الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي خلال لقائه قادة الاحزاب والنقابات في القصر الرئاسي بتونس الاربعاء 15 يونيو 2016

تعثر اقتراح الرئيس التونسي تشكيل حكومة وحدة وطنية

تعثر اقتراح الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي تشكيل حكومة "وحدة وطنية" بعدما رفضت المركزية النقابية القوية والمنظمة الرئيسية لاصحاب العمل المشاركة فيها مثلما اشترط الرئيس، ما قد يزيد من هشاشة الديموقراطية التونسية الناشئة التي تواجه مصاعب اقتصادية وتهديدات امنية.

وفي الثاني من حزيران/يونيو الحالي، اقترح قائد السبسي تشكيل حكومة وحدة وطنية لاخراج البلاد من وضع اقتصادي واجتماعي صعب، مشترطا ان يشارك فيها الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (المنظمة الرئيسية لاصحاب الشركات).

وحصلت هاتان المنظمتان على جائزة نوبل للسلام لسنة 2015، مع منظمتين أخريين، بعدما لعب الرباعي دورا حاسما في اخراج تونس من أزمة سياسية حادة اندلعت في 2013 إثر اغتيال اثنين من ابرز معارضي حركة النهضة الاسلامية التي كانت آنذاك على رأس  حكومة "الترويكا".

واعلن الرئيس التونسي في الثاني من الشهر الحالي ان حكومة الوحدة الوطنية يمكن ان يقودها رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد (مستقل) او شخصية أخرى، مشددا على ان هذه الحكومة "لن تنجح إن لم تشارك فيها هاتان القوتان".

وتواجه حكومة الحبيب الصيد انتقادات متزايدة تتعلق خصوصا بعدم التمكن من انعاش اقتصاد البلاد ومكافحة الفساد الذي تؤكد منظمات محلية ودولية انه "تفاقم" منذ ثورة 2011 رغم انه كان أحد الاسباب الرئيسيية للاطاحة بنظام الديكتاتور زين العابدين بن علي.

وغداة اعلان قائد السبسي اقتراح حكومة وحدة وطنية، اعلن الحبيب الصيد (67 عاما) استعداده للاستقالة "إن اقتضت مصلحة البلاد ذلك" قبل ان يتراجع ويعلن في حوار نشره الاثنين موقع تلفزيون "العربية" السعودي انه "ليس من الذين يفرون من المسؤولية، وأن الاستقالة بالنسبة له تعني حصول فراغ في الحكم، من شأنه أن يربك أوضاع البلاد التي تواجه تحديات وصعوبات، كما أنها ستساهم في مزيد من الاستضعاف للدولة".

وتعقدت الأمور أكثر بعد رفض المركزية النقابية ومنظمة ارباب العمل المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية.

واعلن الاتحاد العام التونسي للشغل‎ انه "ليس معنيا بالتواجد لا من قريب أو من بعيد في أية حكومة كانت، وذلك انطلاقا من مسؤوليته الوطنيّة والدّور الاجتماعي والتّعديلي المناط بعهدته والذي ضحى من أجله أجيال من النقابيين عبر دفاعهم المستميت عن استقلالية منظمتهم".

وقال انه يتعين على الحكومة القادمة "التجنّد لإنقاذ الاقتصاد الوطني والنّهوض بالوضع الاجتماعي" و"تحديد برنامج مفصّل للإصلاحات والإجراءات الاقتصاديّة والاجتماعيّة على المدى القصير" و"وضع استراتيجة ناجعة لمقاومة الفساد والرّشوة".

من ناحيته اعلن اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية انه "لن يشارك" في حكومة الوحدة الوطنية قائلا ان "دعم الاتحاد للحكومة المقبلة سيكون على قاعدة البرنامج الذي ستعتمده".

واكد الاتحاد "استعداده المساهمة الفعلية في بلورة برنامج عاجل تلتقي حوله مختلف القوى الوطنية الحية، يراعي الأولويات الوطنية وعلى رأسها التحديات الأمنية والاقتصادية ورد الاعتبار لقيمة العمل والتجسيد الفعلي لهيبة الدولة على أرض الواقع في إطار احترام القانون وتطبيقه على الجميع".

