جنود سوريون في حي الحويقة في شمال مدينة دير الزور 12 نوفمبر 2016

أمتار تفصل مواقع الجهاديين عن الجيش السوري في دير الزور

يصوب جندي سوري على راية سوداء رفعها تنظيم الدولة الاسلامية على بعد أمتار منه، قبل ان يطلق النار ويسقطها ارضا داخل مدينة دير الزور حيث يخوض الجيش مواجهات مباشرة مع الجهاديين الذين يحاصرونها منذ اكثر من عامين.

في حي الحويقة الذي يتقاسم الجيش وتنظيم الدولة الاسلامية السيطرة عليه في شمال مدينة دير الزور (شرق)، يشير عمر الجندي العشريني الذي فضل استخدام اسم مستعار، باصبعه الى مواقع الجهاديين الموجودة على بعد امتار عدة. 

ويقول عمر الذي يرتدي جعبة عسكرية مدججة ويحمل سلاح كلاشنيكوف لمراسل وكالة فرانس برس "نحن لا نستريح، حتى في الليل، عين نائمة واخرى مفتوحة".

ويضيف الجندي الموجود في دير الزور منذ ثلاث سنوات "نستنفر 24 ساعة في اليوم، كوننا على خط تماس مباشر مع مسلحي داعش"، مضيفا "حتى أوقات استراحتنا هي استنفار".

ومنذ تموز/يوليو 2014، تمكن تنظيم الدولة الاسلامية من السيطرة على نحو ستين في المئة من مدينة دير الزور (شرق)، لتصبح منذ مطلع العام 2015 المدينة السورية الوحيدة التي يُحاصر فيها الجيش. ولم تعد امكانية الوصول الى الجزء الذي يسيطر عليه الجيش متاحة الا عبر المروحيات العسكرية.

ويحتفظ الجيش بسيطرته بشكل رئيسي على الجزء الغربي من المدينة الذي يؤوي نحو مئة الف شخص، وعلى المطار العسكري المجاور، في حين يقيم نحو خمسين الف شخص في الاحياء الشرقية تحت سيطرة الجهاديين. وتتداخل سيطرة الطرفين في بعض الاحياء.

وكان عدد سكان المدينة قبل اندلاع النزاع في آذار/مارس 2011، 300 الف نسمة.

في الحويقة، يشرح احد الضباط المسؤولين عن الجبهة الامامية كيف "تجري الاشتباكات على مسافة 15 إلى عشرين متراً" بشكل يومي. ويضيف "يعتمد المسلحون أسلوب التسلل لانهم لا يملكون القدرة على الهجوم المباشر وجهاً لوجه".

ويوضح ان "خطوطنا الدفاعية قوية لكنهم عادة يهاجمون مواقعنا في أيام الغبار الكثيف أو الضباب أو الصقيع، لذلك نزيد الاستنفار والحذر في ظروف مماثلة ولدينا أجهزة رصد ليلية تساعدنا في صد الهجمات". 

ويقر بتكبد الجيش خسائر خلال اكثر من عامين ونصف من دون ان يحدد حصيلتها. ويقول "خسائرنا ليست كبيرة قياسا بحجم الخسائر التي تكبدها الجهاديون".

وبحسب المرصد السوري لحقوق الانسان، قتل نحو 2500 جندي ومقاتل موال للجيش السوري منذ بدء المعارك مقابل نحو ثلاثة الاف من الجهاديين في المدينة.

- خنادق وأنفاق -

وشاهد مراسل فرانس برس على خط التماس في الحويقة خندقا حفره الجنود يمتد لعشرات الأمتار، محاطا بسواتر ترابية ودشما مختلفة مخصصة لعمليات الرصد.

وباتت هذه الخنادق الوسيلة الوحيدة للتنقل على خطوط التماس الأولى وللاحتماء من نيران الجهاديين. 

ويشرح الضابط "كل هذه الحفر على اختلاف أنواعها تخفف من صدمة الانفجارات وتقي من خطر القنص، وتؤمن حرية الحركة للجنود المقاتلين".

ويضيف "تساعدنا الخنادق على حفر أنفاق باتجاه مواقع العدو وتفجيرها بهم، وهو ما حصل منذ أيام عندما دمرنا نفقاً حاول انغماسيو داعش التسلل عبره باتجاه مواقعنا".

وتظهر جولة في الحي عينة من الدمار الكبير الذي لحق بالمدينة خصوصاً على خطوط التماس. أبنية منهارة بالكامل، وأخرى مهدمة بشكل جزئي بفعل الاشتباكات والعربات المفخخة والقصف.

وفشل التنظيم منذ العام 2014 في الاستيلاء على المدينة بكاملها، برغم سيطرته على الجزء الاكبر من محافظة دير الزور الحدودية مع العراق وحقول النفط الرئيسية فيها التي تعد الاكثر انتاجا في سوريا.

وتعد دير الزور ثاني ابرز معقل للجهاديين في سوريا بعد الرقة (شمال) وهي ثاني اكبر محافظات سوريا من حيث المساحة.

ويهدد نجاح الجهاديين بإحراز تقدم ميداني حياة أكثر من عشرة آلاف عسكري سوري محاصرين في المدينة، عدا عن المدنيين.

- تكتيكات مختلفة -

ونظرا لقرب المواجهات بين الطرفين، يتبع الجنود تكتيكات عسكرية مختلفة.

ويوضح ضابط مسؤول عن حماية حي الحويقة ان "طول فترة الاشتباكات أكسب الجنود خبرة، وبات أي مقاتل قادراً على معرفة حجم التفجير ونوع الآلية المستخدمة وكيفية التعامل معها والاحتماء منها (..)، وفي بعض الاحيان المبادرة للهجوم باتجاه مواقع المسلحين". 

ويشرح جندي يؤدي خدمته العسكرية في دير الزور منذ اندلاع النزاع السوري، "هناك تفاوت في نقاط الاشتباك (..) وكل نقطة لها أسلوبها، نعتمد في القريبة منها على رمي القنابل والهاون وأسلحة مبتكرة، أما البعيدة فنعتمد على قذائف الآر بي جي أو تلك من عيار 57 ملم أو الهاون، بالإضافة الى سلاح المدفعية".

ومنذ اندلاع النزاع في منتصف آذار/مارس 2011، تعاقبت مجموعات من الفصائل المعارضة ثم جبهة النصرة سابقا، التي بات اسمها جبهة فتح الشام بعد فك ارتباطها عن تنظيم القاعدة، ثم تنظيم الدولة الاسلامية، على المدينة.

ويروي الجندي "قاتلت جميع المجموعات، من الجيش الحر وجبهة النصرة وداعش، ولكل فصيل منهم طريقة معينة في القتال". 

ويضيف "الجيش الحر يعتمد على الهجوم المباشر، فيما تعتمد جبهة النصرة على تفخيخ المباني وتفجيرها، ويتبع داعش أسلوب الصدمة القائم على إرسال المفخخات ومن ثم الهجوم بمقاتلين انتحاريين وغير انتحاريين".

ويخلص الى القول "يحاول تنظيم داعش إيهامنا بأنه جاء ليقطع الرؤوس، لكننا نملك إرادة أكبر على المواجهة، وهذا سبب صمودنا".