الحرب تزيد عزلة العميان في الشرق الأوكراني

الحرب تزيد عزلة العميان في الشرق الأوكراني

يبحث جيورجي عن طريق له بين الآلات القديمة والركام في معمل أنشئ في زمن الاتحاد السوفياتي ليعمل فيه العميان وضعيفو النظر، وبات الآن واقعا بمحاذاة المنطقة التي يتنازع عليها المتمردون الموالون لروسيا مع الجيش الأوكراني.

في الثلاثينيات من القرن الماضي، أنشأت السلطات السوفياتية مدينة صناعية كبرى في دونيتسك، لتوفير عمل لمن يعانون من مشكلات في البصر.

وكانت المصانع تنتج مواد استهلاكية منها مثلا علب لتعبئة المواد الغذائية.

ويقول جيورجي، وهو رجل مطلّق في الرابعة والخمسين من العمر بدأ العمل في هذا المصنع قبل 15 عاما "هذا العمل هو الفرصة الوحيدة لي ولمن هم مثلي لنبقى أشخاصا عاديين في المجتمع".

لكن المؤسسة التي كانت تشغّل في الماضي ألفا و500 شخص لم تعد بالنشاط نفسه منذ اندلاع النزاع في المنطقة في نيسان/ابرايل من العام 2014، بين الجيش الأوكراني والمتمردين الانفصاليين الموالين لموسكو.

ولم يبق من عمّال هذا المصنع سوى عشرات يراقبون بقلق مستقبل أيامهم في ظل النزاع، فالخط الفاصل بين المتقاتلين يمر بمحاذاة مورد رزقهم.

ومع أن حدّة المعارك خفّت منذ مطلع العام 2015، إلا أن اشتباكات من هنا وهناك ما زالت توقع ضحايا بشكل مستمر.

ويقول جيورجي "قبل الحرب كان عدد العاملين هنا 1500، أما اليوم فلا يزيد عددنا عن 76".

فقد ترك عدد من زملائه المنطقة هربا من الحرب، فيما تخلى المصنع عن الآخرين، وصاروا يعتمدون في معاشهم على المساعدات من عائلاتهم.

ويضيف "كانت أوكرانيا تموّلنا، ولكن منذ العام 2014 (أي حين صارت المنطقة تحت سيطرة المتمردين) قُطعت المعونات، ولم نعد نجني سوى مقابل ما نبيع".

ولم توافق السلطات الانفصالية على تمويل المصنع، بسبب نقص الأموال، وهي التي تحشد طاقاتها في المواجهة العسكرية مع كييف.

ويقول جيورجي "اضطررنا إلى البحث عن زبائن جدد" في المنطقة الخاضعة لسيطرة المتمردين، و"شراء المواد الأولية من روسيا حتى نتمكن من مواصلة العمل ودفع الأجور".

فمعظم المؤسسات الأوكرانية ترفض التعامل مع الشركات والمصانع في المناطق التي أعلن فيها المتمردون جمهورية لا يعترف بها المجتمع الدولي.

يتقاضى جيورجي وزملاؤه ألفي روبل روسي شهريا، أي ما يعادل 29 يورو، علما أن الروبل هو العملة المستخدمة في هذه المناطق المتمردة.

وفي الماضي، قبل الحرب، كان راتبه يناهز المئة يورو.

يعيش في دونيتسك حوالى الفي شخص ممن هم مصابون بالعمى أو ضعف البصر، بحسب ما يقول ليونيد بونار الذي يرئس جمعية محلية تعنى بهؤلاء الأشخاص.

وفي أوكرانيا عموما، يعاني أصحاب الإعاقات من صعوبات اجتماعية، منها صعوبة الحصول على عمل كالذي يؤمنه هذا المصنع على خطوط التماس.

وقد زادت الحرب من معاناة هذه الفئات الضعيفة أصلا في الشرق الأوكراني، حيث القصف والألغام وغيرها من مظاهر الحرب تصعّب حركتهم.

ومن الناحية النظرية، يمكن لهؤلاء الأشخاص أن يستفيدوا، إضافة إلى المساعدات الهزيلة التي يقدمها الانفصاليون، من مساعدة تقدّمها كييف، لكن ذلك يتطلب العبور إلى مناطق سيطرة الجيش الأوكراني واجتياز نقاط تفتيش تتطلب أحيانا ساعات إن لم يكن أياما من الانتظار في الصف.

ويقول ليونيد بوندار إن جمعيته لم تتلق أي مساعدة منذ ثلاث سنوات.

ويضيف "لسنا قادرين على شراء العصيّ التي يستخدمها العميان..وضعنا كارثي".

في دونيتسك مكتبة مخصصة للمصابين بضعف البصر تعود إلى زمن الاتحاد السوفياتي، لكنها لا تفتح أبوابها إلا مرتين في الأسبوع، أما الحفلات التي كانت تقام فيها فصارت شيئا من الذكرى.

ويقول بوندار "كُتب على العميان وضعيفي البصر أن يظلوا محبوسين في منازلهم".