عرض مختلط راقص في باحة امام المسد الأزهر بالقاهرة عام 2017، بدايات الانفتاح.

انفتاح الأزهر على الفن تحرك جريء نحو الإصلاح الديني

في سابقة هي الأولى من نوعها شارك فريق غنائي مختلط من جامعة الأزهر في مسابقة خارج حدود الحرم الجامعي ليدشن مرحلة جديدة يحاول فيها الأزهر تقديم نفسه كمؤسسة قادرة على قيادة قاطرة الإصلاح الديني مع تيار الانفتاح المصري .

رغم الضغوط المستمرة على الأزهر لتغيير الخطاب الديني في مصر، إلا أنه يبادر وبشكل مفاجئ بتقديم نفسه كوسيط ومعتدل بقبوله للفن بشكله المتحضر في وقت اعتدنا فيه على خروج بعض الأئمة والشيوخ يحرمون فيه الفن، وتأتي الفرقة الغنائية المختلطة وهم يغنون للفنانة الراحلة شادية "شباكنا ستايره حرير"، والفنان الراحل عبد الحليم حافظ "ليه تشغل بالك" بمشاركة من كبار شيوخ الأزهر، ليطوي صفحة من الجدل بين شيوخ الأزهر حول ما إذا كان الفن حرامًا أم حلالاً. ويبدو أن وجود فرق غنائية تشارك في مهرجانات لن تكون الأخيرة ضمن خطوات قد تتخذها جامعة الأزهر في الفترة المقبلة للبرهنة على أن الأزهر يتغير من الداخل دون ضغوط خارجية. ومع ذلك، فاعتراض ورفض التيارات السلفية لمحاولات الأزهر للإصلاح الديني ستحدد قدرة الأزهر على إحداث التغيير.

مزيد من الفن

يقول حسام شاكر المنسق الإعلامي لجامعة الأزهر لـ DW، أن مشاركتهم في العرض الغنائي الكورال جاءت للمرة الأولى خارج أسوار الجامعة، ومع ذلك فهم يشاركون في أنشطة فنية وغنائية عديدة داخل الجامعة. مشيرًا إلى الحماس الذي شعر به الطلاب عندما تقدموا للمشاركة في المسابقة، والتي كان من ضمن شروطها مشاركة الفتيات مع البنين بشكل متساوٍ، وهو شرط لاقى ترحيب الجميع. وتتكون الفرقة من ستة عشر عضوًا، نصفهم بنات، تتراوح أعمارهن بين 19و22 عامًا.

وتضمنت المسابقة أداء العديد من الأغاني الوطنية والتراث القديم ومنها أغنية يا أغلى اسم في الوجود يامصر وشبكنا ستايره حرير للفنانة الراحلة شادية وبعض المقطوعات لجلال الدين الرومي.

واعتبر شاكر أن الغناء والفن ليس حرامًا طالما أن الطالب يمتلك موهبة فنية ولا يستخدمها بشكل سلبي في أداء أغانٍ خادشه للحياء، وهو رأي يتفق عليه علماء الأزهر. مؤكدًا أنهم منفتحون على المشاركة في أية مسابقات فنية.

ورفض حسام شاكر اختزال مشاركة طلبة الأزهر في مسابقة الوزارة في الغناء، مؤكدًا أن الطلبة شاركوا في أعمال فنية أخرى مثل الإنشاد والمسرح والمراسلة التليفزيونية والغناء والرواية والفنون الشعبية والتراثية. وتابع "لقد أجاد فيهم طلاب الأزهر وهو ما لفت انتباه الجميع نظرا للفكرة العامة أن طلاب الأزهر يقتصرون فقط على العلوم الشرعية ولا يعرفون الفنون المسرحية أو الشعبية".

وانتهى شاكر إلى القول إن الأزهر منذ القدم يؤيد الفن، مدللًا على فنانين أُطلق عليهم شيوخ مثل الشيخ سيد درويش وهو ملحن مصري معروف، ومشددًا على أن الاعتدال والوسطية لا تكمن في الفن فقط ولكن من خلال المناهج والمعاملات.

