fbpx
جانب من المظاهرات المناهضة لحركة بغيدا في مدينة دريسدن

"سبايك" لدمج اللاجئين في مدينة عرفت بـ"معاداة الأجانب"

بعد سقوط جدار برلين، أطلق سكان مدينة دريسدن مشروع سبايك لمساعدة المهمشين على الاندماج، لكن مع تزايد أعداد القادمين الجدد إلى المدينة، أصبح هذا المركز مكانا لمساعدة المهاجرين، وذلك في مدينة عرفت بـ"معاداة الأجانب".

في إحدى شوارع مدينة دريسدن الألمانية العريقة، يقع مركز سبايك"Spike". وحتى قبل دخول المركز فإن الألوان الزاهية و الجدران المغطاة بالرسومات والألوان اللامعة توحي للزائر ما يجري داخل المركز من أنشطة متنوعة.

في داخل المركز ترشدنا هنريتة هامر وهي أخصائية اجتماعية تعمل في المركز إلى غرف الرسم الإبداعية، كما ترينا استديو للرقص وآخر لتسجيل الموسيقى، وغرفة للاجتماعات والتعلم. وبالإضافة إلى الأنشطة الثقافية والموسيقية التي يقدمها مركز سبايك، فإنه يقدم أيضا استشارات للاجئين الذين يحتاجون إلى مساعدة وذلك ما بين الثالثة والسابعة مساء من الاثنين إلى الخميس. وتؤكد هامر أن جمهورهم المستهدف يتراوح بين 14 و 28 عامًا ولكن أي شخص يرغب في المشاركة هو موضع ترحيب.

وأثناء شرح الأخصائية هامر حول الأنشطة داخل المركز،  يدخل دانيل وهو شاب أرتيري طالبا المساعدة  في بعض الأمور المتعلقة بالتدريب المهني. ويقول لمهاجر نيوز: "لقد بدأت تدريبي المهني للتو". ويوضح بلغة ألمانية جيدة "أنا أتدرب لأكون مندوبا للمبيعات في متجر، لكني أحتاج بعض المساعدة في أمور التسجيل". إنه يحب دريسدن كما يقول" كما أن هذه المدينة بها فرص أكثر من غورليتز (بلدة صغيرة في ألمانيا الشرقية ) حيث عاش هناك لمدة عامين.

لمواجهة "مظاهرات بيغيدا"

"نحاول معرفة تفاصيل أي مشكلة قد يواجهها من يحتاج مساعدتنا." ، تشرح  إلين ديمنتز-شميت، إحدى المشرفات في المركز لمهاجر نيوز. لاحظت شيمت مثل غيرها من السكان في دريسدن تزايد أعداد المهاجرين القادمين إلى ألمانيا. وكانت أعداد المهاجرين المتزايدة هي إحدى الأسباب الرئيسية لانطلاق مظاهرات بيغيدا في المدينة، وتوضح " كنت أشارك دائما بالمظاهرات المضادة لبغيدا، بيد أن مظاهراتهم كانت تكبر وتستقطب المزيد من الناس". هذا الأمر دفع ديمنتز-شميت وغيرها من المواطنين إلى ضرورة ايجاد وسائل أخرى لمواجهة هذا الأمر.

 في هذه الأثناء قدمت مجموعة من الشباب الإرتيريين من طالبي اللجوء إلى دريسدن، وتم وضعهم مؤقتا في منزل قريب من مبنى سبايك. وتوضح ديمنتز-شميت: "فكرت في نفسي بأن ثمانية شباب لاجئين لا يجدون ما يشغلهم سيقود إلى مشاكل بالتأكيد". وتتابع "لمعت الفكرة في رأسي بأن هذه المشاكل باستطاعة مركز سبايك أن يخفف من وجودها". كانت هناك توترات تسود المدينة الألمانية وذلك بعد حادثة طعن شاب إريتري حتى الموت، ورجح الناس أن يكون الفاعل من بغيدا، ثم اتضح بعدها أن الجاني كان أحد زملاء الشاب الإرتيري.

 ديمنتز-شميت وزملاءها زاروا المكان الذي كان الشاب يعيش به وتبين لهم أنه من الضروري فتح أفاق جديدة أمام مجموعات المهاجرين وطالبي اللجوء.

في الواقع، تعتقد ديمنتز-شميت مثلها مثل الأشخاص الآخرين العاملين في مجال الهجرة في دريسدن، أن حركة بغيدا كان لها تأثير معاكس في بعض الأحيان حيث حفزت أولئك الذين لا يوافقون على تصريحات مثل "اللاجئون غير مرحب بهم" أو "أوقفوا أسلمة ألمانيا" للتطوع وإظهار تضامنهم مع الوافدين الجدد في المدينة.

