"الأمهات العازبات" في المغرب.. طريق وعرة نحو "الإنصاف"

"الأمهات العازبات" في المغرب.. طريق وعرة نحو "الإنصاف"

إلغاء محكمة مغربية لحكم سابق أقر بحق طفلة وُلدت خارج إطار الزواج في نسب أبيها، أعاد الحديث والجدل في المغرب عن "الأمهات العازبات" وحق أطفالهن في إثبات النسب والحصول على كامل حقوق البنوّة. DW ترصد النقاش حول ذلك.

ألغت محكمة الاستئناف بمدينة طنجة، شمال المغرب، حكماً قضائياً صادراً في نهاية يناير/كانون الثاني 2017، عن المحكمة الابتدائية بالمدينة ذاتها، كان قد اعترف للمرة الأولى في المغرب بحق الأبُوَّة لطفلة وُلدت خارج إطار الزواج.

الحكم الاستئنافي، أعاد الجدل من جديد حول ما يُعرف في المغرب بـ "الأمهات العازبات" وحقوق أطفالهن، كما أنه أثار خيبة وغضب العديد من الهيئات الحقوقية والمدنية المغربية، لا سيما أنه جاء بعد الحكم الأول الذي أقرَّ للطفلة بعلاقة الأبوة بناءً على اختبار للحمض النووي كانت الأم قد تقدّمت به، وهو ما اعتُبر حينها "سابقة قانونية" في المغرب و"حُكماً تاريخياً" للأطفال الذين يولدون خارج إطار الزواج.

الأمومة.. من حلم إلى كابوس!

بأسى، وصوت مختنق خافت، تخبرنا مريم (اسم مستعار) 17 سنة، من نواحي مدينة آسفي المغربية، أنها حامل في شهرها التاسع بجَنين ذكر، من شخص يكبرها بخمس سنوات كانت قد دخلت معه في علاقة عاطفية منذ دراستها في السنة الختامية للمرحلة الإعدادية، لتتطوّر بينهما العلاقة وتجد نفسها حاملا منه.

"كان دوماً يعدني بالزواج وإكمال العلاقة في الحلال، كما أن عائلته كانت على علم بعلاقتنا التي دامت عامين"، تقول مريم في حديث لـDW  عربية، مُضيفة بأن أسرتها علمت بخبر حملها لكن بعد مرور أكثر من ستة أشهر.

مريم، التي تعيش منذ أشهر بمقر للرعاية الاجتماعية تابع لجمعية "إنصاف للدفاع عن حقوق المرأة" بمدينة الدار البيضاء، لم تُخف نيَّتها في المتابعة القضائية لأب جنينها بعد ولادته، حيث أكدت أنها ستقوم بإجراء فحص طبي لتأكيد بنوّة مولودها لأبيه. الذي "أنكر حملي منه قائلاً إنه عقيم ولديه ما يثبت ذلك طبياً"، تقول مريم التي ستصبح أما بعد أيام قليلة.

القضاء "يُناقض" نفسه؟

وعن الأسباب التي دفعت بمحكمة الاستئناف إلى فسخ الحكم الابتدائي، الذي وُصف بـ "ثورة هادئة" في قانون الأحوال الشخصية بالمغرب، يقول أحمد كنون، محامي الدفاع عن أمّ الطفلة المعنية بالحكم القضائي (م.ن) إنه لا يعلم بالتحديد المستندات القانونية التي بَنَتْ عليها المحكمة الاستئنافية بطنجة حكمها الصادر يوم 11 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري (2017)، لأنه توصَّل فقط بمنطوق الحكم دون تفاصيله، معتبراً أن "الحكم الابتدائي كان مطابقاً للصواب، لأنه جاء معلّلاً تعليلاً علمياً وقانونياً واضحاً على عكس الحكم الاستئنافي الأخير الباعث على الأسف"، يضيف كَنون. 

في الوقت نفسه، لم يخفِ المحامي كنون، في حوار مع DW عربية، نيّته اللجوء إلى الطعن في الحكم الاستئنافي الأخير، قائلاً إنه "واثق من إنصاف الطفلة أمام محكمة النقض التي نضع كل آمالنا على عاتق قُضاتها، باعتبارها أعلى سلطة قضائية في المغرب".

"كارثة وتشجيع على تفاقم المشكل"

وضعية "الأمهات العازبات" طالما كانت محط نقاش وجدل كبير في المغرب، باتت تؤرق المجتمع المدني المهتم بقضايا المرأة؛ فحسب أرقام دراسة وطنية في المغرب حول الأمهات العازبات أجرتها جمعية "إنصاف للدفاع عن حقوق المرأة" بتعاون مع الأمم المتحدة، سُجّل "وجود نحو 30 ألف حالة حمل للعازبات في المغرب، لافتة إلى أنهن "يُعانين من الإقصاء والرفض والتمييز وحتى الاستغلال".

أرقام الدراسة المذكورة، تشير أيضاً إلى أن "سبعة من كل عشرة آباء مستقبليّين يتم إبلاغهم بحالات حمل خارج الزواج، لكن معظمهم يرفض الاعتراف بالمولود".

و مع الحكم القضائي الصادر عن محكمة الاستئناف في طنجة، يبدو أن وضعية هؤلاء "الأمهات العازبات" ستزداد تفاقماً، وهو ما ذهبَ إليه المحامي أحمد كنون في حديثه لـDW عربية حينما وصَف الحكم الأخير بـ "الكارثة التي ستزيد مشكلة هؤلاء النساء تفاقماً".

الأطفال.. ضحايا قبل أمهاتهم

بينما، أكدت بشرى غياتي، رئيسة جمعية "إنصاف" للدفاع عن حقوق المرأة أن "الضحية الأكبر هم الأطفال الذين يولدون خارج إطار الزواج، فهُم لم يختاروا آباءهم وليسوا مسؤولين عن إخراجهم إلى هذه الحياة"، واصفة، في معرض حديثها معDW  عربية، القرار القضائي الأخير بـ "الفضيحة الحقوقية التي تضرّ بصورة المملكة المغربية قضائياً وحقوقياً رغم أن الدستور في أحد فصوله ينص صراحة على ضمان الدولة للحماية القانونية والاجتماعية لجميع الأطفال مهما كانت أوضاعهم العائلية".

غياتي عبرت عن استيائها من الحكم الاستئنافي ضد الطفلة بعد الاعتراف سابقاً بنَسَبها لأبيها، قائلة إن "المغرب بلد يساعد فيه القضاءُ الرجالَ على عدم تحمّل نتيجة أفعالهم ومسؤولياتهم المترتبة عن علاقات جنسية خارج إطار الزواج على حساب رضيع"، وأضافت "مؤسف أن يُشجِّع المشرّع المغربي على وقوع حالات مماثلة في المستقبل لأنه لم يكن رادعاً".

جديرٌ بالذكر أن الجمعية المغربية، المعروفة بدفاعها عن حقوق المرأة، كانت قد أطلقت، في أيلول/سبتمبر 2017، حملة إلكترونية تحت شعار "كفى من ظلم الأطفال الذين وُلدوا خارج إطار الزواج" دعتْ فيها السلطات التنفيذية والتشريعية في المغرب إلى أن "يحظى كافة الأطفال المغاربة بالحقوق الأساسية ذاتها أيّا كانت أوضاع والديهم عند تكوّنهم".