وبدأ الرئيس التونسي، بعد اطلاق اقتراحه، مشاورات سياسية مع احزاب ومنظمات حول تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.

وواصل قائد السبسي هذه المشاورات الاربعاء خلال اجتماعه مع  ممثلين عن المركزية النقابية ومنظمة ارباب العمل ونقابة المزارعين واحزاب الائتلاف الحكومي الرباعي واربعة احزاب اخرى منها "حركة مشروع تونس" وهو حزب أسسه منشقون عن حزب نداء تونس.

وأفاد قائد السبسي في الاجتماع ان الوضع الحالي للبلاد "سيء" و"لا يمكن ان يستمر" قائلا "نحن لن نطيل، ومن هنا الى ما قبل العيد (الفطر) تتم هذه العملية".

وأضاف انه سيتم وضع "خارطة طريق" تضبط "اولويات" عمل الحكومة المرتقبة، وتكوين "لجنة" تضم "كل الحاضرين" في اجتماع اليوم وتحدد هذه الاولويات التي لم يذكرها.

وفتح اقتراح تكوين حكومة وحدة وطنية شهية عدة احزاب منها الرباعي الذي يشكل الائتلاف الحكومي الحالي، وأحزاب اخرى معارضة.

-"شلل"-

وطالبت حركة النهضة الاسلامية، التي اصبحت القوة الاولى في البرلمان بعد انشقاقات في حزب نداء تونس، شريكها في الائتلاف الحكومي، بأن تراعي تشكيلة الحكومة المرتقبة "الوزن الانتخابي" للحركة.

وحلت النهضة ثانية في الانتخابات الشريعية لسنة 2014 التي فاز فيها نداء تونس الذي اسسه الباجي قائد السبسي في 2012.

ويعتبر مراقبون ان مشاركة الحركة في الحكومة الحالية "رمزية".

وفي نداء تونس الذي تمزقه صراعات داخلية ويسيره حاليا حافظ قائد السبسي نجل الرئيس، طالبت أصوات بتعيين عضو في الحزب رئيسا لحكومة الوحدة الوطنية.

وتونس التي نجحت في تحقيق انتقال ديموقراطي هي الناجي الوحيد في دول "الربيع العربي" من الاضطرابات الدامية، إلا انها تواجه تحديات كبيرة.

وتدهور الوضع الاقتصادي في البلاد جراء تراجع الانتاج والاستثمار، وتضرر قطاع السياحة إثر مقتل 59 سائحا اجنبيا في هجومين جهاديين داميين استهدفا في 2015 متحف باردو في العاصمة (شمال) وفندقا في سوسة (وسط)، بالاضافة الى تراجع غير مسبوق في قيمة الدينار التونسي مقارنة بالعملات الاجنبية.

وشهدت البلاد في كانون الثاني/ينايرالماضي اكبر موجة احتجاجات اجتماعية منذ 2011.

واندلعت الاحتجاجات اثر انتحار شاب بعد سحب اسمه من مسابقة توظيف في القطاع العام بولاية القصرين (غرب) الفقيرة.

ووقعت تونس مؤخرا مع صندوق النقد الدولي اتفاقية قرض بمبلغ 2،9 مليار دولار على اربع سنوات. كما حصلت على قرض بمبلغ 500 مليون يورو من الاتحاد الاوروبي وآخر بمبلغ 500 مليون دولار من الولايات المتحدة.

 ويرى المحلل سليم الخراط ان الهدف من اقتراح الباجي قائد السبسي (89 عاما) هو اعطاء "هدنة" للحكومة الحالية التي يواجه اداؤها انتقادات متزايدة.

 من ناحيته اعتبر عزيز كريشان الذي عمل مستشارا للرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي (2011/2014) ثم استقال، ان "الحكومة الحالية التي تعاني اصلا من ضعف شديد، تجد نفسها (بهذا الاقتراح) مشلولة، ودون حل بديل".

وقال لفرانس برس ان اقتراح حكومة الوحدة الوطنية "اضاف حالة من عدم اليقين الى وضع هو في الاصل معقدا للغاية" معربا عن قلقه من مخاطر تحول تونس الى بلد تسيره "حكومة اصبحت شبحا".

 

×