مخيم داداب للاجئين في كينيا

تربية وتجارة وأمل... يوميات اكبر مخيم للاجئين في العالم

بعيد شروق الشمس، يبدأ صبية وفتيات بتلاوة آيات قرآنية متجمعين حول بشير سلال استاذهم في هذه المدرسة المستحدثة لتحفيظ القرآن في كينيا الجالس كالعادة على وعاء بلاستيكي.

كل طفل يمسك في يده دفتره وهو كناية عن لوح خشبي يكتب عليه النصوص القرآنية بالعربية بحبر مصنوع من الماء والفحم.

وفي بلدهم، غالبا ما يقتصر تعليم الصغار الصوماليين على مدارس تحفيظ القرآن.

لكن هنا، في مخيم داداب للاجئين، الاكبر من نوعه في العالم الموجود في شرق كينيا، هذه الدروس الدينية ليست إلا البداية. فخلال النهار، يتمكن الاطفال من متابعة تعليم ابتدائي وحتى ثانوي مجانا. حتى ان منحا دراسية تقدم لمتابعة الدروس في المراحل العليا.

حياة اللاجئين ليست وردية البتة. لكن بالنسبة للصوماليين الذين عاشوا الحرب على مدى سنوات وحتى عقود، تمثل داداب موئلا للفرص.

ويوضح بلال البالغ 47 عاما، وهو لاجئ فر قبل خمس سنوات من مدينة افجويي على بعد 30 كلم شمال غرب مقديشو أن "الاطفال في داداب لديهم فرصة الاستفادة من تعليم افضل. هؤلاء هم مصدر التغيير في الصومال بعد عودتهم اليها".

الا ان عودتهم الى بلادهم دونها عقبات كثيرة. فالحكومة الكينية التي تستضيف لاجئين من الصومال منذ الحرب الاهلية سنة 1991 تعتزم حاليا اقفال مجمع داداب الضخم لمخيمات اللاجئين الذي يسكنه اكثر من 350 الف شخص.

فبعد سلسلة هجمات دامية ارتكبها اسلاميون مرتبطون بحركة الشباب الصومالية، تؤكد كينيا أن هؤلاء المتمردين المرتبطين بتنظيم القاعدة يستخدمون هذا المخيم الواقع على بعد 80 كلم فقط من الحدود مع الصومال في تجنيد مقاتلين لهم وتدريبهم والتخفي بين اللاجئين.

هذه الاتهامات تثير الريبة لدى اللاجئين. ويؤكد يعقوب عبدي الذي يقود مجموعة من 260 متطوعا مكلفا مراقبة احد المخيمات الخمسة في المجمع أن "لا وجود لحركة الشباب هنا".

لكن في مطلق الاحوال، لا يكتفي اللاجئون بالعيش في خيم موقتة وتناول حصص غذائية مقننة، فالحياة في مخيمات داداب لا تقتصر على البؤس واليأس.

ويقول ليبان محمد وهو سينمائي في الثامنة والعشرين من عمره متحدر من مدينة كيسماو في جنوب الصومال إن "الناس يعتقدون أن لا وجود لحياة حقيقية في المخيمات، لكن هذا الامر خاطئ. ثمة مشاكل، لكن لدينا ايضا احلامنا وآمالنا".

حلم ليبان محمد هو الانتقال الى الولايات المتحدة للعيش مع والدته واشقائه وشقيقاته ومتابعة مسيرته في تصوير الافلام.

أما بالنسبة لآخرين، فإن الحلم بحياة جديدة يتحقق في داخل المخيم.

وهذه حال محمد عثمان: اذ ان هذا الرجل خاضع لتدريب طبي وقد أمضى السنوات الخمس عشرة الأخيرة من حياته في تقديم مراجعات طبية مجانية وأدوية بأسعار مقبولة وعناية طبية في الصيدلية الخاصة التي يديرها. وقد غادر عثمان الصومال سنة 1992 طلبا للامن وسعيا لحياة افضل ورأى عائلته تكبر واعماله تزدهر في داداب.

ويقول هذا الرجل البالغ 42 عاما والأب لاثني عشر ولدا من زوجتين "في الصومال، لا امل للاطفال. هنا، ابنائي يرتادون المدرسة"، مشيرا الى انه لا يرغب بالعودة الى الصومال "حيث المعارك مستمرة".

وفي مكان غير بعيد عن صيدلية عثمان، يتم يوميا توصيل كميات من القات.

ويدير وسيط اربع حافلات "بيك اب" مملوءة بأكياس بزنة 50 كيلوغراما لبيع شحنته اليومية، وهي تجارة تدر اكثر من 30 الف شيلينغ (312 دولارا) للالية الواحدة. من ثم يحولها بائعو التجزئة الى اكياس بزنة كيلوغرام واحد لكل منها. وتشتري فاطمة احمد (43 عاما) الكيس الواحد بمئة شيلينغ (دولار واحد) وتبيعه بمئة وخمسين. "وهذه التجارة تدر ارباحا" على حد تعبيرها.

ويعاد استثمار الارباح في اقتصاد المخيم الذي تبلغ قيمته بحسب دراسة صادرة سنة 2010 حوالى 25 مليون دولار سنويا.

ووفق الدراسة التي اشرفت عليها وزارة اللاجئين في كينيا، تدر داداب للمجتمعات المحلية حوالى 14 مليون دولار في مقابل تبادلات وصفقات متنوعة.

وكل مخيم له سوقه الخاصة لكن السوق الرئيسية تقع في هاغاديرا. ولا يتوانى مسؤول كيني عن وصف هذه السوق بـ"دبي مصغرة".

ويضم هذا المجمع فنادق ومطاعم تبيع لحم الجمال وساموزا حراقة وشاي بالبهارات فضلا عن محلات بقالة تبيع المعكرونة والأرز والحليب المجفف والسكر -- وهي مواد غالبا ما تهرب من الصومال -، اضافة الى متاجر الكترونيات مع احدث الهواتف الذكية... لكن ايضا تباع البسة مستعملة واقمشة واحذية وفواكه وخضار متنوعة.

علي ساها وهو خريج معهد للتعليم العالي في سن الثالثة والعشرين يدير مقهى للانترنت. ويقول انه يرغب في العودة الى الصومال "لكن ليس سريعا". ويؤكد أن "التعليم امتياز. ومن هذا المنطلق ليس بالأمر السيء أن يكون المرء لاجئا".

 

×