي مباشر.

وانضمت إدلب وأجزاء من محافظات أخرى مجاورة لها في أيلول/سبتمبر الى مناطق خفض التوتر في سوريا، بموجب محادثات أستانا التي ترعاها روسيا وايران، الحليفة الاخرى للنظام، وتركيا الداعمة للمعارضة.

وتطبيقاً للاتفاق، انتشرت قوات تركية في ثلاث نقاط مراقبة داخل الحدود الإدارية لإدلب منذ مطلع العام. ويرى الباحث في مجموعة الأزمات الدولية سام هيلر أن هذا الانتشار منع "قوات دمشق من التوغل في الداخل الإدلبي".

ويجمع المحللون على أن تركيا التي تشكل إعادة مئات الاف اللاجئين السوريين الموجودين لديها الى سوريا أحد أكبر هواجسها ولطالما أيدت وجود منطقة عازلة قرب أراضيها، غير مستعدة لاستقبال موجات جديدة من النازحين قد يرتبها أي هجوم محتمل للنظام السوري على ادلب المكتظة سكانياً.

ويرى هيلر من جهته "أن إدلب لم تعد بين أهداف دمشق حتى اشعار آخر. (..) ويتوقف مصير المحافظة على ما يدور خلف الكواليس من اتفاقات روسية تركية".

ويؤكد محللون ان هذه المحادثات هي التي باتت ترسم الخارطة الجديدة لسوريا بعد نزاع مدمر مستمر منذ سبع سنوات. ويلمح كثيرون الى ان تدخل تركيا الذي ادى الى انتزاع عفرين أخيرا من أيدي الاكراد يدخل ضمن إطار هذه التفاهمات. ويندرج في اطار هدف آخر للمنطقة العازلة المطلوبة تركيا، وهو إبعاد الاكراد عن الحدود التركية.

الا ان تركيا التي تدعم الفصائل الاسلامية الموجودة في إدلب لا تتمتع بالنفوذ نفسه على هيئة تحرير الشام. وبالتالي، فإن حسم مصير إدلب قد يمر بقتال داخلي جديد.

وتبقي هيئة تحرير الشام، بحسب هيلر، "سيطرتها على مفاصل المنطقة الأكثر حيوية.. وهي تمسك بالشريط الحدودي ومعبر باب الهوى بالاضافة الى مدينة إدلب، مركز المحافظة".

وتتحكم بالحواجز الحدودية مع تركيا التي تتدفق البضائع والسلع عبرها من والى ادلب، وتؤمن تمويلها من خلالها.

وتحاول حكومة الانقاذ الوطني التي تشكلت قبل أشهر في ادلب، وتعد بمثابة الذراع المدني للهيئة، فرض سيطرتها على المجالس المحلية والمنشآت المدنية، وتتحكم بمصادر الدخل الرئيسية كالمعابر والمحروقات وتفرض الضرائب تباعاً على الأسواق والمحال التجارية.

ويربط تقرير لمجموعة الأزمات الدولية في شباط/فبراير تماسك مكونات الهيئة، باعتبارها "اللاعب الأقوى في ادلب بالاضافة الى كونها مصدراً مهماً للدخل والتوظيف".

وقبل أسابيع، انضوت حركة أحرار الشام الاسلامية، حليفة هيئة تحرير الشام سابقاً، مع حركة نور الدين الزنكي، فصيل اسلامي معارض، تحت مسمى "جبهة تحرير سوريا". وشن هذا التحالف المدعوم من تركيا قبل بضعة أسابيع هجوماً على مواقع لهيئة تحرير الشام وتمكن من طردها من عدد من المناطق أبرزها مدينتا أريحا ومعرة النعمان.

لكن يبدو إلحاق الهزيمة بهيئة تحرير الشام من دون مشاركة تركية مباشرة الى جانب الفصائل المعارضة في إدلب أمراً صعباً.

ويعرب الباحث في المركز الدولي لدراسات التطرف في لندن حايد حايد عن اعتقاده بأن الهزائم التي منيت بها الهيئة مؤخراً "كسرت الهالة العسكرية" التي كانت تحيط نفسها بها على اعتبار أنها "قوة لا يمكن قهرها".

لكن هاريس يرى أن هيئة تحرير الشام تبقى "القوة العسكرية الأكثر نفوذاً لناحية دهائها، أكثر من قوتها القتالية"، مشيرا الى انها "تحتفظ بسلطة منظمة اجتماعياً تجعلها بالفعل الأولى بين قوى متساوية".

ويضيف "تركيا وليس أي فصيل معارض آخر، ستشكل القوة الحاسمة ضد هيئة تحرير الشام".