وتتذكر ديمنتز-شميت قائلة، في عام 2015، عندما قرر سبايك فتح أبوابه للمهاجرين، "بدا الأمر وكأن موجة كبيرة تصل إلينا". وتوضح: "يأتي إلينا ما مجموعه 100 إلى 120 طالب لجوء يوميا" وهو ما شكل ضغطا كبيرا على المركز. ليصبح شعار المستشارة الألمانية " يمكن تحقيق ذلك" شعارا للمركز أيضا.

وبحسب ديمنتز-شميت فقد نجح المركز في الاستجابة لاحتياجات طالبي اللجوء وذلك لقدرة المركز على إقامة علاقات عميقة معهم وكسب ثقتهم. وتوضح "أحد الأمثلة على ذلك هو إيجاد طرق لتقديم مساعدة للمدمنين على الكحول، وهي مشكلة لاحظوا انتشارها بين بعض أفراد بعض المجتمعات، وتضيف "لدينا أيضا مشاريع ثقافية مختلفة كما أنه لدينا تواصل مكثف مع طالبي لجوء ومهاجرين لا يعرفون أو لا يرغبون بالحصول على مساعدة تقليدية، نحن نقضي ساعات طويلة هنا للتعرف اعلى كل حالة تطلب المساعدة ثم نحاول أن نقدم ما يحتاجون إليه".

الناس يأتون للحصول على المساعدة

سليمان عثمان من أريتريا كان أحد الرواد الأوائل الذي شارك في هذا المشروع. وصل عثمان إلى أوروبا عام 2014 وبعد بضعة أشهر من مكوثه في إيطاليا وصل إلى ألمانيا. أحد المتطوعين في المشروع سمعه يتحدث الألمانية في القطار داخل مدينة دريسدن وسأله إذا كان يريد أن يأتي للمساعدة في الترجمة، حيث عمل عثمان في سبايك منذ عام 2016 كمترجم ووسيط ثقافي.

يقول عثمان:" الناس يأتون إلى هنا للحصول على المساعدة". "هذا مكان خاص حقا للاجئين والمهاجرين. الكثير من الوافدين الجدد لديهم مشكلة مع اللغة و كيفية العيش في ألمانيا، ولكن من يشارك في الأنشطة التي نقدمها يستطيع الحصول على المعلومات اللازمة التي يحتاجها ويمكنه من فهم كيف تسير الأمور".

ومن خلال عثمان، طورت سبايك جسرا حقيقيا مع الجالية الإريترية في المدينة.  وتقول ديمنتز-شميت: "لقد كانت عملية تدريجية". "سليمان ليس مجرد مترجم ، وقد تمكن من تفسير العديد من الأمور الثقافية لنا ولللاجئين أيضا، فبحسب ديمنتز-شميت هناك العديد من الاختلافات الثقافية مثلا بين الألمان والارتيريين، ويوافقها عثمان الرأي ويقول على سبيل المثال فإن "لا يميل الإريتيريون إلى قول ما يعتقدونه بشكل مباشر".

التطلع إلى المستقبل

بفضل مشروع "سبايك" يشعر عثمان وعائلته بسعادة كبيرة في ألمانيا. إذ واجه صعوبة كثيرة حتى حصل على حق اللجوء هنا في ألمانيا. والسبب هو أنه ترك بصمته في إيطاليا، وبمساعدة سبايك حصل اللاجئ الإرتيري على تصريح إقامة في ألمانيا، إذ تمكن من إيجاد عمل في مجال العمل التطوعي.

مستقبلا يريد عثمان أن يدرس في مجال العلوم الاجتماعية في دريسدن. ويوضح "لم تكن هناك جامعة في إريتريا، رغم أنني حصلت على علامات جيدة في الثانوية العامة ". وقال عثمان إنه عمل مدرسا لبضع سنوات، ولكن القانون ينص على أنه يجب على كل رجل أن يحمل سلاحا ويقاتل من أجل الجيش ولذلك قرر الهروب  من بلده.

وجدير بالذكر أن مركز سبايك فاز ببعض جوائز الاندماج. آخر هذه الجوائز كانت في أكتوبر 2019 وتقول ديمنتز-شميت" أعتقد أننا نقدم صورة مختلفة عن ألمانيا للناس". وتتابع " نحن موجودون لدعم المحتاج حتى يتمكن من الوقوف على قدميه في أسرع وقت ممكن، ونريد أن نتأكد من أن الناس قادرة على شقّ طريقهم بمفردهم".