الملك الأردني يقول إن الأزمة السورية قد تتحول من حرب أهلية إلى نزاع إقليمي ومذهبي

حذر الملك الأردني عبدالله الثاني، من خطورة العنف الدائر في سوريا، مبدياً قلقه من أن تتحول الحرب هناك من أهلية الى نزاع إقليمي ومذهبي، معتبراً أن السنة والشيعة حقيقة ستستمر إلى يوم الدين، ورأى أن إنسداد أفق السلام سيفجر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

وقال في حديث لصحيفة "الشرق الأوسط" السعودية الصادرة في لندن ووزع نصها الديوان الملكي الأردني، اليوم الأربعاء، "كنّا من أوّل المحذرين من خطورة تطور العنف الدائر في سوريا، الذي بدأ كحركات احتجاجية ومطلبية سلمية ومشروعة، كان يمكن استيعابها، فتحولت من معارضة إلى ثورة مسلحة، وتدريجيا إلى نزاع أهلي بأبعاد طائفية ومذهبية، والآن بات واضحاً للكل أن الأزمة السورية قد تمتد من حرب أهلية إلى نزاع إقليمي ومذهبي، لا تحمد عقباه، ولا يعلم أحد أين يمكن أن يصل مداه".

وأضاف "لطالما حذّرت من سهولة تصدير الأزمة السورية إلى الخارج بسبب تداخل التركيبة الديمغرافية لدول الجوار، ويبدو أن هناك مساع للهروب من هذه الأزمة داخلياً إلى الأمام عبر تحويلها إلى أزمة إقليمية، وعلى الحريصين على مستقبل المنطقة واستقرارها وأمن أجيالها أن يضعوا حدا للتمدد الإقليمي للأزمة السورية، فهي تتسارع وتتضخم. الوضع بحاجة إلى حلول".

ولفت إلى أنه "آن الأوان لتنسيق عربي ودولي أكثر جدية من أجل وقف تداعيات الأزمة السورية، ووضع حد لها، ووقف امتداداتها.. والوضع لا يحتمل الانتظار".

وأوضح الملك عبدالله الثاني، أن "سوريا مقسمة يعني نزاعا مفتوحاً، يقوض الإستقرار في المنطقة ويعطل مستقبل أجيالها.. تقسيم سوريا ليس في مصلحة أحد، والمساس بوحدة سوريا هو وصفة للخراب".

وقال "دعونا نتخلص من هذه الأفكار من قاموسنا ونرجع إلى الحل الأمثل والمنطقي، والذي نأمل أن يتم دعمه وترجمته بمبادرة وغطاء سياسي دولي، والمتمثل بالجهود المبذولة لعقد مؤتمر دولي يطبق ما تم الاتفاق عليه في جنيف من قرارات عام 2012، وهو، وقف فوري للعنف، وإطلاق عملية انتقالية سياسية شاملة تضم وتمثل جميع مكونات المجتمع السوري.. وأكرر جميع مكونات المجتمع السوري، وعملية مراجعة ومصالحة، وإصلاح سياسي حقيقي يتوافق عليه وينفذه السوريون، وتكثيف الجهود الإغاثية داخل سوريا لتسريع عودة اللاجئين إليها.. بالرغم من كل الآلام والدماء والعنف والتخريب".

وأشار إلى أن "المصالحة والتسوية (في سوريا) ما زالت ممكنة، فمستقبل سوريا وإنهاء معاناة شعبها مسؤولية في أعناقنا جميعا".

غير أن الملك عبدالله الثاني أوضح أنه "للأسف، لم تعد النصيحة مسموعة في ظل انتهاج العنف، وبالرغم من محاولاتنا الصادقة في بداية الأزمة لمد يد العون وبذل النصيحة ومشاركة الدروس والعبر من منطلق حرصنا على شعب سوريا وسلامة ووحدة أراضيه، ناهيك عن حسن الجوار، فقد تم إهمالها، ما اضطرنا إلى محاولات إعلامية ودبلوماسية لبعث التذكير تلو الآخر بخطورة الإنزلاق في دائرة من العنف والدماء والخراب".

ولفت إلى أن "الأزمة السورية اليوم، هي من أهم مصادر القلق للسياسة الخارجية الأردنية.. وهي في صميم تواصلي ومباحثاتي مع الزعماء الدوليين والإقليميين.. ويكاد لا يمر لقاء يجمعني بأية شخصية دولية من دون بحث الأزمة السورية وتداعيتها وسبل معالجتها".

وقال الملك الأردني "يؤلمنا أن نرى سوريا بحواضرها ذات الامتداد الأطول في التاريخ الإنساني تتحول إلى فسيفساء من العنف والكراهية، كما يؤلمني ويؤلم جميع الأردنيين أن نرى دماء الشعب السوري تسفك، لقد وصلت الأمور إلى مستوى على الجميع داخل سوريا وخارجها أن يقف ويقول.. كفى".

