ليبيات يشترين حاجيات من احد اسواق طرابلس

طرابلس "تحب الحياة" وتامل بسلام قريب

يتنقل سميح بين طاولات المقهى الشبابي في طرابلس، يسترق النظر الى فتاة وحيدة مع كتاب ويستمع الى صديقه محمد وهو يكرر على مسامعه ان العاصمة الليبية "تحب الحياة" وتنشد السلام رغم الاضطرابات الامنية التي يخشى السكان ان تتزايد مع استمرار الازمة السياسية.

ويقول محمد (19 عاما) وهو ينظر الى هاتفه النقال في يده "طرابلس جميلة فعلا. فوضوية، نعم، تغيرت كثيرا، نعم، لكنها تبقى جميلة. هناك الكثير من الاماكن التي يمكن زيارتها والكثير من الامور التي يمكن ان نقوم بها هنا رغم الاضطرابات الامنية".

ويضيف هذا الطالب الجامعي صاحب النظارتين البنيتين بابتسامة وهو يتحدث الى سميح (19 عاما) "انظر الى هذا التطبيق (على الهاتف)، فهو يذكر بعض معالمها التي لا تعد ولا تحصى". ويتابع "طرابلس تحب الحياة (...) ولا بد ان يعمها السلام".

وتعصف بليبيا ازمة سياسية عنوانها الصراع على الشرعية والسلطة بين حكومة يعترف بها المجتمع الدولي وتتخذ من طبرق في شرق البلاد مقرا لها، وحكومة مناوئة لها تفرض سيطرتها على طرابلس بمساندة خليط من الجماعات المسلحة التي تعمل تحت اسم جامع لها هو "فجر ليبيا".

وتعيش طرابلس منذ الصيف الماضي على وقع اضطرابات امنية مستمرة منذ ان شهدت معارك ضارية سيطرت على اثرها قوات "فجر ليبيا" على المدينة الساحلية بعدما طردت القوات الموالية لحكومة طبرق منها.

والى جانب الصراع المسلح المستمر بين قوات "فجر ليبيا" وقوات حكومة طبرق التي غالبا ما تشن غارات على مواقع للمسلحين المناوئين لها، تشهد العاصمة تفجيرات تستهدف القوات الامنية بعدما تركزت في الماضي على السفارات الغربية التي اغلقت معظمها ابوابها.

ورغم هذه التفجيرات المحدودة التي يتبناها عادة تنظيم الدولة الاسلامية المتطرف، واصوات الرصاص التي تسمع بين الحين والاخر في ارجاء المدينة التي يسكنها نحو مليون شخص، فان الحياة اليومية في طرابلس حافظت على بعض من نمطها الطبيعي.

وفي شارع قرقارش الراقي في شمال غرب العاصمة، تصطف السيارات خلف بعضها البعض في صفوف طويلة تسير ببطء جراء الازدحام، من العصر وحتى المساء.

ويتجول المارة وبينهم نساء غطت غالبيتهن روؤسهن بحجاب ملون، او وضعن الحجاب حتى منتصف رؤوسهن، على الرصيفين المتقابلين، يدخلون المحلات التي تبيع الملابس، او المطاعم والمقاهي التي تنتشر على مسافة نحو ثلاثة كليومترات.

ويقول انس الثلاثيني الذي يعمل في مطعم لبيع الدجاج المقلي "حدثت بعض الاضطرابات وابتعدت الناس عن الخروج لفترة في الصيف الماضي، لكن الامور عادت الى مجراها".

ويضيف "هذا لا يعني ان الناس مرتاحة ولا تخشى شيئا. الحياة تستمر طبعا، لكن هناك خوف من المستقبل، من التفجيرات التي نتوقع ان تزداد، ومن المواجهات التي قد تندلع من جديد بين المسلحين لاس سبب كان وفي اي وقت".

ويتابع "بعض السكان يخرجون مساء لكن العديد منهم يفضلون البقاء في منازلهم عندما يحل الظلام وتنتشر نقاط التفتيش التي من الصعب التعرف على الجهة التي ينتمي اليها من يشرف عليها".

وتتنقل في طرابلس قوات مسلحة في سيارات عسكرية رباعية الدفع في اغلبها، تعمل على تامين العاصمة، وتقيم نقاط تفتيش في بعض احيائها، علما ان نقاط التفتيش هذه تزداد مساء.

وعلى الطريق المؤدي الى وسط طرابلس، انطلاقا من قرقارش، تبرز اللافتات الحديدية الكبيرة التي تروج لمنتوجات، لكن العديد منها تحمل صور اشخاص سقطوا في معارك وتحتها عبارات تعرف عن الشخص المعني، وغالبا ما تبدا بكملة "الشهيد".

وتزين الجدران البيضاء والابواب الزرقاء والخضراء في المدينة القديمة في وسط طرابلس العبارات ورسوم الجرافيتي التي اختلطت في ما بينها تلك العائدة الى مرحلة الانتفاضة ضد نظام معمر القذافي، باخرى تخص الصراع الحالي.

وكتبت على احد الجدران عبارتا "ليبيا حرة" و"طرابلس الغرب قلعة الاحرار" قرب رسم للعلم الذي اعتمد عقب سقوط النظام السابق، فيما كتب على جدار اخر "نعم لفجر ليبيا، لا للمجرم حفتر"، في اشارة الى قائد القوات الموالية لحكومة طبرق خليفة حفتر.

ويرى الباحث في "معهد صادق" الليبي انس القماطي ان "الليبيين (...) يريدون اشياء متناقضة (...) لكنهم بالتاكيد لا يريدون المزيد من الحرب"، مشددا على ان هناك "حاجة ماسة لحل سلمي".

وفي مطار معيتيقة في شرق طرابلس الذي تعتمده سلطات العاصمة حاليا بعدما دمرت المعارك المطار الرئيسي الاخر جنوب المدينة، يتحدث رجا بمزيج من الحماسة والخوف عن قراره العودة للعيش هنا بعد سنوات من العمل في الخارج.

ويقول قبل ان يتوجه نحو ختم جواز سفره في الغرفة الصغيرة المخصصة لاستقبال الوافدين حيث بدت واضحة اثار القصف "عدت قبل سنة ونصف السنة بعد سنوات قضيتها في الخارج، املا ككثير من الليبيين بسلام قريب".

ويضيف "عندما وصلت حينها الى طرابلس، ذهبت الى محل لبيع المواد الغذائية. اقتحمه فجاة مسلحون، فاطلقوا النار عشوائيا، ورفعوا السلاح بوجهي وانا اجثو على ركبتي وهددوا بقتلي، ثم اقتادوا صاحب المحل وغادروا".

وتابع "تركت طرابلس بعد الحادثة فورا وعدت من حيث اتيت. اليوم قررت العودة لاني احب مدينتي، واؤمن بها وبان السلام سيعمها قريبا، لكنني لن اذهب مجددا ابدا الى محل يبيع المواد الغذائية".

 

×