الحفاظ على الحرف الأفغانية من الاندثار قد يلهم الحرف السورية

الحفاظ على الحرف الأفغانية من الاندثار قد يلهم الحرف السورية

تسعى منظمة في أفغانستان إلى تخليد المهارات الحرفية المتوارثة عبر الأجيال للحؤول دون ذهابها طي النسيان في هذا البلد الغارق في الحرب، في قصة نجاح نادرة يأمل القائمون عليها بتوسيعها لتشمل حرفيين سوريين.

بعد 16 عاما على سقوط نظام طالبان، ما زالت الاضطرابات تهزّ أفغانستان، وما زال الإحباط يعصف بالمجتمع لأسباب كثيرة منها أن كثيرا من المشاريع الإنسانية والإنمائية لم تحقق غاياتها.

في هذا البحر من انعدام الأمل، تحاول مؤسسة "توركواز ماونتن" أن تحافظ على أفضل في ما هذا البلد الواقع منذ فجر التاريخ على طريق الحرير، من حرف ومهارات ومشاغل للرخام والخط وصياغة المجوهرات.

وكادت النزاعات والاضطرابات المتواصلة منذ أربعين عاما أن تودي بهذه الحرف التقليدية، وهو مصير يهدد عمل الحرفيين السوريين الهاربين من بلدهم والذين قد يستفيدون من هذه التجربة في الأردن ولبنان.

بدأ هذا المشروع في العام 2006، في حي مراد خاني أحد أقدم الأحياء في كابول، بحسب عبد الواحد خليلي مدير المؤسسة المشرفة عليه.

وأطلق المشروعَ الدبلوماسيُّ البريطاني روري ستيوارت الذي بات اليوم وزيرا في حكومة تيريزا ماي، وتلقى مؤسسته "توركواز ماونتن" دعما من الأمير تشارلز ومركز "بريتش كاونسيل" وصندوق "يو أس إيد" الأميركي.

وبات خمسة آلاف حرفي يستفيدون اليوم من هذا البرنامج.

- البحث عن المعلّمين القدامى -

يروي عبد الواحد خليلي "حين بدأنا العمل، كان عدد الحرفيين المتبقين في كابول صغيرا جدا، فمعظمهم كانوا قد هجروا البلد أو تركوا عملهم".

وصار العاملون في المشروع يجوبون المدن ويطرقون الأبواب في القرى بحثا عن المعلّمين القدامى للمهارات الحرفية، وعن الذين تعلّموا عندهم، بهدف تشغيلهم في ورشات جديدة.

ويقول خليلي "كانت الفكرة أن نؤهّل المشاغل القديمة المهجورة، وأيضا أن ندرّب جيلا جديدا من الحرفيين".

يعمل في المؤسسة اليوم ثلاثون معلّما أفغانيا للفنون الحرفية، منهم معلّمون قدامى، ومنهم من اكتسبوا المهارة والمعرفة في المشروع نفسه، وهم الآن يعملون على نقل هذه الخبرات إلى الجيل الجديد.

يبلغ وكيل 64 عاما، وهو حرفيّ قديم يعدّ من الآباء المؤسسين لفن زخرفة الخشب الذي كان شائعا في منطقة نورستان في جبال هندوكوش في شمال شرق البلاد.

وهو ينقل معارفه إلى حرفيين شباب، منهم ابنه مسعود البالغ من العمر 35 عاما، بعدما تلقاها هو من الحرفيّ عبد الهادي آخر المعلّمين القدامى لهذه المهنة.

- تدريب مجاني -

يتطلب الدخول إلى حظيرة المؤسسة المرور باختبار قاس. فكل عام يتقدم 500 شخص بطلبات للحصول على رعايتها، ولا يُختار منهم سوى خمسين، من الذكور والإناث، وفقا لخليلي.

ويخضع المرشحون لاختبارات في الثقافة العامة وبعض المقابلات، وعليهم أن ينجزوا عملا ضمن اختصاصهم الحرفي.

ويقول أباسين بهانج المسؤول عن التقييم في المؤسسة إن هؤلاء الأشخاص "اكتسبوا مهاراتهم في البازار، لكنهم ليسوا محترفين حقا، ويحق لاي كان أن يحاول الدخول إلى المؤسسة" لينال التدريب اللازم للاحتراف.

يتلقى المقبولون تدريبا مجانيا على ثلاث سنوات، ويحظون في هذه المدة أيضا بسكن وطعام إن كانوا من سكان المناطق البعيدة، إضافة إلى بدلات نقل بقيمة عشرين دولارا شهريا.

ومع انتهاء مرحلة الدراسة، يحصلون على إفادة دراسة أفغانية وأخرى بريطانية.

ويقول ناتان ستروب مدير مؤسسة "توركواز ماونتن" إن "80 % من حملة إجازاتنا انطلقوا في أعمالهم الخاصة أو باتوا يعملون ويتكسبون من اختصاصهم".

- من كابول ولندن إلى عمّان -

أكثر الناجحين في السوق هم النجارون وصاغة المجوهرات. ومن بين النجارين الذين درّبتهم المؤسسة من شاركوا بتزيين ساحات في لندن والإمارات. ومن بين الصاغة من يتلقون طلبات من "نيويورك فاشن ويك".

ومن البرامج التي تعمل عليها المؤسسة رعاية مشاريع المؤسسات الصغير ودعمها على مدة ثلاث سنوات.

ورغم هذه النجاحات، إلا أن القيمين على المشروع يشددون على أن هدفهم يتعدّى ذلك.

ويقول ناتان ستروب "الهدف الأساسي هو إنقاذ هذا التراث والحفاظ عليه، بعض الحرفيين الذين التقيناهم في البازار عملوا لحساب الملك محمد ظاهر شاه" آخر ملوك أفغانستان الذي خُلع من الحكم في العام 1973 وتوفي في العام 2007.

وتطمح المؤسسة بأن تعمم هذه التجربة المشرقة على الحرف السورية التي يُخشى أن تطيح بها الحرب المدمّرة المستمرة منذ سنوات.

ويقول سكوت ريدل مدير المشروع الذي سينطلق قريبا في الأردن "التقينا بعدد من الحرفيين السوريين في الأردن، بعضهم تمكن من فتح مشاغل في محيط عمّان، ونحن نجري بحثا أيضا في مخيم الأزرق" للاجئين السوريين.

وتأمل المؤسسة أيضا أن توسّع رقعة عملها لتشمل اللاجئين السوريين في لبنان في العام 2018.