fbpx
جانب من تظاهرة نظمت رفضاً لرفع أسعار تذاكر مترو الأنفاق

الانتحار في مصر..ظاهرة مقلقة أم تضخيم إعلامي؟

شهدت مصر عدة حالات انتحار خلال شهر ونصف الشهر. حظيت تلك الحوادث بتغطية واسعة في وسائل الإعلام المختلفة. لكن الجدل يدور ما بين التساؤل حول حقيقة ارتفاع نسب تلك الحوادث ومابين وجود تضخيم إعلامي للوقائع من عدمه.

شهدت مصر خلال الأسابيع الأخيرة أكثر من سبع حالات انتحار، كان أغلبها في القاهرة التي شهدت ستة حوادث انتحار خلال عشرين يوما كثير منها تمت تحت عجلات مترو الانفاق.

التنسيقية المصرية للحقوق والحريات أكدت في تقرير لها أن هناك تزايداً ملحوظاً في عدد حالات الانتحار هذا العام، فمنذ يناير/ كانون الثاني وحتى بداية أغسطس/ آب تم تسجيل أكثر من 150 حالة قام بأغلبها شباب في الفئة العمرية ما بيم 20 و 35 عاماً، ما جعل البعض يدق ناقوس الخطر، كما قام المغردون بإطلاق هاشتاغ #الشباب_بينتحر_علشان   

 

تضخيم إعلامي؟

يرى البعض بأن عدد حالات الانتحار الأخيرة ليس كبيراً في دولة يصل عدد سكانها إلى أكثر من 100 مليون نسمة، وهو ما تتفق معه الدكتورة سهير لطفي أستاذ علم الاجتماع ورئيس المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية سابقًا والتي قالت خلال مقابلة لها مع DW عربية إن هذا التضخيم الإعلامي أخرج الحوادث من الصورة الفردية ليجعلها ظاهرة.

وأضافت أنه عند إعطاء مساحة لمثل تلك الحالات الفردية وتكرار سردها والحديث عنها فإنها بذلك تطغى على الموضوعات الأكثر حرجاً وأهمية، مشيرة إلى أن المجتمع المصري ينظر بفزع وقلق لمثل تلك الأمور التي يعتبرها دخيلة عليه.

يختلف مع هذا الأمر الدكتور عمار علي حسن الروائي وأستاذ علم الاحتماع السياسي والذي يرى أن نسب حوادث الانتحار لافتة بالفعل.

تسييس الانتحار!

لا توجد في مصر إحصائيات رسمية منشورة حول عدد حالات أو محاولات الانتحار، وتتحفظ الجهات الرسمية في مصر كثيراً على نشر مثل تلك البيانات لأسباب مختلفة قد يكون أحدها عدم إثارة الفزع في المجتمع أو منع تصدير صورة سلبية عن أحوال المجتمع إلى الخارج، وهنا يرى د.عمار علي حسن خبير علم الاجتماع السياسي أن الأزمة الحقيقية في مسألة الانتحار هي "تسييس الظاهرة".

ويرى علي حسن أن "لحظة الاستقطاب السياسي والإعلامي الراهنة بين جماعة الإخوان والسلطة أدت إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على الظاهرة ليتركز الحديث في أن حالات الانتحار هي بسبب فشل السياسات الاقتصادية للنظام، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الناس لم تستطع تحملها فتخلصت من حياتها أو أنها نوع من الاحتجاج السياسي من خلال استعمال الجسد" بحسب ما قال خلال مقابلته مع DW عربية.

ويضيف الروائي وخبير علم الاجتماع بأن الثورات العربية انطلقت بحرق بوعزيزي لنفسه وتكرر الأمر في مصر مع حادث الاعتداء على عماد الكبير وخالد سعيد، ما أدى إلى انتشار شعور بالغبن السياسي لدى كثير من الناس، لكن من الخطأ قصر كل تلك الحالات على الناحية السياسية، "وأتصور أن الإعلام الإخواني في تسليطه الضوء على هذه المسالة بشكل كبير يهدف إما إلى تعرية النظام أو إظهاره بمظهر العاجز عن تحقيق مطالب الشعب بتحميله مسئولية هذا الانتحار".

