مياه نبع اللبن تصب في سد شبروح شمال بيروت

لبنان على عتبة أزمة مياه صعبة بعد موسم شتاء شبه جاف

قبل نحو شهر من الموعد المعتاد، اضطر خالد الكعبي لري مزروعاته في بلدة عميق بشرق لبنان، لتعويض نقص مياه الامطار خلال شتاء يعد من الاكثر جفافا منذ 80 عاما، ما ينذر بأزمة مياه "خطيرة" و"دراماتيكية"، بحسب خبراء ومسؤولين.

ويترافق الشح مع تزايد الطلب اثر تدفق اكثر من مليون لاجىء سوري الى لبنان، واستمرار هدر الموارد في بلد يعد من اغنى الدول العربية بالمياه.

ويقول الكعبي لوكالة فرانس برس "عادة نروي المزروعات نهاية أيار، الا اننا مضطرون للقيام بذلك حاليا بسبب قلة كميات الامطار هذه السنة".

وبحسب مصلحة الارصاد الجوية في مطار بيروت، بلغت نسبة المتساقطات في الموسم الحالي 431 ملم، مقابل 905,8 ملم العام الماضي. والمعدل العام لهذا الوقت من السنة هو 812 ملم.

ويقول استاذ هندسة الري وادارة المياه في الجامعة الاميركية في بيروت هادي جعفر ان "السنة الاكثر جفافا في لبنان كانت في العام 1932، حين بلغت نسبة المتساقطات في بيروت 335 ملم". الا ان 2014، ومع تضاعف عدد السكان وزيادة المساحات المزروعة، "أسوأ بأشواط (...) يمكننا القول انها الاكثر جفافا".

ويستخدم المزارعون عادة للري مياه قنوات متفرعة من مجاري الانهر، او برك صغيرة لتجميع مياه الامطار. الا ان نقص المياه هذه السنة يحول دون ذلك.

ويقول الكعبي وهو يراقب عمالا يمدون قساطل مياه وبخاخات وسط حقله المزروع بالقمح المعد للعلف في سهل البقاع، اكبر المساحات الزراعية واكثرها خصوبة في لبنان، "هذه السنة لجأنا الى الآبار الجوفية. لكن اذا تكرر الشح السنة المقبلة، 95 بالمئة من الآبار سوف تجف".

وبحسب جعفر، يبلغ الطلب على المياه سنويا نحو 1,8 مليار متر مكعب، يجب تأمين معظمها هذه السنة من المياه الجوفية، ما سيؤدي الى تناقص كمياتها "بنحو 1,2 مليار متر مكعب".

ويتمتع لبنان بأكبر مساحة من الاراضي الزراعية نسبة لعدد السكان في الدول العربية، الا ان هذا القطاع الذي يشغل 12 بالمئة من اليد العاملة، لا يمثل سوى 11,7 بالمئة من الناتج المحلي.

ودعت لجنة الاشغال والطاقة النيابية في نيسان/ابريل الى تأليف "خلية طوارىء مائية"، محذرة من "خطورة" الأزمة المتوقعة.

ويقول المدير العام للتجهيز المائي والكهربائي في وزارة الطاقة والمياه فادي قمير لفرانس برس "نواجه فعلا وضعا دراماتيكيا".

ويوضح قمير ان كمية المياه المتجددة سنويا كانت تكفي الطلب السنوي، وان التوازن بين المتوافر والمطلوب كان يكفي حتى العام 2020. لكن "مع تدفق اللاجئين السوريين، سيصبح التوازن سلبيا بدءا من هذه السنة".

ويبلغ تعداد السكان في لبنان اربعة ملايين نسمة، وبات يستضيف اكثر من مليون لاجىء سوري. وفي شباط/فبراير، رجحت مفوضية اللاجئين التابعة للامم ان تكون هذه الزيادة ادت الى "انخفاض بشكل كبير" في مصادر المياه المتجددة للفرد.

وبحسب قمير، عرف لبنان هذه السنة "نصف كمية الامطار والثلوج المعتادة". وفتحت مراكز التزلج التي يشتهر بها لبنان، ليومين فقط.

وتبدو الجبال جرداء في محيط سد شبروح الواقع على ارتفاع 1650 مترا في منطقة كسروان (وسط). وافتتح السد، وهو واحد من اثنين فقط في لبنان، العام 2007 لتجميع مياه نبع اللبن، بسعة تسعة ملايين متر مكعب.

ويقول احد العاملين في السد ان النبع يضخ هذه السنة بنصف قوته المعتادة، وان كمية المياه المجمعة حتى الآن هي "ثلث الكمية السنوية". ويشير الى ان فائض السد الذي يستخدم عادة لري المزروعات "استمر لشهرين ونصف شهر في 2013".

وفي لبنان نحو 40 مجرى مائيا منها 16 نهرا يصب معظمها في البحر.

وتبلغ نسبة مياه الانهر المهدورة في البحر تبلغ اكثر من 70 بالمئة، بحسب جعفر.

الى ذلك، تبلغ نسبة الهدر في الشبكات الارضية 48 بالمئة، بحسب قمير، بسبب قدم هذه الشبكات وحاجتها الى اعادة تأهيل.

كما يتوقف عند "الاسراف في استخدام المياه" من جانب السكان.

ولا يدخل الاقتصاد في المياه في ثقافة المواطنين اجمالا. وغالبا ما تشاهد مياه متدفقة من قساطل مثقوبة على الطرق العامة او في مشاريع خاصة. كما تستخدم العائلات المياه دون حساب. وعندما تنقطع المياه عن المنازل، يشتري اللبنانيون خزانات مليئة بالمياه تعبأ من ينابيع او من آبار جوفية.

وطلبت وزارة الطاقة والمياه من السلطات المحلية هذه السنة "مراقبة الهدر والاسراف في استعمال المياه"، داعية السكان الى "التخفيف من استعمال المياه على الصعيد الشخصي ولا سيما مياه الاستحمام".

ويحاول القطاع الخاص التوعية على ترشيد استهلاك المياه عبر مبادرات فردية.

ومن هذه المبادرات خدمة "دجاست ووش" لغسل السيارات باستخدام رذاذ مواد من الاعشاب، يضاف اليها 150 ملم من المياه فقط لكل سيارة.

ويقول وسيم زيدان، احد مؤسسي الخدمة، ان اطلاقها كان "بهدف الدفع نحو ترشيد المياه".

وطرح "ملتقى التأثير المدني" المؤلف من رجال اعمال وناشطين، مشروع "بلو غولد" (ذهب أزرق) في آذار/مارس، المستند الى خطة خمسية "تتصدى لخسائر قطاع المياه"، بحسب موقعه الالكتروني. ويسعى اصحاب المشروع لجمع مليون توقيع على عريضة ترفع لاحقا الى الحكومة، لتأسيس "مجلس وطني للمياه" بمشاركة القطاعين العام والخاص.

ويحول فساد الادارات الرسمية والانقسام السياسي الحاد، دون انجاز المشاريع التنموية الحيوية.

ووضعت في العام 2000 خطة عشرية لقطاع المياه، تشمل انشاء 27 سدا وبحيرة اصطناعية.

ويقول قمير "قرعنا جرس الانذار لتحضير لبنان لمواجهة الاحتباس الحراري، الا اننا لم نتمكن من تنفيذ سوى واحد بالمئة من اهدافنا... للأسف لا توجد ارادة سياسية في لبنان".