البرازيل تواصل بدايتها المثالية وتكتسح بيرو برباعية نظيفة

من بين أكثر المشاهد المألوفة في تاريخ نهائيات كأس الأمم الأوروبية، رؤية النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو بعد خروجه مصابا في المباراة النهائية ليورو 2016 وهو يقف بجوار خط التماس ويوجه زملاءه من الخارج، متناسيا الآلام الشديدة التي أجبرته على الخروج من الملعب.

وسواء رأيت هذا المشهد في حينه على ملعب «استاد دي فرنس» في تلك الليلة، أو شاهدته الآن بعد كل هذه السنوات، فسوف تشعر أن رونالدو هو المدير الفني للمنتخب البرتغالي وليس أحد اللاعبين. ورغم أن رونالدو – قائد البرتغال وأهم لاعب بالفريق – لم يشارك إلا في جزء بسيط من المباراة بسبب الإصابة التي تعرض لها بعد التحامه بلاعب المنتخب الفرنسي ديميتري باييه، فإنه لم يكتف بالجلوس على مقاعد البدلاء، ولكنه ظل يوجه زملاءه داخل الملعب باستمرار وهو يقف بجوار خط التماس.

ورغم أن خروج رونالدو للإصابة يمكن اعتباره منعطفاً خطيراً في أعظم لحظة في تاريخ البرتغال على الساحة الدولية – ناهيك عن أن هدف الفوز الذي سجله المنتخب البرتغالي جاء في الوقت الإضافي بتوقيع اللاعب إيدر – فإن وقوف هذا اللاعب الرائع بجوار خط التماس ليوجه زملاءه كان يعكس شيئا مهما للغاية، حتى لو لم يكن مخططا له وجاء عن طريق الصدفة بعد خروجه للإصابة.

الثلاثاء الماضي، وبعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على هذا المشهد، وبعد أن شكك البعض بعد موسم طويل وصعب لرونالدو البالغ عمره 36 عاما في مدى إمكانية نجاحه في تقديم الإضافة لبلاده، وصل الرد من الهداف المخضرم، عندما ضرب بقوة في مستهل مشوار البرتغال للدفاع عن لقبها في كأس أوروبا 2020 بتحطيمه ثلاثة أرقام قياسية في مباراة واحدة، ليقود بلاده إلى فوز متأخر على المجر 3 – صفر في بودابست ضمن افتتاح منافسات المجموعة السادسة. وبات رونالدو اللاعب الأكثر تهديفا في البطولة القارية بعد أن رفع رصيده إلى 11 هدفا متقدما بفارق هدفين عن رقم النجم الفرنسي السابق ميشال بلاتيني الصامد منذ عام 1984، كما أصبح رونالدو أول لاعب في التاريخ يشارك في خمس نسخ من البطولة القارية، واللاعب الأوروبي الأكثر خوضاً للمباريات في بطولات كبرى (كأس أوروبا وكأس العالم) حيث رفع عدد مشاركاته إلى 39 في المواجهة أمام المجر.

وبدا أن مهاجم يوفنتوس سيعاني من ليلة محبطة، حيث أهدر فرصة سهلة في الشوط الأول لافتتاح التسجيل، مع افتقار زملائه للتركيز والحسم أيضا أمام المرمى. لكن بعد أن كانت البرتغال محظوظة في التقدم بهدف قبل ست دقائق من النهاية، جاء الدور على رونالدو الذي سجل من ركلة جزاء ثم أضاف الهدف الثالث بعد 177 ثانية بمهارة فردية. ولا تزال الرغبة موجودة من رونالدو لمطاردة المزيد من الأرقام القياسية، ويتوقع كثيرون أن يضيف الهداف البرتغالي المزيد من الإنجازات إلى سجله المذهل قبل انتهاء بطولة أوروبا 2020.

وإذا كان رونالدو هو ألمع نجوم المنتخب البرتغالي وأكثرهم شهرة، فإن القوة الذهنية للمديرين الفنيين هي التي ساعدت هذا البلد الذي لا يتجاوز عدد سكانه 10 ملايين شخص، على الصعود إلى قمة كرة القدم الأوروبية في القرن الحادي والعشرين. وتمتلك البرتغال عددا من المديرين الفنيين الرائعين، مثل جوزيه مورينيو، وخورخي جيسوس، بالإضافة إلى سيرخيو كونسيساو، الذي بلغ دور الثمانية في دوري أبطال أوروبا هذا العام مع نادي بورتو، الذي سبب متاعب كبيرة للغاية لنادي تشيلسي، الذي فاز باللقب في نهاية المطاف.

