أمير البلاد: لن أسمح بأن تصبح الكويت ساحة للصراعات الطائفية

القى حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه كلمة لاخوانه وأبنائه المواطنين الكرام هذا نصها..

بسم الله الرحمن الرحيم

"الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله".
   صدق الله العظيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الانبياء والمرسلين.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. احييكم أطيب تحية وأدعو المولى العزيز أن تكونوا جميعا على خير حال .. وبعد.

لقد رأيت لزاما أن أتحدث إليكم اليوم بعد أن اصدرت المحكمة الدستورية حكمها الذي أنتظرناه جميعا في قضية تباينت الاجتهادات حولها وشغلت الناس واشاعت جوا من القلق في النفوس والاحتقان في البلاد.

حقيقة مهمة ساطعة يسطرها هذا الحكم التاريخي وهي أن الكويت دولة مؤسسات يحكمها الدستور والقانون وان لا سلطة ولا سقف يعلو على سلطة الحق والعدالة. يحرص أهلها عند اختلافهم على الاحتكام للقضاء والالتزام بالقنوات والأطر الدستورية. وهي سمة حضارية والتزام بمرجعياتنا وانتصار للديمقراطية يحق لكل كويتي أن يفخر بها.

وأكرر لكم اليوم ما قلته من قبل بأنني أقبل عن طيب خاطر حكم المحكمة الدستورية أيا كان وأدعو جميع المواطنين الى احترامه والامتثال له اجلالا واحتراما لقضائنا الشامخ واعلاء لمنزلته والتزاما بدستورنا وهو ما حرصنا عليه دائما وسوف نظل نحرص عليه بعون الله.

وقد وجهت محلس الوزراء باتخاذ الاجراءات الكفيلة بتنفيذه. والان وقد قال القضاء قوله الفصل علينا ان نترك هذه القضية وذيولها المفتعل خلفنا ونواصل مسيرتنا في الاصلاح والتنمية مدركين دروس هذه التجربة وعظاتها.

قال تعالى "فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا".

وأول هذه الدروس أن نؤكد بأن ما شهدته البلاد كان تجربة مريرة ولكنها لم تكن معركة فيها منتصر ومهزوم ولا منازلة فيها غالب ومغلوب فالكويت بفضل الله وتوفيقه هي المنتصرة وهي الفائزة.

اننا نفترض حسن الغرض وسلامة القصد للجميع واذا كنا نسجل بالاعتزاز مواقف الاخوة المواطنين الذين انسجموا مع مبادئهم وتحملوا مسؤوليتهم بالتعبير عن أرائهم وتوجهاتهم فإننا نلتمس العذر لمن أخده الحماس فأنحرف عن جادة الحق والصواب سائلين الله لهم الهداية والرشاد. ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر والتقدير لرئيس وأعضاء مجلس الأمة بما قاموا به من جهود مخلصة في تحمل أعباء مسؤليتهم وآداء واجبهم الوطني وما حققوه من انجاز.

وندعو الجميع الى الالتزام بقيم اسلامنا الحنيف وتعاليمه السمحاء والتحلي بأخلاق الأباء والأجداد الحميدة والتأسي بقيمهم الكريمة في التسامح والتراحم والتعاون والتكاتف وعفة القلب واليد واللسان وتوقير الكبير ورعاية الصغير وأن يعود الجميع تحت مظلة وحدتنا الوطنية درع الكويت الحصين التي لا ترد أحدا من أبنائها.

وإنني من موقفي كمسؤول ووالد للجميع أحمل همومهم وأعمل جاهدا لاسعادهم أشهد الله بأنني لا أحمل ضغينة ولا حقدا على أحد على الاطلاق. وهل يعرف الأب غير المحبة والمودة والرحمة لأبنائه؟ وإن تعاطف الحاكم وتلاحمه مع شعبه وارتباطه معهم سمة أساسية في مجتمعنا الكويتي توارثناها ونتمسك بها على مر الأجيال.

إخواني وأبنائي

إن الديمقراطية قدرنا الذي ارتضيناه وخيارنا الذي اخترناه أساسها الشورى التي توارثها مجتمعنا جيلا بعد جيل وجسدها حديثا دستورنا الذي وضعه ممثلو شعبنا وصاغوا أحكامه بضمائرهم ووجدانهم عن طريق الحوار والتوافق والتفاهم فكانت موافقة وإجماع الجميع.

