المحكمة الدستورية: ابطال مجلس ديسمبر 2012 وتحصين مرسوم الصوت الواحد

خرج حكم المحكمة الدستورية «التاريخي» امس بنتائج أفضت الى إبطال عضوية نواب من اعلن فوزهم في انتخابات 1 ديسمبر 2012 لعدم دستورية مرسوم انشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات فيما رفضت المحكمة الطعن بعدم دستورية مرسوم الصوت الواحد.

وكانت المحكمة برئاسة المستشار يوسف المطاوعة وعضوية المستشارين محمد بن ناجي وخالد سالم وخالد الوقيان وإبراهيم السيف قد قبلت بالطعن المقدم من المرشح في انتخابات الدائرة الرابعة اسامة الرشيدي ضد نواب الدائرة شكلا فيما قررت ايضا إعادة الانتخاب مجددا كأن هذا المرسوم بقانون لم يكن.

وتحدثت المحكمة عن اختصاصها الشامل بالفصل في الطعون لبسط رقابتها على الانتخابات برمتها على السلطة التنفيذية للتأكد من صحتها او فسادها رافضة بهذا الشأن ما ذهبت اليه الفتوى والتشريع بعدم اختصاص المحكمة النظر في مراسيم الضرورة باعتبار ان الرقابة القضائية على دستورية التشريعات مقررة صراحة في المادة 173 من الدستور.

وأشارت المحكمة الى ان الدول الديموقراطية قاطبة قبلت ان تتولى السلطة التنفيذية التشريع في «الظروف الخاصة» والمصالح الملحة. وتحدثت المحكمة ايضا عن مبررات صدور مرسوم ضرورة جديد بعد «الممارسات الفعلية للانتخابات البرلمانية للفصول التشريعية السابقة التي اظهرت نتائج تهدد وحدة الوطن ونسيجه الاجتماعي»، لافتة الى ان «قاعدة الصوت الواحد للناخب متبعة في دول ديموقراطية عدة».

ورأت المحكمة ان كل القوانين الصادرة من المجلس المبطل ستبقى سارية ونافذة فيما رأت ان المشرع الدستوري أتاح لكل ناخب ومرشح ان يطلب إبطال الانتخابات.

وفي ما يلي تفاصيل حكم المحكمة الدستورية.

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم صاحب السمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح

المحكمة الدستورية

بالجلسة المنعقدة علنا بالمحكمة بتاريخ 7 من شهر شعبان 1434 هـ الموافق 16 من يونيو 2013م

برئاسة السيد المستشار/ يوسف جاسم المطاوعة رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين/ محمد جاسم بن ناجي وخالد سالم علي وخالد أحمد الوقيان، وابراهيم عبدالرحمن السيف

وحضور السيد/ خالد عبدالرحمن الحاتم أمين سر الجلسة

صدر الحكم الآتي:
في الطعن المقيد في سجل المحكمة الدستورية برقم (15) لسنة 2012 طعون خاصة بانتخابات مجلس الامة (ديسمبر/ 2012).

المرفوع من:

اسامة منصور صالح الرشيدي.

ضد:
1 - عسكر عويد عسكر بقان العنزي، 2 - سعد علي خالد خنفور الرشيدي، 3 - سعود نشمي عواد معلج الحريجي، 4 - مبارك بنية متعب فهد الخرينج، 5 - ذكرى عايد عوض بطي الرشيدي، 6 - خالد رفاعي محمد الشليمي، 7 - محمد ناصر ماطر البراك الرشيدي، 8 - مبارك بنية خلف العرف، 9 - مشاري ظاهر معاشي فاضل الحسيني، 10 - مبارك صالح حسن علي النجادة، 11 - رئيس مجلس الامة بصفته، 12 - الامين العام لمجلس الامة بصفته، 13 - وزير العدل والشؤون القانونية بصفته، 14 - وزير الداخلية بصفته، 15 - رئيس مجلس الوزراء بصفته، 16 - رئيس اللجنة الوطنية العليا للانتخابات بصفته.

الوقائع

حيث ان الوقائع - حسبما يبين من الاوراق - تتحصل في أن الطاعن (اسامة منصور صالح الرشيدي) طعن في انتخابات اعضاء مجلس الامة التي اجريت في الأول من ديسمبر عام 2012 في الدائرة الانتخابية (الرابعة)، وذلك بصحيفة طعن أودعت ادارة كتاب هذه المحكمة في 13/ 12/ 2012، حيث قيدت في سجلها برقم (15) لسنة 2012، واعلنت إلى المطعون ضدهم، واسس الطاعن طعنه - على نحو ما جاء بتلك الصحيفة - على سند من أن عملية الانتخاب قد شابت اجراءاتها، وقواعدها، ومراحلها، مخالفات دستورية، واخطاء جوهرية، وعيوب جسيمة تؤدي إلى بطلان الانتخاب في تلك الدائرة، وبنى الطاعن نعيه في هذا الصدد على اكثر من وجه، حاصلها ما يلي:

أولا: أنه قد شاب عملية الانتخاب عوار دستوري في الاجراءات الممهدة لها، إذ صدر المرسوم رقم (241) لسنة 2012 بحل مجلس الامة مشوبا بالبطلان لمخالفته الدستور، قولا من الطاعن بان اجراء هذا الحل قد جاء بناء على طلب وزارة صدر بتشكيلها المرسوم رقم (155) لسنة 2012، وانه وان قام الوزراء فيها بموجب المادة (126) من الدستور باداء اليمين الدستورية - بالصيغة المنصوص عليها في المادة (91) - امام الامير، إلا انهم لم يؤدوا هذه اليمين امام مجلس الامة طبقا للمادة (80) من الدستور التي نصت على اعتبار الوزراء غير المنتخبين بمجلس الامة اعضاء في هذا المجلس بحكم وظائفهم، وبالتالي فإنه ليس لهذه الوزارة صلاحية ممارسة دورها التشريعي أو القيام بأي عمل يتصل بعلاقتها بمجلس الامة قبل اداء هذه اليمين، ومن ثم فإن اجراء هذا الحل، والذي صدر بناء على طلب منها، يكون مشوبا بالبطلان، ويستوجب عدم الاعتداد به وترتيب آثاره، بما يستتبع ذلك بطلان المرسوم رقم (258) لسنة 2012 بدعوة الناخبين لانتخاب اعضاء مجلس الامة الذي صدر ابتناء على اجراء هذا الحل الباطل.