ولا يجب أن ننسى أيضا روبن أموريم، الذي تولى تدريب نادي سبورتنغ لشبونة في ربيع عام 2020 بعد أن أدار 13 مباراة فقط في الدوري البرتغالي الممتاز، ليقود النادي هذا الموسم للفوز بلقب الدوري الممتاز لأول مرة منذ 19 عاماً. وعلاوة على ذلك، هناك عدد آخر من المديرين الفنيين البرتغاليين الذين حققوا إنجازات كبيرة للغاية، مثل ليوناردو جارديم، وأندريه فيلاش بواش، وباولو فونسيكا، ونونو إسبريتو سانتو، وخلفه المحتمل في وولفرهامبتون، برونو لاجي.

يقول لويس أراوجو، المدير الفني لفريق بنفيكا تحت 19 عاماً: «لدينا نظام جيد للغاية لتطوير المديرين الفنيين.

يحصل المديرون الفنيون هنا على المزيد من الوقت من أجل التحدث، لذلك فنحن نتعلم دائماً مع المديرين الفنيين الآخرين ومنهم. إننا نعشق هذه اللعبة، لكن الأمر يتعلق بقدرتنا على التكيف، لأن البرتغال ليست دولة بها الكثير من الموارد. لذلك، يتعين علينا أن ننظم حصة تدريبية جيدة بكرة واحدة أو بملابس تدريب واحدة.

في بنفيكا، الأمر مختلف بكل تأكيد. لكن في بعض الأماكن الأخرى، لا يكون لديك ملاعب رائعة ومنشآت رائعة، لذلك نحن دائماً نتكيف مع الأوضاع الموجودة ونفكر في كيفية تحسين لاعبينا وطريقة لعبنا».

لقد رأى أراوجو الكثير بعد وصوله إلى النادي لافتتاح مقر بنفيكا في سيكسال في عام 2006 وقام بتدريب كل الفئات العمرية، بدءا من أقل من 14 عاماً وصولاً إلى أقل من 21 عاماً منذ ذلك الحين. يقول أراوجو ضاحكا: «أنا أشبه بنصب تذكاري هنا، لأنني أقدم مدير فني الآن». يذكر أن ثمانية لاعبين بقائمة المنتخب البرتغالي ليورو 2020 قد تخرجوا من أكاديمية بنفيكا للناشئين، مقارنة بثلاثة لاعبين فقط من المجموعة التي فازت ببطولة كأس الأمم الأوروبية 2016.

وهناك منافسة شرسة في البرتغال بين بنفيكا، الذي يتفاخر جمهوره بعبارته الشهيرة «سبعة من كل عشرة أشخاص يشجعون بنفيكا»، وسبورتنغ لشبونة، الذي تخرج منه عدد من أبرز اللاعبين في تاريخ كرة القدم البرتغالية، مثل باولو فوتري، ولويس فيغو، وريكاردو كواريسما، وسيماو سابروسا، وبالطبع كريستيانو رونالدو، الذي سُمي مقر تدريب النادي في ألكوشيتي باسمه في سبتمبر (أيلول) الماضي. وباتت أكاديمية «ألكوشيتي» البرتغالية مرادفا في هذه الأيام لأكاديمية «لا ماسيا» الشهيرة بنادي برشلونة، لكن قصة أكاديمية الناشئين التابعة لسبورتنغ لشبونة تبدأ قبل انتقالها إلى مركز متخصص في قرية هادئة للصيد في جنوب شرقي نهر تاجة من وسط لشبونة في عام 2002. وكان رونالدو، الذي جاء إلى البر الرئيسي من ماديرا وهو في الثانية عشرة من عمره، أحد اللاعبين الذين كانوا يقيمون في غرف بسيطة خلف المدرج الرئيسي في ملعب «جوزيه ألفالادي» القديم.

في البداية، كان كريستيانو يجد صعوبة كبيرة في التكيف مع الحياة في تلك المدينة الكبيرة، وكان ينزل بانتظام إلى كشك الهاتف أسفل المدرج الرئيسي ويتصل بالمنزل ويسأل والدته، دولوريس أفيرو، عما إذا كان بإمكانه العودة، لكنها كانت تدفعه دائما للبقاء هناك.