إن الديمقراطية التي تعيش في كنفها المجتمعات المتقدمة لم تتحقق بخطوة واحدة ولم تأت بين عشية وضحاها بل جاءت بعد سلسلة طويلة من التجارب والممارسات ومجتمعنا الكويتي ليس استثناءا من المجتمعات الأخرى وعلينا جميعا تقع مسؤولية صيانة وتطوير نظامنا الديمقراطي لكي نحقق ما نصبو إليه من آمال وطموحات في ارتقاء وطننا ورفعته دون هيمنة فئة أو سيطرة جماعة أو تهميش أخرى بل ضمان تمثيل جميع شرائح الكويتيين وتعزيز المشاركة الشعبية وارساء ثقافة الحوار والتفاهم والتوافق وقبول الاختلاف والتعددية واحترام الرأي الاخر ونبذ العنف والتطرف والتشدد والتعصب والابتعاد عن الشخصانية والمصالح والاهواء والحرص على رقي الخطاب وعدم التجريح أو مس كرامات الاخرين وجعل مصلحة الكويت العليا فوق كل اعتبار.. هذه هي الممارسة الديمقراطية الصحيحة التي نطمح الى بلوغها ونعمل على تحقيقها وتطوير مسيرتنا الديمقراطية بالحوار والتوافق والتفاهم والتشاور الذي يخدم مصلحة الوطن والمواطنين وعلينا جميعا أن نعمل جادين على ترشيد وانضاج ممارستنا الديمقراطية حتى نحقق المأمول من الأهداف والغايات.

وإذا كنا نفخر بدستورنا الشامل ونحرص على حمايته وصيانته فان علينا ان نلتزم بجميع أحكامه نصا وروحا تماما كما نفخر ونعتز بقضائنا النزيه العادل ونلجأ إليه في كل ما نختلف حوله كمرجعية راسخة حاكمه علينا تجسيد احترامه ودعم سلطانه والالتزام الصادق بجميع أحكامه والعمل دائما على صيانة مكانته العالية المعهودة فهذه الأحكام وحدة لا تتجزأ لا نملك إلا قبولها واحترامها والالتزام بتنفيذها.

أخواني وأبنائي الأعزاء

لقد أثبت الشعب الكويتي مرة أخرى خلال الأزمة أصالة معدنه وصدق ولائه لوطنه وحرصه على مصلحة الكويت وحماية أمنها واستقرارها فرفض دعوات الفتنة والانقسام ونبذ أصوات الفوضى والبغضاء وتمسك بوحدته الوطنية والتف حول قيادته.

ولا أخفي عليكم أيها الأخوة والأبناء مشاعر القلق إزاء ما برز مؤخرا على ساحتنا من مظاهر وممارسات مستنكرة في مجتمعنا تحمل نفسا طائفيا بغيضا من شأنه استدراج نار التعصب والتطرف وافتعال أسباب الفتنة المدمرة وهو ما يرفضه ويدينه كل كويتي مخلص لوطنه. ولن نسمح بأن تكون بلدنا ساحة للصراعات الطائفية وتصفية الحسابات المريضة ولن نسمح لأشواك الفتنة أن تبث سمومها في جسد مجتمعنا المتماسك.

ويعلم الجميع التزامنا الثابت بمواقفنا المبدئية وحجم التضحيات والجهود الايجابية التي قدمتها وتقدمها الكويت في سبيل نصرة أشقائنا العرب والمسلمين ودعم مبادئ الحق والعدالة. ونسأله تعالى أن يعز الحق وينصر المظلوم ويحقن دماء أشقائنا العرب والمسلمين ويحفظ كرامة الانسان في كل مكان.

إننا حريصون على صيانة ثوابتنا والتمسك بمكتسباتنا الوطنية وحماية الحرية التي ننعم بها بالقدر الذي يحسد المسؤولية ويحفظ المصلحة الوطنية العليا.

اخواني وابناء أهل الكويت الأوفياء

ان أمن الكويت واجب مقدس لا تهاون فيه ولا تساهل وهو على رأس الأولويات والاهتمامات.

فلا بناء ولا تنمية ولا اقتصاد ولا خدمات ولا مدارس ولا مسشفيات في غياب الأمن. وأعلموا أن حماية أمن البلاد مسؤولية الجميع وواجب الجميع وهي أمانة تقتضي الوعي والحكمة وروح المسؤولية وتغليب المصلحة الوطنية العليا على ما عداها من مصالح واهتمامات وأهواء.

إن أولى اولوياتنا في المرحلة الراهنة حماية وطننا من شرور الكوارث المحيطة بنا وصيانة أمنه واستقراره وتحصينه ضد العواصف الهوجاء التي تزمجر حولنا تحرق البلاد وتهلك العباد وتنشر الدمار والخراب حيث مئات الأبريء يسقطون قتلى وجرحى كل يوم وملايين المشردين يهجرون أوطانهم طلبا للنجاة. قال تعالى "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون". صدق الله العظيم

تبصروا فيما يحدث غير بعيد عنا ولنحمد اله على ما أسبغ علينا من نعم الأمن والامان والاستقرار والسلام والطمأنينة والهدوء والرفاه والعيش الكريم. ولندعوه جلت قدرته أن يحفظ الكويت كعهدها دار آمن وأمان ويحميها وأهلها من كل مكروه.

"رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات" صدق الله العظيم

إخواني وأبنائي الأعزاء

ان أمامنا طريقا طويلا من الصعاب والتحديات التي لابد من مواجهتها والتغلب عليها لتحقيق أهدافنا الوطنية. نعم .. إن الطريق طويل وشائك والتحديات كبيرة على مختلف الصعد والمستويات ولكننا بعون الله وتوفيقه وعزيمة الكويتيين وتعاونهم وتكاتفهم قادرون إن شاء الله على النجاح وتحقيق الأهداف.

"وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب".  صدق الله العظيم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

×