عبد الستار ايدهي في طريقه الى مكتبه في كراتشي في 5 فبراير 2016

عبد الستار ايدهي ابو الفقراء في باكستان

يستمر عبد الستار ايدهي بالتسول والعيش في مكان ضيق خلف مكتبه، هو الذي انشأ امبراطورية خيرية باتت اوسع منظمة مدنية في باكستان.

في احد الاحياء الميسورة في مدينة كراتشي حيث الهوة تزداد بين الفقراء والاغنياء، يصدح مكبر الصوت "السيد ايدهي جالس هنا، وهو ينتظر تبرعاتكم".

ويضع عابرو السبيل مالا بيد هذا الرجل، او يلقون عليه تحية احترام، وهو بلحيته البيضاء وثيابه الرثة من الوجوه المعروفة في عموم باكستان وفي خارجها ايضا.

رشح عبد الستار ايدهي مرات عدة لجائزة نوبل للسلام، وهو مرشح لها هذا العام ايضا، وقد جمعت عريضة داعمة له للفوز بالجائزة اكثر من 130 الف توقيع في الاشهر القليلة الماضية.

في العام 1951، كان عبد الستار شابا ذا مبادئ مثالية، وكان يعمل بائعا جوالا، وقد قرر حينها ان يفتح اول مستوصف في الشوارع الضيقة المغبرة في الوسط التاريخي لمدينة كراتشي، ولاسيما بسبب انتقاداته على المؤسسات الخيرية.

ويقول في كتاب مذكراته "كان العمل الاجتماعي رسالتي، اردت ان احرره" من قبضة الاثرياء الذين يفضلون ان "يفعلوا الاحسان" على ان يشاركوا في انشاء مؤسسات اجتماعية كبيرة.

- دولة الرفاه -

ولد عبد الستار في الهند البريطانية في عائلة من التجار الصغار المسلمين، وقد جاء الى باكستان بعد تأسيسها العام 1947. وكان يظن انه سيجد هناك، في  البلد المسلم الناشئ، نموذجا لدولة الرفاه، لكنه عثر على "كل سيء سوى ذلك"، بحسب تعبير ابنه فيصل.

وانطلق عبد الستار، مدفوعا برغبة بإحلال العدل، الى تعويض فشل الدولة في الحقل الاجتماعي، منشئا على مدى سنوات مؤسسات لرعاية الايتام ودورا للمسنين ومراكز صحية وغير ذلك.

ومن اسهاماته الكبرى في المجتمع الباكستاني سيارات الاسعاف البالغ عددها الفا و500، والتي تنتشر بسرعة فائقة عند وقوع حوادث او هجمات.

تنتشر افكار عبد الستار الانسانية متجاوزة الحدود الطائفية والعرقية، وتشكل دافعا للناس للانفكاك من قبضة الزعماء الاقطاعيين، ومثيرة غضب الجماعات الطائفية والعرقية التي تتخوف من هذا النوع من الافكار والنشاطات على تكتلها على بعضها في مواجهة الآخرين.

وكان رد عبد الستار المزيد من التفاني في العمل، من غير مراعاة ولا التفات لما يقال عنه.

وهو يكتفي بلباسين يتناوبان على ستر جسمه، وينام في غرفة متواضعة قرب مكتبه.

وتقول زوجته بلقيس التي تدير مؤسسات رعاية النساء والاطفال "لم يبن عبد الستار بيتا لابنائه".

وهكذا، اكتسب هذا الرجل حبا واسعا بين الناس رغم الاستياء الذي يثيره لدى زعماء الجماعات.

في العام 2014، تعرضت مؤسسته للسطو، واثار ذلك استياء عاما في البلاد.

تقدر ميزانية مؤسسته بمليار و500 مليون روبية (20 مليون يورو) سنويا، معظمها من تبرعات العمال وابناء الطبقة المتوسطة، وهي ما زالت تنمو وفقا لابنه فيصل.

ويصل عدد من تعنى بهم مؤسسات عبد الستار الى خمسة الاف و700 شخص من المعوقين ومدمني المخدرات والنساء المعنفات، يتوزعون على 17 مركزا يعمل فيها ثلاثة الاف شخص.

وبحسب بلقيس، فإن اكثر المشاريع ادخالا للمسرة الى قلبها هو مشروع "المهود"، اذ توضع مهود صغيرة لمن يرغبون بالتخلص من طفل حديث الولادة كتب عليها "لا تقتلوا طفلا بريئا، اتركوه لنا".

وكلف هذا المشروع المؤسسة انتقادات من اسلاميين متشددين نددوا برعايتها لاطفال غير شرعيين ولدوا من علاقات خارج الزواج.

في احد دور الايتام تقول سحر البالغة من العمر 16 عاما "لولا ايدهي لما كنت اظن اني سأعيش".

وهي ستبقى في هذه المؤسسة الى ان تنهي دروسها وتتزوج باشراف بلقيس التي تناديها "ماما".

وتضيف "بلقيس وبابا ايدهي يعملان من اجلنا 24 ساعة".

قبل اسابيع، شعر ايدهي انه لم يعد قادرا على ادارة مؤسساته، فعهد الى ابنه فيصل تولي شؤونها.

وقال "لقد عملت كثيرا، وانا راض عن حياتي"، بعدما انهكت سنوات العمل الطوال قواه.

ويقول فيصل "انها مسؤولية كبيرة، ما زال امامنا الكثير لفعله في هذا المجتمع الظالم".

 

×