مقاتين من الجيش التركي والجيش السوري الحر المدعوم من تركيا على جبل بالقرب من الحدود السورية التركية

الأكراد يطالبون دمشق بالتدخل في عفرين في مواجهة تركيا مع التمسك بادارتهم الذاتية

بعد سنوات نجحوا خلالها بفرض نفوذهم في شمال سوريا بعيداً عن سلطة دمشق، يطالب الأكراد اليوم بتدخل قوات النظام في عفرين للتصدي للهجوم التركي المتواصل منذ أكثر من أسبوع والذي يهدد وجودهم في منطقة حيوية من "روج افا".

في الوقت نفسه، يرفض الأكراد بقوة عودة المؤسسات الحكومية الى المنطقة أو تسليم هذه المنطقة للجيش السوري، الامر الذي تضعه دمشق شرطا للتدخل، بحسب ما يقول متابعون للتطورات.

وتشن تركيا وفصائل سورية مقاتلة موالية لها منذ 20 كانون الثاني/يناير هجوما على وحدات حماية الشعب الكردية التي تصفها انقرة ب"الارهابية" في منطقة عفرين الحدودية مع تركيا.

وبعد أيام على بدء الهجوم، دعت الادارة الذاتية الكردية المعلنة منذ 2013 في مناطق عدة من شمال سوريا، الحكومة السورية الى التدخل لمنع الطائرات التركية من قصف مناطقهم.

ويقول مسؤولون أكراد ان فريقهم تقدم باقتراحات ملموسة الى موسكو، حليفة النظام السوري وأحد الاطراف الاساسية الراعية للمحادثات حول النزاع بين الاطراف المختلفة.

ويوضح ألدار خليل، الرئيس المشترك للهيئة التنفيذية لحركة المجتمع الديمقراطي، المكون الرئيسي للادارة الذاتية الكردية في شمال سوريا، لوكالة فرانس برس ان "الادارة الذاتية عرضت على روسيا أن تطرح على النظام إمكانية أن ينتشر الحرس الحدود السوري على الحدود ليحمي منطقة عفرين".

ويشرح عهد الهندي، مستشار العلاقات الخارجية في مجلس سوريا الديموقراطية، الذراع السياسي لقوات سوريا الديموقراطية، أن الاقتراح يقضي "ببقاء قوات الدفاع والشرطة والأمن الكردي في المنطقة، مقابل السماح بدخول حرس حدود سوري يرفع الأعلام السورية على الحدود مع تركيا، اذا كان من شأن ذلك طمأنة الاتراك" الذين يخشون حكماً ذاتياً على حدودهم قد تنتشر عدواه الى الأكراد في الجانب الآخر من الحدود.

وكانت موسكو سارعت إلى سحب قوات لها كانت منتشرة في منطقة عفرين وعملت سابقاً على تدريب مقاتلين في وحدات حماية الشعب الكردية، بعد بدء الهجوم التركي. وحمّل الأكراد روسيا مسؤولية الهجوم، واعتبروا انه ما كان ليحدث لولا "الضوء الاخضر" من موسكو.

ونتيجة التطورات في عفرين، قررت الإدارة الذاتية الكردية عدم المشاركة في مؤتمر الحوار السوري الذي دعت اليه روسيا في سوتشي.

وقالت الرئيسة المشتركة للهيئة التنفيذية لفدرالية شمال سوريا فوزة اليوسف لوكالة فرانس برس إن "الضامنين في سوتشي هما روسيا وتركيا، والاثنتان اتفقتا على عفرين".

ويتصدى المقاتلون الأكراد الذين أثبتوا قدرة عسكرية كبيرة في مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية، للهجوم التركي، لكنها المرة الأولى التي يتعرضون فيها إلى عملية كبيرة بهذا الحجم تتضمن قصفاً بالطائرات الحربية.

