محمد الصقر: مجلس 2009 راحل سريريا وتجربة مجلس 2012 ليست بأفضل منه

وصف النائب السابق محمد جاسم الصقر مجلس الأمة 2009 بالمجلس الراحل سريريا، مشيدا في الوقت ذاته بحكم المحكمة الدستورية، مشيرا الى أن تجربة مجلس 2012، فاقد الدستورية، ليس بأفضل من تجربة مجلس 2009، فاقد المصداقية. وفيما يلي نص التعليق:

أشكر كل الذين تساءلوا -بأسلوب أو بآخر ولغاية أو غيرها- عن "رأيي الغائب" أو "صمتي الغريب"، تجاه حكم المحكمة الدستورية بإبطال انتخابات 2/2/2012 بكل نتائجها وآثارها، وأرجو أن يكون في النقاط التالية -على إيجازها- ما يجيب عن تساؤلاتهم، وينفي قلقهم أو شكوكهم "بغياب الرأي" و"غرابة الصمت".

أولاً: فضلاً عن احترامي الكامل للسلطة القضائية، والدعوة المتجددة إلى تحصين استقلاليتها، والتحذير من تسييسها أو تجريحها، أشعر بفخر كبير بالحكم المشار إليه، لأنه جاء معبراً عن تطور عادل ومستحق في فهم اختصاص المحكمة الدستورية وولايتها، فهو يفرق بموضوعية واضحة وتحليل سليم بين قرار حل مجلس الأمة باعتباره أمراً سيادياً منعقداً لحضرة صاحب السمو الأمير، وبين الشروط الدستورية لإجراءات تنفيذ هذا القرار، وضرورة الالتزام بها والتقيد بخطواتها. ومثل هذا التمييز بين سيادية القرار ودستورية الإجراء يجدر أن يكون موضع الترحيب والتقدير، لأنه يوفر مزيداً من الضمان لاحترام نصوص الدستور ومقاصده.

ثانياً: لم أكن عضواً في مجلس 2009 لأعلن استقالتي منه أو مقاطعتي لجلساته، فقد استقلت منه أو نأيت بنفسي عنه قبل انتخابه، وفي بيان معلن ومسبب، تضمن استقراء -أثبتت الأحداث صحته ودقته- لما ستكون عليه أجواؤه، ولما سيكون إليه مآله، وعلى كل حال، هو مجلس راحل سريرياً إن صح التعبير، حلّه صاحب السمو الأمير، وامتنعت الحكومة عن التعاون معه، وتخلى عنه الكثير من أعضائه، وبالتالي، لا حاجة إلى الحديث بصوت مرتفع وعبارات مفخخة مضخمة ضد ذاك المجلس، وما يطرح من مقترحات بشأن إخراجه من غرفة الإنعاش لجلسة أو جلستين، لا يعدو كونه اجتهادات تتناول آليات محتملة لتفكيك التعقيدات الدستورية والقانونية للأزمة السياسية غير المسبوقة التي تمر بها البلاد، والتي جاءت نتيجة طبيعية وتراكمية لسياسات خاطئة وحسابات ضيقة، وسباقات عابثة، ساهم في قسط كبير منها معظم من يتنصل اليوم من حصادها.

ثالثاً: مع اختلاف في طبيعة وآليات الأخطاء والخطايا، لم تكن تجربة مجلس 2012، فاقد الدستورية، بأفضل من تجربة مجلس 2009، فاقد المصداقية، فمنذ جلسته الأولى، أمعنت أكثريته في إقصاء الآخر، وفي ازدواجية المعايير وتناقض الأحكام، وفي احتكار الوطنية والحقيقة، لتصبح قرارات قاعة عبدالله السالم انعكاساً للتوافقات خارج المجلس وصفقاتها السياسية، وهنا لابد أن نسجل للحكومة خلال فترة التجربتين "2009 - 2012" تمسكها بنهجها المستمر منذ عقدين، والقائم على التنازل المبرمج والمستمر عن مساحات كبيرة من اختصاصاتها، بسبب ضعف صفوفها، وتردد قرارها، وغياب رؤيتها.

رابعاً: إن تجربة المجلسين، المنحل والمبطل، تؤكد بصورة جازمة ومرعبة أن لا ديمقراطية دون ديمقراطيين، ولا تشريع دون شرعيين، ولا حكومة دون سياسيين، ولا إصلاح دون إصلاحيين، ولا دولة دون دستور مصون، وقضاء مستقل، وقانون صحيح البناء، عادل التطبيق. وإن تجربة المجلسين المنحل والمبطل، تؤكد بما لا يحتاج لمزيد أن الإصلاح أصبح استحقاقاً لا يقبل التأجيل، وهو إصلاح يجب ألا يقف عند حدود الحكم والحكومة، بل يجب أن يطال وبذات العمق والإلحاح كل التيارات السياسية، لا أستثني منها واحداً، غير أن الإصلاح الشامل والفاعل والمتوازن لا يمكن أن يتم تحت ضغوط العاصفة، ولا يمكن أن يخطف باتجاه معين تحت ستار ضبابية الرؤية، أو من خلال إثارة مشاعر الشارع وتأجيج عاطفته بوعود يقطف ثمارها السياسيون، ويسدد تكاليفها المال العام على حساب الشارع ذاته ومصالحه ومستقبله, فالإصلاح الحقيقي لا يتم إلا في إطار التوافق الوطني العام، القائم على قراءة صحيحة للتحولات الاجتماعية والديمقراطية والاقتصادية والتقنية، والهادف إلى إحداث التغييرات المناسبة والكفيلة باستيعابها وتوجيهها نحو خدمة الوحدة الوطنية والتنمية. على أن يتم هذا تحت سيادة القانون ثقافة وعملاً، وفي أجواء الاحترام الكامل للرأي الآخر قولاً ومسلكاً.

وأخيراً،

إذا لم تستطع الهزة التي نعيشها على عنفها، أن تنفض عنا فزعة القبيلة وتعصب الطائفة، واستئثار العائلة، فمتى نتحرر من كل هذا؟!

إذا لم تستطع العاصفة التي نمر بها، على شدة رياحها، أن تجعلنا أكثر اعتصاماً بعقيدتنا ووطننا، وأكثر تمسكاً بمؤسساتنا وشرعيتنا وديمقراطيتنا، فمتى نفعل ذلك؟! وإذا لم تستطع الحرائق الملتهبة جوارنا وحولنا وفي بيتنا أن توقظنا من سكرة إيرادات النفط فمتى يمكن أن نفيق؟!

يا أهل الكويت، أنتم خير من عرف -وبالتجربة المؤلمة المفجعة- أن لا أحد أهم من الوطن، ولا شيء أغلى من الوطن، ولا هدف يسمو على سلامة الوطن.
يا أهل الكويت، إن وطنكم في خطر... ولا تسعفني بعد ذلك العبارة.

 

×