يفغيني ماركيفيتش امام حديقته في تشرنوبيل في 8 ابريل 2016

مسنون متمسكون بالعيش في تشرنوبيل على رغم المخاطر

بعد ثلاثين عاما على كارثة المفاعل النووي في تشرنوبيل، لا يزال حوالى مئة شخص بمعدل اعمار يبلغ 75 عاما يعيشون في المنطقة القريبة المحيطة بالموقع، وقد عادوا بأكثريتهم الى ديارهم بعيد هذا الحادث النووي الأسوأ في التاريخ على رغم الخطر الاشعاعي واعتراض السلطات الاوكرانية.

ويتساءل يفغيني ماركيفيتش الرجل القوي البنية البالغ 78 عاما "لا يسعني تفسير رغبة الناس في العيش في تشرنوبيل. ما هو هدفهم؟ هل يتبعون قلوبهم؟ هل هو الحنين؟ من يعلم؟"، مضيفا "انا لا اريد العيش الا في تشرنوبيل".

لم يكن يفغيني قد تخطى سن الثامنة سنة 1945 عند انتقاله مع عائلته للعيش في هذه المدينة السوفياتية وقتذاك. 

ويقول "انقذنا ذلك من الجوع. فقد كنا قادرين هنا على زرع محاصيلنا من الاطعمة وحصدها"، ما يبرر جزئيا التعلق بهذه الارض التي "لم ارغب يوما في مغادرتها" على حد قوله.

عند انفجار المفاعل الرابع في المحطة السوفياتية اثناء اختبار للسلامة في 26 نيسان/ابريل 1986، كان يفغيني في المدرسة امام تلامذته.

ويروي هذا الرجل السبعيني "كان ذلك في يوم سبت بعيد وقوع الحادثة (...) ولم نكن نعلم شيئا في تلك اللحظة. ساورتنا شكوك حيال حصول امر ما لأننا كنا نرى حافلات وآليات عسكرية تتوجه الى بريبيات"، وهي مدينة تضم 48 الف نسمة بينهم طاقم المحطة الواقعة على بعد ثلاثة كيلومترات من تشرنوبيل.

ويوضح أن "احدا لم يبلغنا بشيء. كان السكوت تاما".

وقد تم ابعاد يفغيني عن المنطقة في نهاية المطاف. لكنه كان يريد العودة على الفور الى منزله. وعندها ابتكر كل انواع الخطط للعودة الى المنطقة المطوقة بالكامل حينها. فقد ادعى انه بحار او شرطي مكلف مراقبة تسليم منتجات نفطية.
وانتهى به الامر بلقاء مدير خدمة مراقبة الاشعاعات في المحطة وقد طلب منه الحصول على وظيفة. وقد حصل بالفعل على وظيفة ولم يغادر يوما المنطقة المنكوبة. وعلى عكس ما يمكن توقعه، لم يصب يوما بأي مرض. مع ذلك، هو يقر بأنه واظب على زرع الخضر في حديقته وأكلها، في خطوة "تنطوي على مجازفة" كما يؤكد ببساطة.

- "التسلل كمقاتلي الميليشيات" - 

لكن حال ماريا اوروبا اكثر سوءا. فظروف الحياة المتردية في منطقة الحظر الممتدة على نطاق ثلاثين كيلومترا في محيط المحطة النووية المنكوبة بدأت تؤثر سلبا على هذه المرأة الثمانينية خصوصا في ظل الصعوبات في المشي بعد تعرضها لحادث.

في المجموع، لا يزال 158 شخصا يعيشون في هذه المنطقة يلقبون محليا بـ"ساموسيلي" بحسب مسؤول في المحطة، في منازل ريفية مصنوعة في كثير من الاحيان من الخشب.

يعتاش هؤلاء من محاصيلهم الزراعية الخاصة والمؤن التي يوفرها لهم الموظفون والزائرون، كذلك يتوجهون في حال تطلب الامر الى مدينة ايفانكيف المجاورة خارج منطقة الحظر للتزود ببضائع من السوق المحلية.

ولم يقبل الـ"ساموسيلي" يوما بنزوحهم القسري. وعاد اكثر من الف شخص من هؤلاء الى ديارهم بعد الكارثة في هذه المنطقة على رغم نسب الاشعاع الكبيرة فيها وحظرها على السكان. 

وقد تقبلت السلطات الفكرة في نهاية المطاف.

وعند حصول الكارثة، اقترحت ماريا على زوجها الاختباء في القبو لتفادي اجلائه من الموقع. لكن جهودها لم تؤت بثمارها. وتستذكر ما حصل قائلة "كان الوضع حزينا. كانت أصوات البكاء والصراخ تملأ المكان".

وبعد شهرين في مخيم للنازحين، قررت العودة الى المنطقة "مع مجموعة من ستة اشخاص عبر التسلل في الغابة كمقاتلي الميليشيات". 

لكن اليوم "حياة الوحدة صعبة" على حد قولها، اذ ان زوجها توفي سنة 2011.

- '"ضحكات الاطفال" -

تأسف فالنتينا كوخارينكو البالغة 77 عاما لاضطرار افراد عائلتها الى ابراز هوياتهم في حال رغبوا في زيارتها. كما تبدي حزنها لعدم تمكنهم من البقاء لأكثر من ثلاثة ايام على التوالي في المكان. 

غير أن هذه الاوكرانية صاحبة الوجه المدور لا تندم على عودتها سريعا للعيش قرب تشرنوبيل.

وتقول كوخارينكو "يشاع أن مستويات الاشعاع مرتفعة. لا علم لي بذلك. قد يكون للاشعاعات اثر على الوافدين حديثا، على اولئك الذين لم يعيشوا يوما هنا. لكن ما الذي قد يخيف اشخاصا مسنين مثلنا؟".

وهي تأمل في أن "تعود تشرنوبيل يوما الى الحياة" وأن "يسمع صدى ضحكات الاطفال مجددا" حتى لو كان هذا الامر "سيستغرق سنوات".

 

×