بين مؤيد ومعارض من الطلبة

يؤيد محمد هجرس، وهو طالب في جامعة الأزهر، وجود فريق غنائي يمثل طلبة الأزهر، قائلاً "هناك تياران داخل الأزهر، تيار لا يرى حُرمة الغناء والموسيقى، وتيار أزهري أصولي يرى أن الغناء حرام والموسيقي وصوت المرأة عوره وغيره". ومع ذلك، فهو يعتبر الأزهر الآن في مرحلة انفتاح كبير مع انخفاض درجة التحفظ، لدرجة قبول الطلبة وأساتذة الجامعة بالغناء داخل الجامعة وسط الطلبة". كما حضر محمد العرض الفني، ليشجع زملاؤه. ويرى هجرس أن ما درسه على مدار الأعوام الماضية يعارض الفن، ولكن مؤخرا بدأ أساتذة الجامعة يتقبلون هذا الواقع. 

أسماء جمال، طالبة في جامعة الأزهر لها رأي مغاير، حيث ترى أنه لابد من الحفاظ على صورة الأزهر، واقتصار هذه المسابقات على الأغاني الوطنية أو الموشحات الدينية رافضة الأغاني الأخرى التي تعدها حرام خاصة وأنها تحمل كلمات عن مشاعر الحب والرومانسية. ولا ترى أن الأزهر يجب أن يحدث إصلاح ديني مؤكدة على أن الأزهر مازال يمثل الوسطية والاعتدال.

تيار سلفي معارض

يبدو أن سهام الانتقادات من السلفيين الرافضين للفن مازالت موجهة نحو مؤسسة الأزهر الشريف ومن هنا،رفض يحي الصافي سعد الله، داعية سلفي وخريج الأزهر الشريف، مشاركة الطلبة في الأنشطة الفنية، معتبرا أنها لا تجوز شرعًا وفقا للأصول الأزهرية. ومتابعًا "هناك اتفاق بين فقهاء المسلمين على حُرمانية الاختلاط والذي فيه تهيج للشهوات، وكذلك الفن والموسيقى". ورفض سعد الله ربط محاولات الأزهر للانفتاح بالفن بالإصلاح الديني. مفسًرا "الإصلاح الديني يتحقق من خلال نشر الفهم الديني الوسطي البعيد عن فكر الغلاه وأهل التطرف من التكفيريين".

وأبدى مخاوفه من أن انفتاح الأزهر على الفن سيؤدي إلى انشقاق داخل مؤسسة هي حصن الإسلام ليس في مصر فقط بل في العالم الإسلامي. وأردف" كما أن السماح باختلاط البنات مع الولاد سينشر الشر بين البشر". وشدًد على أن الأزهر يجب أن يتراجع عن هذه الخطوة، حفاظًا على صورته.

الأزهر يتغير من الداخل فقط

في نظرة تحليلية لتقييم دور الأزهر في الإصلاح الديني، أوضح الدكتور جورج فهمي، الباحث الزائر في الجامعة الأوروبية والمتخصص في الحركات الإسلامية أن شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب هو شخص منفتح وينادي بشكل مستمر بتجديد الأزهر وإحداث اصلاح ديني. ولكنه أشار إلى تحديات يواجهها في طريقه للإصلاح الديني. أولها الأصوات المحافظة الرافضة للتغيير داخل مؤسسة الازهر نفسها، لذلك يتبع شيخ الأزهر خطوات بطيئة حتى يتجنب الصدام مع هذه الأصوات. ثانيها الضغوط السياسية لإحداث التغيير، ومع ذلك، فشيخ الأزهر مدرك أن شرعية الأزهر تعتمد على احتفاظه بقدر من الاستقلالية عن مؤسسة الحكم في مصر. وبالتالي هو يرفض أن يأتي الإصلاح بأمر مباشر من النظام السياسي، على حد فهمي.

وعد فهمي إنشاء فرقة غنائية مختلطة في هذا الإطار محاولة للتغيير حتى لو بشكل رمزي، في إطار فكرة التغيير التدريجي من داخل المؤسسة وليس بأوامر سياسية. خاتمًا حديثه بالقول: "رد فعل الاصوات المحافظة سيمثل مقياس لانطلاق الأزهر في طريق الإصلاح".