وفي الفيلم الوثائقي الذي أنتج في عام 2015 بعنوان «رونالدو»، تتذكر والدة النجم البرتغالي ما حدث آنذاك وتقول وهي تبكي: «لقد شعرت وكأنني قد تخليت عنه». وكشفت دولوريس أفيرو أنها أضاءت شمعة للمنتخب البرتغالي في كاتدرائية فونشال بجزيرة ماديرا في البرتغال، وذلك قبل المباراة التي انتهت بفوز الفريق على نظيره المجري 3 – صفر في الجولة الأولى من مباريات دور المجموعات بكأس الأمم الأوروبية (يورو 2020).

وقالت أفيرو في تصريحات لوسائل الإعلام البرتغالية قبل المباراة: «المهم هو تحقيق الفوز». وأبدت أفيرو ثقة في نجاح المنتخب البرتغالي في الحفاظ على لقب البطولة الأوروبية، وكشفت أنها تعتزم حضور المباراة النهائية للبطولة، والتي تقام في العاصمة البريطانية لندن. وأضافت أفيرو: «سأذهب فقط لمشاهدة المباراة النهائية. فالاحتفال هنا في ماديرا». ولدى سؤالها عن توقعاتها بشأن الفترة التي سيظل فيها رونالدو(36 عاما) نجما على أعلى المستويات، قالت: «ثلاث سنوات أخرى أو نحو ذلك».

إننا نعرف جميعا كيف سارت الأمور بعد ذلك مع النجم البرتغالي. وحتى قبل تطوير المرافق، كانت روح الاختراع واضحة، حيث أشار آخر مدير فني يقود سبورتنغ لشبونة للفوز بلقب الدوري البرتغالي الممتاز، وهو الروماني لازلو بولوني، كيف أن كواريزما ورونالدو – يفصل بينهما 18 شهراً في العمر، لكن كانت تربطهما علاقة قوية للغاية عندما كان رونالدو يلعب في فريق الرديف آنذاك – يتحديان بعضهما البعض لاختراع خدعة كروية جديدة في التدريبات كل يوم.

وقال لويس فيغو في عام 2017: «أعتقد أن الأمور تسير بشكل جيد في سبورتنغ لشبونة لأن هناك هدفاً واضحاً للنادي، ليس فقط من الناحية الرياضية، ولكن أيضاً فيما يتعلق بتطوير قدرات الشباب. من المهم حقاً أن يكون لدى اللاعبين الصغار هدف مرجعي، وفي حالتي كان مثلي الأعلى هو فوتري».

وفي تلك الفترة، كان من الممكن أن يشعر المرء بأن البرتغال لا تجيد سوى إنتاج اللاعبين الذين يتألقون في مركز الجناح فقط، حيث أصبح السير على خطى اللاعبين العظماء الذين تألقوا في هذا المركز نبوءة تتحقق من تلقاء نفسها.

وفي يورو 2016، نجح المدير الفني للمنتخب البرتغالي، فرناندو سانتوس، في إيجاد حل لمشكلة عدم وجود مهاجم صريح من خلال اللعب بطريقة 4 – 4 – 2 والاعتماد على الجناحين للتقدم للأمام والقيام بمهام المهاجم، حيث كان النجم المتحرك والمبدع ناني – خريج آخر لأكاديمية سبورتنغ لشبونة – يتحرك في العمق ليقدم الدعم للنقطة الثابتة في خط الهجوم: رونالدو.

والآن، ربما تكون المشكلة الوحيدة التي يواجهها المنتخب البرتغالي هي كثرة اللاعبين المتألقين في جميع المراكز، حيث يتألق كل من روبن دياز وبرونو فرنانديز في الدوري الإنجليزي الممتاز، بالإضافة إلى أن المهاجم الصريح أندريه سيلفا أحرز 28 هدفاً في الدوري الألماني الممتاز مع نادي آينتراخت فرنكفورت.

يقول أراوجو عن ذلك: «كان لدينا دائماً لاعبون موهوبون، لكننا عززنا فهم اللاعبين للمباريات. أعتقد أننا قبل بضع سنوات كنا ننظر دائماً إلى المراوغات على أنها موهبة، لكننا الآن نبحث عن اللاعبين الذين يفهمون المباريات جيدا. لذلك، لدينا الآن لاعبون رائعون في مركز قلب الدفاع وفي خط الوسط وفي الهجوم، وليس على الأطراف فقط، كما كان الأمر في الماضي».

