رفات مبشر ايطالي يسلط الضوء على تاريخ مجهول للمسيحية في اليابان

رفات مبشر ايطالي يسلط الضوء على تاريخ مجهول للمسيحية في اليابان

وصل المبشر الكاثوليكي الايطالي جوفاني باتيستا سيدوتي قبل اكثر من ثلاثة قرون الى جزيرة يابانية صغيرة متحليا بجرأة الدخول الى ارض مناوئة للعقيدة المسيحية... أما اليوم، فإن رفاته الذي اكتشف حديثا في موقع ورشة بناء في طوكيو يسلط الضوء على ماض مسيحي مجهول في اليابان.

فبعيد وصوله سنة 1708 متخفيا بزي محارب ساموراي ياباني، اكتشفت السلطات امره وسارعت الى ايداعه في سجن مخصص للمسيحيين كان يشهد عمليات تعذيب كثيرة، لشعورها بالتهديد بسبب عقيدته الدينية.

وبعد اكثر من ثلاثمئة عام، في تموز/يوليو 2014، اكتشف باحثون ثلاث مجموعات من العظام في موقع ورشة بناء في العاصمة اليابانية. وبين هذه المجموعات ثمة هيكل عظمي أثبتت نتائج فحص للحمض النووي نشرت أخيرا أنه عائد الى سيدوتي.

هذه الارض التي اصبحت موقف سيارات لمسكن فخم، كانت تضم في السابق سجن كيريشيتان ياشيكي او "المقر المسيحي". أما اليوم، فوحدها شاهدة حجرية تذكر بالتاريخ الثقيل لهذا الموقع.

وقد دفع اكتشاف ضرس بشري علماء المتحف الوطني للطبيعة والعلوم قرب طوكيو الى الاعتقاد بأنه عائد لمبشر ايطالي. ومن المعلوم أن مبشرين اثنين من هذا البلد اودعا في هذه المعتقلات هما سيدوتي وجوزيبي كيارا.

وقد استلهم الكاتب الكاثوليكي الياباني شوساكو ايندو (1923 - 1996) شخصية كيارا في رواية "تشينموكو" ("الصمت") التي تروي قصة كاهن برتغالي، وسيتم اقتباسها عبر عمل سينمائي من توقيع المخرج مارتن سكورسيزي خلال هذا العام.

وتظهر وثائق أن جثة كيارا احرقت بعد وفاته عن سن 84 عاما. وتاليا يرجح أن العظام المنبوشة الى سيدوتي الذي توفي عن 47 عاما سنة 1714 وفق الباحثين.

- اضطهاد للمسيحيين -

وقد دخلت المسيحية الى اليابان سنة 1549 عبر جزيرة كيوشو جنوب البلاد على يد المبشر اليسوعي الاسباني فرنسيس كسفاريوس.

وبعد استقبالها بايجابية من جانب الوجهاء اليابانيين الذين رأوا فيها قوة مقابلة للنفوذ المتعاظم للرهبان البوذيين، سرعان ما اعتبرت المسيحية مقدمة لمنحى استعماري اوروبي.

وقد حظرت هذه الديانة سنة 1614 وتعرض المبشرون الاجانب واولئك الذين اعتنقوا المسيحية لاضطهاد كبير من جانب امراء الحرب الذين تعاقبوا على ادارة اليابان في الحقبة الاقطاعية.

وفي سجن "كريشيتان ياشيكي" هذا، كان المسيحيون يتعرضون باستمرار للتعذيب لحملهم على التخلي عن ايمانهم المحظور في البلاد، ما دفع بكثيرين الى انكار ديانتهم بعد العذابات الشاقة التي قاسوها.

غير أن هذا لم يحصل مع سيدوتي الذي اظهرت وثائق تاريخية عدة أنه كان يتمتع بمعاملة تفضيلية، وهو ما يؤكده العثور على رفاته.

وأوضح استاذ علم الاثار في جامعة واسيدا في طوكيو المكلف البحوث في شان العظام اكيو تانيغاوا لوكالة فرانس برس أن "جثته كانت مسجاة في داخل نعش، وهو كان في المناسبة نعشا فاخرا"، بلا شك "على الطريقة المسيحية".

- اندهاش بالغرب -

وأشار الى انه "لم تكن قد درجت العادة على دفن الجثث البشرية بهذه الطريقة في تلك الحقبة". وخلال عهد سلالة ايدو (1603 - 1868)، كان الناس يدفنون بوضعية جلوس مع لي القدمين على الصدر في داخل حوض صغير.

وعلى رغم الحذر حيال الديانة المسيحية، كان الموظفون الرسميون اليابانيون متعطشين للمعرفة ولكل المستجدات العلمية الواردة من الغرب والتي كان من الصعب الاطلاع عليها حينها بسبب سياسة عزلة البلاد التي ارسيت سنة 1639.

وكان سيدوتي يجيب باستمرار على اسئلة احد اشهر حكماء الكونفوشيوسية وهو اراي هاكوسيكي الذي كان يكن له اكبر قدر من الاحترام على خلفية معرفته بالجغرافيا واللغات والقضايا الدولية.

وقد حاول هذا العالم مساعدة سيدوتي غير ان هذا الاخير اودع في زنزانة اثر اتهامه بتعميد اليابانيين اللذين كانا يهتمان به في حياته اليومية.

وتشير تقديرات الباحثين الى ان مجموعتي العظام المنبوشتين قرب سيدوتي قد تكونان عائدتين الى هذين اليابانيين وهما شوسوكي وهارو، نظرا الى ان احداهما على الاقل كانت موضوعة في حوض صغير بحسب طقوس الدفن اليابانية المتبعة في تلك الحقبة.