جانب من مستشفى سينا في سرت

أطباء مصراته يحددون سير القتال في سرت

جبهة سرت تشتعل يوما وتهدأ أياما. قد يظن البعض ان الامر وراءه تكتيك عسكري او ضرورات ميدانية، لكن الحقيقة هي افتقار المستشفى الوحيد المؤهل في المنطقة للإمكانيات الطبية، فحين يفيض مستشفى مصراته بالجرحى تتوقف المعارك وحين يفرغ منهم تستأنف.

وبدأت القوات الموالية لحكومة الوفاق الوطني الليبية في 12 ايار/مايو عملية "البنيان المرصوص" لطرد تنظيم الدولة الاسلامية من سرت التي اصبحت في حزيران/يونيو 2015 معقله الاساسي في ليبيا. وبعد ثلاثة اشهر من بدء هذه العملية باتت سيطرة التنظيم الجهادي تقتصر على حيين فقط من احياء المدينة الساحلية.

وبحسب المتحدث باسم المستشفى الطبيب اكرم قليوان فان "الوضع الميداني في الجبهة معتمد كليا على الوضع الطبي داخل مستشفى مصراته المركزي، وهذا نتيجة للاجهاد الحاصل على الكوادر الطبية والطبية المساعدة وكذلك نتيجة السعة السريرية المحدودة لدينا، فالمستشفى في حالة صيانة منذ العام 2007 وهو المستشفى الوحيد في مدينة تعدادها نصف مليون نسمة".

- أسرّة مكدسة في البهو-

ويضيف الطبيب الشاب لوكالة فرانس برس ان "السعة السريرية للمستشفى هي فقط 120 سريرا، وبالتالي فنحن اصبحنا نضع حالات العناية في اقسام الملاحظة وحالات الملاحظة نضعها في الاقسام الجراحية"، مشيرا بسبابته الى اسرة مكدسة في بهو المستشفى تتهيأ لاستقبال دفعة جديدة من جرحى.

وينقل جرحى المعارك في سرت الى مستشفى ميداني اول يقع على مقربة من الجبهة حيث يخضعون للاسعافات الاولية ثم ينقلون الى المستشفى الميداني الاساسي الذي يبعد حوالى 50 كلم من خط الجبهة والمجهز لاجراء عمليات طارئة وفيه اسعاف طائر يتولى نقل الجرحى بالمروحيات الى مستشفى مصراتة.

ويشرح قليوان انه بعد خضوع المصابين للعمليات الجراحية اللازمة وعندما تستقر حالاتهم يتم نقلهم اما الى عيادات خاصة في مصراتة واما الى مستشفيات في الخارج اذا تسنى ذلك، مذكرا بأن الممثل الخاص للأمين العام في ليبيا مارتن كوبلر اعرب اثر زيارته لمستشفى مصراته في 29 ايار/مايو عن صدمته لرؤية جرحى معارك سرت مكدسين في بهو المستشفى.

وكان كوبلر غرد يومها قائلا "من المحزن جدا أن يكون مستشفى مصراتة المركزي غير قادر على استيعاب المرضى لنقص المساحة وان يستعملوا قاعة الاستقبال"، مضيفا "ناقشنا الحاجات الملحة للمستشفى وتحسين التنسيق مع الامم المتحدة. اذا انتظرنا البيروقراطية الناس سيموتون".

ولكن رغم مرور شهرين ونصف على هذا التصريح فان الوضع في المستشفى ما زال على حاله: البهو مكتظ بالاسرة وحين يكون هناك قتال يتدفق الجرحى وتصبح صالة الاستقبال صالة عمليات.

ولا تقتصر معاناة المستشفى على نقص الاسرة فالنقص يشمل ايضا الكادر الطبي الذي بات موزعا بين مستشفيين ميدانيين في سرت والمستشفى المركزي، اضافة الى مشكلة ان الجهاز التمريضي في معظم المستشفيات الليبية كان يعتمد اساسا على الممرضين الاجانب وغالبية هؤلاء فروا من ليبيا بسبب تردي الاوضاع الامنية مما ادى الى نقص كبير، يحاول مستشفى مصراته سده ببدائل شتى.

ويقول قليوان "البدائل التي توجهنا اليها هي المتطوعون من طلبة كلية الطب البشري والاسنان والتمريض. للأسف هم لديهم كلية وامتحانات ومع ذلك يناوبون هنا نوبة كاملة صباحا ومساء".

ومن هؤلاء المتطوعين علي خليل استاذ مادة العلوم الطبيعية الذي اصبح منذ شهرين "ممرضا" بدوام كامل لا بل مضاعف. ويقول خليل لفرانس برس وقد بدا عليه الانهاك "انا في الاصل استاذ بيولوجيا ولكن تطوعت في المستشفى واعمل حاليا ممرضا ومنذ 24 ساعة لم انم ابدا".

وبلغت حصيلة معارك سرت اكثر من 350 قتيلا و1900 جريح بحسب عملية "البنيان المرصوص"، في حين ليست هناك اي حصيلة للقتلى في صفوف الجهاديين.

ويؤكد قليوان "امس الاربعاء استقبلنا 97 جريحا، وظلت صالات العمليات تعمل حتى الصباح، وحولنا 40 جريحا بين امس واليوم الى المصحات الخاصة لاستكمال العلاج لأن لدينا تعليمات من خلال تواصلنا مع القادة الميدانيين بضرورة تفريغ المستشفى من الجرحى حتى يتسنى للمستشفى استقبال اعداد اخرى منهم".

-"تأخر حسم المعركة"-

بدوره يقول العميد محمد الغصري المتحدث باسم البنيان المرصوص لفرانس برس ان الامكانات المحدودة لمستشفى مصراتة هي "احد الاسباب التي اخرت حسم المعركة، اذ لا بد اولا من خفض عدد الجرحى في المستشفى حتى نبدأ بالهجوم من جديد".

واذ يشكر الغصري الجهات والدول التي قدمت معونات طبية ومساعدات في هذا المجال، و"بينها قطر وايطاليا ودول اخرى عديدة"، يؤكد ان الحاجة لا تزال كبيرة لأن "المعركة ليست سهلة ولا يمكن لمستشفى واحد ان يفي بمتطلباتها".

من جهته يشير الطبيب قليوان ان تنظيم الدولة الاسلامية "يعتمد اعتمادا كليا على التفخيخ وعلى الالغام، ووقف المعارك يتيح له الفرصة" لأن يفخخ المزيد من الاماكن والمواقع، مشيرا الى ان الاصابات الناجمة عن هذه المتفجرات غالبا ما تكون خطيرة وفي الكثير منها تؤدي لبتر اطراف علما بأن السواد الاعظم من الجرحى هم من الشبان ممن لم يتم عقده الثالث.

ويبدي قليوان اسفه لان "لدينا حالات بتر كبيرة جدا، حالات اعاقة (...) ومشكلتنا ليست آنية فالحرب ستنتهي ولكن ستبقى امامنا مشكلة التأهيل الجسدي والنفسي ايضا"، مناشدا المجتمع الدولي المساعدة في توفير هذا الدعم وكذلك في انهاء صيانة المبنى الاساسي للمستشفى.

 

×