ولم يعد الأمر يتوقف على روح الابتكار فقط، بل أصبح هناك استثمار كبير في كرة القدم البرتغالية أيضا، فالمركز الخاص بنادي بنفيكا، والذي يضم ملاعب التدريبات وأكاديمية الناشئين، على سبيل المثال، شهد تطويرا شاملا مرتين منذ افتتاحه، في عامي 2014 و2019، وأصبح يغطي 19 هكتاراً، بعد أن كان ممتدا في البداية على 15 هكتاراً فقط، ويضم تسعة ملاعب للتدريبات، وصالتين للألعاب الرياضية، و28 غرفة ملابس و86 مكاناً للمعيشة، من بينها 56 مكانا للمديرين الفنيين بأكاديمية الشباب.

يقول أراوجو عن ذلك: «حدث التغيير الكبير عندما جعل مجلس إدارة النادي أكاديمية الناشئين أولوية في فلسفتنا. لقد استثمروا في منشآتنا، وهو أمر جيد للغاية، كما استثمروا في الموارد البشرية، وفي الأشخاص المؤهلين في جميع المجالات، الطبية والفسيولوجية والتقنية والبشرية. إنه استثمار في اللاعبين». ويتمثل الانتصار الذي حققه رئيس بنفيكا، لويس فيليب فييرا – وبالطبع المنتخب البرتغالي – في أنه انخرط في عملية تطوير مدروسة، بدلا من اللجوء إلى حلول سريعة. يقول أراوجو: «أنا أعمل في مجال التدريب في بنفيكا منذ فترة طويلة، ونظرا لأن لدي أفضل اللاعبين وأفضل الفرق، فقد فزت بالكثير من البطولات في البرتغال».

ويضيف «لكن بالنسبة لي، فإن أفضل بطولة أحصل عليها عندما أرى أحد هؤلاء اللاعبين وهو يلعب بقميص المنتخب الوطني، أو الفريق الأول لبنفيكا أو أحد الأندية الكبرى على الساحة العالمية. لقد بكيت عندما سجل ريناتو سانشيز أول هدف له على ملعب دا لوز ضد نادي أكاديميكا.

هذه هي بطولاتنا الحقيقية – أن ينجح لاعبونا على المستوى الاحترافي مثل روبن دياز، وجواو فيليكس، وبرناردو سيلفا. إننا نراهم وهم يلعبون على هذا المستوى العالي، وهذه هي أفضل بطولة نحصل عليها».

وكان العزاء في خسارة المنتخب البرتغالي أمام نظيره الألماني في المباراة النهائية لكأس الأمم الأوروبية تحت 21 عاما مؤخرا يتمثل في أن هذا هو الظهور الثاني للبرتغال في المباراة النهائية في النسخ الأربع الأخيرة، وهو ما يشير إلى أن كرة القدم البرتغالية لديها مستقبل مشرق، حيث يسير منافس بنفيكا – بورتو – على نفس الطريق ويعمل على تطوير أكاديمية الناشئين، وهو الأمر الذي ينعكس في وجود خمسة لاعبين من أكاديمية النادي، بقيادة فابيو فييرا ونجل المدير الفني فرنسيسكو كونسيساو، في قائمة المنتخب البرتغالي. ودائما ما يمنح اللاعبون الكبار المحترفون في كبرى الملاعب الأوروبية الثقة والطمأنينة للاعبين الشباب الذين يسعون للسير على نفس الطريق.

يقول أراوجو: «دائما ما نسأل بعضنا البعض عما إذا كان بإمكاننا تحقيق مثل هذه الإنجازات.

وقال لنا جوزيه مورينيو ورونالدو إنه من الممكن تحقيق ذلك. وإذا استطاع بعض من أبناء وطننا، مثل مورينيو ورونالدو، تحقيق الكثير من الإنجازات بالخارج، فيمكن للكثيرين غيرهم أن يحققوا نفس الإنجازات. لذلك، خرج الكثير من المديرين الفنيين وحققوا نجاحات كبيرة في بلدان أخرى، وينطبق نفس الأمر على اللاعبين أيضا، لأننا نقول لأنفسنا: إذا حقق كريستيانو ومورينيو هذه النجاحات الرائعة، فلماذا لا يمكننا فعل ذلك؟ هذا أمر مهم للغاية لكي نشعر بالثقة في أنفسنا».

ومن المؤكد أن البرتغال لا تفتقر الآن إلى هذه الثقة، بعد كل هذه النجاحات والمواهب التي تتألق في كبرى الملاعب الأوروبية، وهو الأمر الذي يجعلها أحد أبرز المرشحين للحصول على لقب كأس الأمم الأوروبية الحالية!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى