اطفال يركبون الخيل في ارغالانت في 28 فبراير 2016

حلم الفرسان الاطفال في منغوليا قد يستحيل كابوسا

يمتطي اطفال لا يتعدى عمرهم في بعض الاحيان سبع سنوات صهوات الخيل في سهوب منغوليا الشاسعة حالمين بالمجد والثروة في هذا البلد حيث تمثل الفروسية شغفا متوارثا عبر الاجيال، غير أن هذا الحلم قد يستحيل كابوسا.

فهؤلاء الصغار الذين لم يبلغوا سن المراهقة يتعرضون لاصابات متكررة تصل احيانا الى حد الشلل فضلا عن سوء معاملة مدربيهم لهم.

ومن بين هؤلاء الاطفال تسندوسورينغين بودغاراف الذي يعاني كسرا في الفخذ الايمن بسبب سقوطه عن الخيل في سن الحادية عشرة ما شكل ضربة قوية مبكرة لمسيرته القصيرة.

ويوضح بودغاراف البالغ 17 عاما حاليا لوكالة فرانس برس أن مدربيه رفضوا نقله الى المستشفى طالبين منه اخذ قسط من الراحة، غير ان جرحه التهب ولم يخضع لعملية الا بعد سنة على الحادثة.

وهو لا يزال يخضع لعمليات جراحية املا في ان يتمكن يوما من المشي مستعينا بعكازين.

ويقول هذا الفتى من على سريره في المستشفى مع دمعة يحبسها في عينيه "انا حزين بسبب سقوطي في ذلك اليوم. ليتني لم اركب هذا الحصان".

لكن الميداليات التي فاز فيها خلال مسيرته القصيرة لا تزال تبعث فيه مشاعر الفخر على رغم مرارة بعض الذكريات من بينها تلك المتعلقة بمدربه السابق "الذي كان يطفئ سجائره على جبيني كما لو كان يشعل عود ثقاب".

ومنذ قرون، تحتل سباقات الخيل مكانة مهمة في منغوليا في انعكاس لمهارة شعب هذا البلد في مجال الفروسية ما سمح لجيوش جنكيز خان باحتلال مساحات شاسعة بين اوروبا وآسيا.

وتؤدي السباقات الحديثة الى استنفاد طاقات الخيل بدرجة كبيرة، ما يفسر الميل المتزايد للاستعانة بالاطفال الفرسان نظرا الى خفة وزنهم ما يخفف الحمل على الجواد.

وقد سجل عدد مسابقات الخيل ارتفاعا كبيرا خلال الفترة الاخيرة ليقارب ستمئة سنويا، مدفوعا خصوصا بالطفرة المسجلة على صعيد المعادن الخام في منغوليا، كذلك باتت مرفقة بجوائز مغرية بينها سيارات فارهة ومكافآت نقدية.

- انتهاكات متمادية -

وسجل اكثر من  الف طفل اسماءهم كفرسان سباق في منغوليا، بحسب الوكالة الحكومية لحماية الطفولة. كذلك فإن نحو 150 طفلا من هؤلاء شاركوا في العاصمة اولان باتور في مراسم نادام، ابرز الاعياد في البلاد.

وتتولى والدة بودغاراف العاطلة عن العمل والمقعدة، بمفردها تربية افراد عائلتها التي تعيش بفضل مساعدات اجتماعية ونفقات التقاعد الخاصة بالجد.

ولدفع نفقات التكاليف الطبية الخاصة ببودغاراف بعد الحادثة، اختار شقيقه الأصغر منخردين امتهان الفروسية. وهو يجني ما يقرب من 75 دولارا شهريا.

وتزين الميداليات التي نالها السجادات التي تغطي داخل الخيمة التقليدية المنغولية اتلي تقيم فيها العائلة. لكن في سنة 2013 عاد سوء الطالع ليصيب هذه العائلة اذ سقط منخردين هو الاخر عن صهوة جواده بعد انزلاق الحيوان على الارضية المجمدة اثناء سباق شتوي.

ومذ ذاك يعاني هذا الفتى البالغ حاليا 14 عاما اوجاعا دائمة في الرأس وحالات فقدان للذاكرة ما يمنعه من اكمال دراسته بشكل طبيعي.

ويقول "اشعر بآلام رهيبة في الرأس. في المدرسة، انسى دروسي بسرعة".

وقد اظهر تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) سنة 2014 أن عدد الاطفال فرسان السباق المنغوليين الذين ادخلوا المستشفيات سنة 2012 بلغ 326، بغالبيتهم بسبب اصابات في الرأس او كسور. ومن اصل 529 فارسا صغيرا شملهم الاستبيان، كان 5 % يشكون تعرضهم للضرب على يد مدربيهم.

ويترك بعض الاطفال الطامحين لامتهان الفروسية عائلاتهم ومدارسهم بأعمار صغيرة لا تتعدى سبع سنوات ليضعوا انفسهم تحت رحمة مدربين يطلق عليهم اسم "اوياك" بالمنغولية يكلفون ايضا بتعليمهم.

غير أن هؤلاء الصغار يبدون خائري القوى في مواجهة حالات سوء المعاملة التي يتعرضون لها بحسب منتقدي هذا النظام.

ويختار المدربون فتيانا من عائلات فقيرة يكونون اقل ميلا لرفع شكاوى في حال التعرض لاصابات بحسب مصدر في اللجنة الوطنية المنغولية لحقوق الانسان.

- سباقات "مسيسة جدا" -

ومن المتوقع اقرار تشريع جديد في منغوليا هذا العام بشأن حماية الاطفال يلحظ خصوصا منع مشاركتهم في السباقات الشتوية الخطيرة وينص على فرض عقوبات على المدربين في حال تعرض هؤلاء الاطفال للاصابة.

غير أن الناشطين الحقوقيين يشككون في امكان تطبيق هذا القانون على ارض الواقع وينددون بوجود صلات محتملة بين مسؤولين رسميين والقائمين على سباقات الخيل.

وقد وافق رئيس الوزراء المنغولي شيميديين سايخانبيليغ في شباط/فبراير على اقامة مسابقة نجم عنها سقوط 16 طفلا عن صهوة الخيل ما ادى الى كسر قدم اثنين منهم بحسب اللجنة الوطنية لحقوق الانسان.

وفي منغوليا، يمنح لقب "اوياك" صاحبه مكانة مرموقة اجتماعيا، وهو يعطى ايضا لمالكي الخيول المشاركة في السباقات اضافة الى المدربين.

وتحافظ هذه الرياضة على قوة جذب كبيرة في اوساط الشباب المنغوليين الذين لا يملكون خيارات كثيرة في شأن مستقبلهم.

وعلى رغم الام الرأس التي يعانيها، لا يزال منخردين يأمل في التمكن يوما من ممارسة شغفه في ركوب الخيل كما يطمح لأن يصبح مدربا.

 

×