fbpx
الفنان الجزائري جيلالي بوجمعة

جيلالي بوجمعة: ما الفن إذا لم يواجه التطرف؟

بروحه المرحة وشغبه الطفولي، سرق الفنان الجزائري جيلالي بوجمعة الأضواء في ليالي مهرجان دبي السينمائي، حيث أجرت سكاي نيوز عربية لقاء معه، تطرق خلاله لموضوعات شائكة، مشددا على أهمية مواجهة الفن للتطرف و"الفكر الظلامي".

قد تكون العقود الخمسة التي أمضاها جيلالي على خشبة المسرح، ممثلا ومخرجا ومدربا، هي ما سهل عليه مهمة التعامل مع الآخرين،  لكن "أب المسرح الهاوي" كما يلقبه الجزائريون، ليس ممن يحبون سرقة الأضواء لإبراز نفسه، بل لإضفاء الابتسامة على وجوه الآخرين، ودعوتهم إلى قلبه.

ولدى سؤال بوجمعة عن تجربة البطل التي خاضها  في فيلم "إلى آخر الزمن" للمخرجة ياسمينة شويخ، أوضح دون تردد أن علاقته بالفن السابع ليست أكثر من استراحة محارب أتعب الخشبة ولم يتعب، لافتا إلى أن قرار المشاركة في هذا الفيلم لم يكن سهلا.

وأضاف أن الأمر تطلب أشهرا من "المفاوضات" مع صاحبة المشروع، وقراءة متأنية للسيناريو، وتفكيرا طويلا في شخصية "حفار القبور" التي جسدها.

ويسرد الفيلم قصة لقاء غريب بين رجل في عقده السادس وأرملة تزور قبر زوجها الراحل، ثم تتطور أحداث اللقاء إلى حميمية غامضة بين الشخصيتين، ويتخلل كل ذلك مشاهد تعج بالمفارقات وبصور التناقضات الاجتماعية في جزائر اليوم.

وقد تكون هذه الالتفاتات الذكية من المخرجة - كما يقول بوجمعة- هي ما شجعه على دخول المغامرة و"خيانة" علاقته الأزلية بالخشبة.

في بيته الصغير على شاطئ المتوسط بمدينة مستغانم، نسج جيلالي تلك العلاقة الأسطورية مع مسرح الهواة، إذ بدأ ممثلا في التاسعة عشر من العمر، ثم اختار أن ينشئ مسرحه الخاص، ومدرسته الخاصة، دون أن يفكر في ما سيتطلبه ذلك من إمكانيات مادية وجهد بدني.

وكانت الأجواء في سبعينيات القرن الماضي تشجع على المغامرة، خاصة في مجال المسرح، فقد نجح رواد من أمثال كاتب ياسين وعبد القادر علولة في كسر حاجز الخوف والممنوع وإيصال إبداعاتهم  إلى الناس.

لكن بوجمعة لا يكتفي بتقليد من سبقوه والسير على طريقهم كما يقول: "لقد اختلفت مع صديقي الراحل عبد قادر علولة - الذي قتله الإرهابيون مثل كثير من الفنانين-  في نظرتنا إلى المسرح، هو اختار ما يعرف بـ (مسرح القوّال)، أي المسرح الذي يقوم على نقل ما يقال، وأنا بنيت تجربتي على الفعل ونقل الإحساس الحركي في (مسرح الموجة) الذي أنشأته على شاطئ مستغانم".

وتابع: "هو المكان الذي توفي فيه أحد أكثر الموهوبين في تاريخ المسرح الجزائري، صيراط بومدين، بعد أن طارده الإرهابيون ولاحقوه  خلال ما يعرف بالعشرية السوداء، في حيه ومدينته وهران".

لكن اختلاف المدارس المسرحية، والمواقف الفنية بين من صنعوا هذه التجربة الفريدة في الجزائر، ليس هو الأهم، الأهم في نظر بوجمعة أنه وهب كل حياته للتكوين، تكوين جيل من الشباب المتفتح على ثقافة الآخر، المندفع إلى حب الحياة، المؤمن بقيمة الحرية قبل قيم الجمال.

وقال بوجمعة: "ما الفن إذا لم يواجه التطرف؟.. أن تحمي شابا واحدا من السقوط بين أيدي التعصب والفكر الظلامي إنجاز رائع لا يقدر بثمن، وهذا ما عملت عليه يوميا".

وأضاف: "كانت الجزائر –ولا تزال- تعج بأوكار الأصوليين المنحرفين، وكنت أنا ولا أزال جنديا بسيطا أخوض المعركة ضدهم ببندقية الخشبة، ورشاش الفكر وسيف الإبداع".

يذكر أن أستاذة الأنثروبولوجيا الأميركية جين غودمان، التي أمضت عدة سنوات في الجزائر، لأغراض أبحاثها الأكاديمية، وتعرفت عن قرب على جيلالي بوجمعة تقول في أحدث كتبها: "المسرح في الجزائر هو المجتمع والمجتمع مسرح في الجزائر"، وهكذا هو بوجمعة، مسرحية متنقلة، حطت هذا العام في رحاب مهرجان دبي السينمائي.