لماذا ينتحرون؟

تقول الدكتورة سهير لطفي استاذ علم الاجتماع لـ DW عربية إن بعض من ينتحرون قد يكون لديهم منذ الصغر مشاعر تحقير للذات فيؤدي بهم الأمر في النهاية إلى التخلص من هذه الذات الضعيفة، والبعض الآخر قد يكون لديه قدرات رائعة وحبيسة داخله فيفجرها بالتمرد على الحياة كلها، فيما قد يمر آخرون بأزمات لم يتدربوا على كيفية التعامل معها ضغطت بشدة عليهم فرروا التخلص منها بالتخلص من الحياة نفسها.

يتفق الدكتور عمار علي حسن الروائي وخبير علم الاجتماع مع جزء من هذا الطرح فيقول إن بعض حالات الانتحار قد ترجع إلى أن قسماً كبيراً من المجتمع المصري أصبح غير قادر على الاستمرار في الحياة نتيجة الضغوط الاقتصادية الهائلة وانعدام الأمل في المستقبل، كما أن هناك انتحارات لأسباب عاطفية أو خلافات أسرية بالإضافة لأسباب تتعلق بالاضطرابات النفسية أو ما يسمى بالاكتئاب العميق أو الاكتئاب الانتحاري.

يضيف علي حسن بأن المنتحر يرى أن المترو وسيلة أفضل وسريعة للتخلص من الحياة ويصاحبها حالة من الإشهار للموت، فبدلاً من أن يقتل الشخص نفسه في صمت فهو يحمل المجتمع كله مسئولية ما آل إليه بإشهار موته، مدركاً في ذلك بأن واقعة موته ستتناقلها مواقع التواصل الاجتماعي لتصل إلى ملايين الناس وكأنه نوع من الاحتجاج على هذا المجتمع أو تلك السلطة القاسية التي أدت به إلى التخلص من حياته.

تصريحات صادمة للأزهر وهيئة المترو

عقب الإعلان عن حوادث الانتحار الأخيرة والتي تم أغلبها أمام عجلات مترو الأنفاق، قال أحمد عبد الهادي المتحدث باسم هيئة مترو الأنفاق إن المترو ليس جهة انتحار، وأن تلك الحوادث تكبد الدولة خسائر فادحة بسبب تعطل عمل المترو لعدة ساعات في كل مرة، بخلاف عمليات الصيانة التي يتم إجراؤها بعد كل حادث مشيراً إلى تكوين فرق خاصة للرقابة على خطوط المترو الثلاثة لمنع مثل تلك الحالات.

 أما الأزهر فخرج عنه تصريح بأن المنتحر ليس كافراً الأمر الذي أثار جدلاً شديداً في مصر.

الدكتور عمار على حسن رأى في مقابلته مع DW عربية أن تصريح الأزهر في شكله العام صحيح علمياً ومقبول لأن ليس كل المنتحرين سواء، "فليس كل من أقدم على قتل نفسه هو شخص كفر بنعمة الله أو اعترض على حكمه لكن المشكلة أن مثل هذا الإعلان قد يفتح الباب لتزايد حالات الانتحار بعد أن كانت الناس تضبط نفسها ومشاعرها وتحافظ على حياتها إلتزاماً بقواعد الدين بأن الحياة ملك لله وأن الانتحار هو اعتراض على قدر الله وهروب من قدره".

أضاف على حسن بأن الأزهر كان عليه أن يستعين برأي علم النفس لضبط التصريح، فالمنتحر لأسباب مرضية كالاكتئاب العميق المؤدي للانتحار ليس بكافر لأنه شخص ليس مسئول عن تصرفاته، أما المنتحر لأسباب أخرى فلايجب أن نبرر له قتل نفسه.

دراسة مطلوبة

ويختتم الدكتور عمار حسن خبير علم الاجتماع تصريحاته بالقول إنه لابد من تقوم الدولة بدراسة أسباب تزايد معدلات الانتحار وهو أمر يدخل في نطاق اختصاص كل من الجهات الأمنية التي يجب أن تدرس ما إذا كانت هذه الحوادث نوعا من الاحتجاج السياسي أم لا وكذلك المؤسسات البحثية وعلى رأسها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية وكذلك المؤسسات الدينية لتعرف عما إذا كان هذا الأمر ناتج عن عدم ثقة في الدين خصوصا مع اهتزاز صورة كثير من رجال الدين مؤخراً في نظر الناس.