اماراتيون يعدون القهوة التقليدية على هامش معرض الصيد والفروسية في ابو ظبي في 14 سبتمبر 2014

الاماراتيون يتمسكون بهويتهم في وجه غالبية اجنبية تسكن بلادهم

الرجال بثوبهم الابيض والنساء بعباءاتهن السود وحقائبهن الفاخرة، الابناء في مدارسهم الخاصة وكبار السن في مجالسهم يشربون القهوة العربية ويروون قصص عبورهم من سنين الفقر الى الوفرة: هكذا يعبر الاماراتيون في ابسط تفاصيل حياتهم عن هويتهم التي يتمسكون بها في وجه مجتمع يشكل الاجانب غالبية سكانه.

والاماراتيون مضطرون بشكل دائم للتعايش مع كونهم يمثلون أقل من 15% من السكان في بلد هو ثاني اكبر اقتصاد عربي ويعد من الاكثر انفتاحا في المنطقة، اجتماعيا واقتصاديا.

وبين الرغبة في الانفتاح والاستفادة مما يمكن ان تقدمه العولمة والنمو الاقتصادي من جهة والخوف من الذوبان من جهة اخرى، يختار الاماراتيون ان يتمسكوا بالعناصر المرئية من ثقافتهم وتلك التي تنتقل شفهيا عبر الاجيال في مجتمع ذي طابع قبلي وبدوي.

كل شيء في أسلوب حياة الاماراتي يقول من هو: الثياب، والعطر، واسلوب الحياة، والعادات، والزواج وطقوس الاعراس، والعلاقات الاجتماعية والانتساب للقبيلة، فيما ادخل عنصر الثراء بعدا اضافيا للتراث، فباتت تجارة الابل مثلا تقدر بمئات ملايين الدولارات ورياضة الصيد بالصقور تمارس مع الاستعانة باحدث التقنيات.  

وقال مدير التراث والثقافة في دائرة الثقافة والاعلام بامارة الشارقة عبدالعزيز المسلم "اعتقد ان موضوع حماية الهوية كان موضوعا عاما ولم يكن مقررا من الدولة او الحكومة او غير ذلك ولكن كان هناك هم عام".

واضاف "نحن نبني دولة حديثة، وهناك صراع مع موضوع المدنية والحضارة وغيرها، فهل نتغير مع كل هذه المتغيرات او نبقى على اصالتنا؟ نبقى نحن محورا وكل شيء يدور حولنا؟ هذا ما حصل بالفعل منذ اكثر من اربعين سنة ... فالمحور بقي الانسان في فعله وفي شكله".

وبحسب المسلم، فان ظاهرة تمسك الاماراتيين بهويتهم في الشكل، تعاظمت في العقود الاخيرة، بموازاة تزايد اعداد الاجانب وتحول الامارات الى بلد معولم تغزوه الابراج والطرقات الحديثة ومراكز التسوق الفخمة.

وقال المسلم "وجود هذا الكم الكبير من غير الاماراتيين يدفعنا للتمسك (بهويتنا). في فترة ما لم يكن هذا الشيء موجود ولكن بعد فترة اصبح الاماراتي يشعر انه في ورطة في وسط هذا الحشد".

وشدد المسلم على ان الاماراتي لطالما حرص على "اظهار هويته مع عدم المساس بالآخرين"، مذكرا بان الوافدين يتمتعون بحق ممارسة العبادة والتعليم الخاص بهم والعيش بحرية تامة.

وعناصر الهوية الاماراتية كثيرة، لكن الاهم بينها هي بحسب المسلم الملابس، وطبيعة الحياة في المنزل لاسيما وجود المجالس، والضيافة، والقهوة والفنون الشعبية.

والمجالس هي قاعات تتوسط المنزل ويجتمع فيها الزوار مع اهل البيت من الرجال لتبادل الاحاديث وشرب القهوة التي تقدم من الدلة التقليدية مع التمور، مع العلم ان الدلة منقوشة على الدرهم الاماراتي.

وحياة المجلس ليست فلكلورا، بل واقعا معاشا بشكل يومي في حياة الاماراتيين، وشيوخ الامارات يستقبلون المواطنين من دون موعد في مجالسهم.

ويحرص الاماراتيون ايضا على الزواج من مواطنات، وقد يتخذون زوجة ثانية من جنسية اخرى، وغالبا ما يشكل موضوع الزواج من الاجانب موضوعا ساخنا في الاعلام المحلي.

اما الفنون الشعبية والتقليدية، فابرزها مزاينة الابل، وهي مسابقات لجمال الابل تصل الجوائز فيها الى ملايين الدولارات، وسباق الهجن (الابل) والصيد بالصقور، واليولة، وهي رقصة بالبندقية الصغيرة، فضلا عن المبارزات بالشعر النبطي.

وينفق الاماراتيون الكثير من الاموال على هذه الفنون والتقاليد، فالجمل الفائز بالمزاينة غالبا ما يفوز، او يفوز صاحبه بالاحرى، بسيارة فارهة رباعية الدفع.

وقال خبير البروتوكول والاتيكيت الدولية غسان حجاج لوكالة فرانس برس ان الكندورة (الثوب) للرجال والعباءة للنساء تبقى من اهم عناصر المظهر الاماراتي، فضلا عن العطور القوية التي تحتوي مكونات كان الخليجيون يتاجرون بها تاريخيا، كالعود والعنبر والمسك والورد الطائفي.

وبحسب حجاج، فان "عدد الشعب قليل بالنسبة للقادمين من الخارج، ومن الضروري ان يعرفوا بعضهم البعض ويثبتوا وجودهم في بلدهم".

واوضح هذا الخبير المتخصص في العطور، ان ماركات عالمية باتت تصنع عطورا خاصة بالخليجيين والاماراتيين لتجمع بين المكونات الخاصة المطلوبة في المنطقة وخبرة صناع العطور، لاسيما الفرنسيين منهم.

فماركات مثل ايف سان لوران او ارماني او شوبار تصنع عطورا خاصة بالخليج، فيما ماركات فارهة اخرى تصنع اقمشة خاصة بالعباءات والشماغ (الكوفية) او النعال الخاصة التي يلبسها المواطنون.

لكن الهوية لا تتوقف عند الشكل والعادات بالنسبة للاماراتيين، فيما تبدو طموحاتهم كمجتمع من دون حدود.

وتدعو الحكومة رسميا الى اقامة "اقتصاد المعرفة" في البلاد للحد من الاعتماد على الاجانب ومعالجة مشكلة "اختلال التركيبة السكانية"، في الوقت الذي  اطلقت مشروعا لارسال مسبار الى المريخ في حدود العام 2020.

وفي مقال نشر في صحيفة البيان، تساءل الكاتب الاماراتي ياسر حارب "هل هويتنا في ما نأكل؟ أو في ما نلبس؟ أو في طريقة حديثنا؟ أو في أكلاتنا الشعبية؟ أو في أهازيجنا التراثية؟".

واعتبر ان على الاماراتيين ان "يفهموا ان الهوية في عالم اليوم لا تعني اختلافنا عن الآخرين ولا تعني أيضا التماهي معهم لنكون جزءا من قطيع كوني" مشددا على انه يريد لابنائه ان "يفهموا أن هوياتهم الحقيقية هي في ما يقدمونه لا في ما يلبسونه، وفي إنتاجهم لا في استهلاكهم".

 

×