وتابع أن "التخوف الذي حذرنا منه في السابق هو أن يكون هناك هيمنة سياسية لمحور على أساس مذهبي، وليس القصد المذهب الشيعي كعقيدة.. القضية هي في استغلال الدين والمذهب كوسيلةً لتحقيق مآرب سياسية، الإسلام أكبر وأعظم وأسمى من كل ذلك، وأنبل من أن يُتخذ وسيلة للوصول للسلطة وبث الفرقة".

وزاد "لا يمكن لنا السكوت على محاولات العبث بمصير المنطقة وشعوبها عبر استغلال الدين والمذاهب في السياسة واتخاذها وسيلة للفرقة.. وهنا لا بد أن أحذر من أن التوسع في إذكاء نار الطائفية بالعالمين العربي والإسلامي سيكون له أبعاد مدمرة على أجيالنا القادمة وعلى العالم.. وأكثر ما نخشاه أن يتوسع الصراع في سوريا، ويتحول إلى فتنة بين السنة والشيعة على مستوى المنطقة".

وأضاف عبدالله الثاني "إننا الآن أمام أمر واقع مفاده أن كلا من السنة والشيعة يظن أنه لا مفر من حرب طائفية عقائدية مهلكة في سوريا إن تركنا الطرفين على قناعتهما أن ما يحدث في سوريا هو جهاد من حيث المبدأ".

وقال أن "هذا يعني أنه لا نهاية لهذا الصراع والقتال، لأن السنة والشيعة حقيقة ستستمر إلى يوم الدين.. ما يحصل في سوريا حقيقة هو ثأر مذهبي طائفي (السنة تنتصر للسنة، والشيعة تنتصر للشيعة)، وهذه مسألة مهمة ينبغي على الكل إدراكها.. إذا ما استطعنا أن نوقف الصراع وأن نحقن الدماء في سوريا، وأن نصل إلى حل سياسي انتقالي يشمل الجميع، فيمكن للسنة والشيعة في هذا البلد أن يتصالحوا ويتعايشوا مستقبلاً، الأمر الذي يحفظ وحدة سوريا وأرضها وشعبها.

ورأى الملك عبدالله الثاني أن الأردن "معني بشكل أساسي، ومن منطلق مصلحة الوطن العليا، وأمنه القومي في تحقيق السلام في المنطقة، وليس كوسيط أو عامل مساعد".

وأشار إلى أن ما تمر به المنطقة من اضطرابات هو "حافز رئيسي للإسراع في تحقيق السلام ".

وحذر من أن إنسداد أفق السلام سـ"يفجر العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين على شاكلة تحاكي احتجاجات الربيع العربي، سواء في إطار انتفاضة جديدة، أو دوامة عنف وعنف مضاد من خلال فقدان الأمل بحل الدولتين وبروز واقع دولة واحدة يُضطهد فيها الفلسطينيون، ما سيشعل ثورة شعبية تعبّر عن الظلم التاريخي الذي لحق بهم. وبالتالي".

وجدد الملك الأردني موقف بلاده الداعي ، إلى حل النزاع (بين الطرفين) على "أساس رؤية الدولتين، وقيام دولة فلسطينية مستقلة، كاملة السيادة على أراضيها، قابلة للحياة على التراب الوطني الفلسطيني، استنادا إلى خطوط ما قبل حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية".

ورأى أن الأردن "الأقل عرضة لخطر الإنقسام والتوتر الطائفي بسبب التركيبة المتجانسة للمجتمع الأردني، وبسبب العملية التاريخية لبناء الهوية الوطنية الأردنية الجامعة".

وأضاف الملك عبدالله الثاني أن "هذا الأمر كفل حمايتنا من الإنزلاق نحو الصراعات الطائفية والعرقية على مدار التاريخ، إلا أننا الأكثر تعرضاً لانعكاسات أزمة اللجوء إذ وصل عدد اللاجئين السوريين في الأردن إلى نحو 550 ألف لاجئ، وهذا يضعنا في قلب الأزمة السورية".

وخلص إلى القول "ولكن دعني أؤكد للعالم أجمع بأننا لن نسمح بأن يُمَسَّ أمننا، ولا مواطنونا، ونحن قادرون على اتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لحماية الأردن، والتجربة تدل على صلابتنا في حماية أراضينا.. وقواتنا المسلحة الأردنية مشهود لها إقليميا وعالمياً، كما أن علاقاتنا الدولية المميزة مكنتنا من توفير المساعدات الفنية لدعم قدراتنا الدفاعية".

 

×