وأسفر الهجوم التركي حتى الآن، وفق ما وثق المرصد السوري لحقوق الانسان، عن مقتل 42 مدنياً و66 مقاتلاً من القوات الكردية.

ولم تستجب دمشق حتى الآن لدعوة الادارة الذاتية للتدخل.

ويقول مدير مركز الدراسات الاستراتيجية في دمشق بسام أبو عبد الله إن دمشق لن توافق على مجرد نشر قوات عند الحدود فـ"الدولة السورية تفرض سيادتها مع عودة المؤسسات السورية والسلطة الشرعية ودخول الجيش"، مضيفاً "يتحمل الأكراد مسؤولية ما ذهبوا اليه (...) الدولة السورية لا تعمل لديهم مستشاراً يطلبونه حين يحتاجونه".

الا ان الخبير في الشؤون الكردية موتلو جيفير اوغلو يرى في عدم تجاوب دمشق مع المطلب الكردي محاولة "لاضعاف المقاتلين الأكراد، ما يُمكن أن يجبرهم على الرضوخ لمطالبها".

ويرفض الأكراد اليوم عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل العام 2012، وهو ما أبلغوا به روسيا حين تلقوا عرضاً منها بدخول الجيش السوري لعفرين لتفادي الهجوم التركي، وفق ما افادت مصادر عدة.

ويقول الهندي إن "تسليم عفرين للنظام السوري مستحيل وكذلك الامر بالنسبة لتسليمها الى الاتراك".

وطوال عقود، اتبعت الحكومات السورية سياسة تهميش ضد الأكراد الذين يشكلون حوالى 15 في المئة من الشعب السوري وقد تصاعد نفوذهم بدءا من العام 2012 مع اتساع رقعة النزاع في البلاد.

وعمل الأكراد على تمكين "إدارتهم الذاتية" في مناطق سيطرتهم في شمال وشمال شرق البلاد التي أطلقوا عليها تسمية "روج أفا" أي غرب كردستان. وأعلنوا "النظام الفدرالي" في 2016 ونظموا المؤسسات وأجروا انتخابات لمجالس محلية في أقاليم روج آفا الثلاثة، وهي: الجزيرة (محافظة الحسكة) والفرات (تضم أجزاء من محافظة حلب واخرى من محافظة الرقة) وعفرين (محافظة حلب).

وتجنب الأكراد خلال سنوات النزاع الست الدخول في معارك مع قوات النظام باستثناء بعض المناوشات المحدودة. وطالما أخذت عليهم المعارضة السورية ذلك، متهمة إياهم بالتواطؤ معها.

وشكل الدور المتصاعد للأكراد قلقاً لدمشق التي تؤكد نيتها استعادة كامل أراضي البلاد، رافضة بشكل كامل النظام الفدرالي.

وشهدت سنوات النزاع تقلبات في العلاقات بين الاكراد والنظام وان كانت اتسمت اجمالا بتلاقي مصالح في مواجهة الفصائل المعارضة احياناً وفي مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية خصوصاً.

ولعفرين اليوم منفذ وحيد يربطها بمدينة حلب يمر عبر بلدتين يسيطر عليهما مسلحون موالون لقوات النظام. ويستخدم المقاتلون الأكراد هذا المنفذ للانضمام لزملائهم في عفرين.

ويوضح جيفير اوغلو "طالما أراد الأكراد علاقات جيدة مع النظام، إلا أنهم لا يريدون العودة إلى الوضع الذي كان مفروضا عليهم قبل الحرب، حين كانوا محرومين من حقوقهم الاساسية".

ويضيف "ان مطالبة دمشق بتسليم عفرين لها (...) غير منطقية. نجح الأكراد في حماية عفرين طوال خمس سنوات برغم الحصار، ولا يريدون أن يضحوا بالنظام الذي أنشأوه".

ويرى الأكراد، بحسب جيفير اوغلو، "في عودة النظام القديم السيناريو الأسوأ بالنسبة لهم".