ثانيا: أن عملية الانتخاب قد اجريت في ظل مراسيم بقوانين - اصدرتها السلطة التنفيذية بارادتها المنفردة في غيبة مجلس الامة بسبب حله - جاءت مشوبة بعيب عدم الدستورية لمخالفتها نصوص الدستور، وقد تمثل ذلك في اصدارها للمرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 بتعديل القانون رقم (42) لسنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، وكذلك اصدار المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 بانشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وبتعديل بعض احكام القانون رقم (35) لسنة 1962 في شأن انتخابات اعضاء مجلس الامة وقد ارتكنت السلطة التنفيذية في اصدار هذين المرسومين على المادة (71) من الدستور، في حين أن هذه المادة قد اشترطت حدوث ما يوجب الاسراع إلى اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، ولا يمكن للحكومة أن تدعي حدوث ذلك في ما يخص هذين المرسومين، لان الواقع لا يساعدها على هذا الادعاء، إذ لا يوجد في هذين المرسومين، انهما قد صدرا بناء على أمر حدث في الدولة يستوجب الاسراع إلى اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، كما أن المادة المذكورة قد اشترطت أيضاً الا تكون هذه المراسيم مخالفة للدستور، وهذان المرسومان خالفا الدستور الذي نص صراحة على أن جميع السلطات مصدرها الامة (م 6)، وان نظام الحكم يقوم على أساس فصل السلطات مع تعاونها وفقا لاحكام الدستور (م 50)، وان السلطة التشريعية يتولاها الأمير ومجلس الامة وفقا للدستور (م 51)، وان السلطة التنفيذية يتولاها الأمير ومجلس الوزراء والوزراء على النحو المبين بالدستور (م 52)، والا يصدر قانون إلا إذا اقره مجلس الامة وصدق عليه الأمير (م 79)، وان اصدار هذين المرسومين في فترة تعطيل المجلس النيابي بالحل فيه اهدار لسلطة الامة ولمبدأ فصل السلطات، وجعل السلطة التنفيذية سلطة تشريعية على غير ما تقتضيه صراحة المادة (52) من الدستور، فضلا عن أن السلطة التنفيذية وان رُخص لها - على سبيل الاستثناء - اصدار مراسيم تكون لها قوة القانون وفق المادة (71) من الدستور، فإن مناط استعمالها لهذه الرخصة الاستثنائية أن تقضي بها ضرورة أو ظروف استثنائية، تتطلب اجراءات تستوجب السرعة في اتخاذها تدور معها وجودا وعدما، وهذه الرخصة إنما شرعت لمجابهة هذه الحالات والظروف، ليس لاتخاذها وسيلة للتعدي على الاختصاص المحجوز للسلطة التشريعية، ولا ريب في أن المسائل المتعلقة بتحديد الدوائر الانتخابية والتي تعتبر حجر الزاوية في بناء المجلس النيابي الذي أحكم الدستور قواعده، وكذلك تلك المسائل المتعلقة بضبط عملية انتخاب اعضاء مجلس الامة وتنظيم اجراءاتها، إنما يجمعها طابع واحد أن تنظيمها يكون بقانون، وتدخل في نطاق التشريع العادي ولا تدخل في نطاق التشريع الاستثنائي، ولا يمكن أن تكون وليدة الضرورة أو من خلق الظروف الاستثنائية، وما كان حرص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، إلا سدا لذرائع التحكم فيها والانفراد بها، وحتى لا تستقل الحكومة بذلك لتحقيق مصالحها، الامر الذي يستتبع معه القول بانه لا تنطبق على اصدار هذين المرسومين الشروط التي تطلبتها المادة (71) من الدستور من هذه الوجهة، ومن وجهة اخرى فإنه ما يزيد من تداعيات المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 سالف الذكر أنه اجرى تعديلا على نص المادة (الثانية) من القانون رقم (42) لسنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، متضمنا هذا التعديل، العدول عن نظام الانتخاب الذي اطرد على اتباعه - من ذي قبل - بطريقة تعدد الاصوات بالنسبة للناخب، إلى الاخذ بقاعدة الصوت الواحد، ما يمثل ذلك مساسا بالحقوق المكتسبة لجموع الناخبين، ويخل بقواعد العدالة ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وبحق التعبير وحرية الرأي التي كفلها الدستور في المواد (7) و(8) و(29) و(36) منه، ويجافي ما يفترضه الدستور من أن عضو مجلس الامة لا يمثل الدائرة التي انتخبته وانما يمثل الامة جمعاء، وان حق الانتخاب وحق الترشيح حقان دستوريان مرتبطان، يتبادلان التأثير في ما بينهما، لا يجوز تقييدهما ونقضهما، إذ جاء تعديل نص هذه المادة منطويا على تكبيل لارادة الناخب في تكييف اتجاهه وتقييد حقه الاصيل في التعبير عن رأيه، وفي اختياره الحر للمرشحين، والزامه بان يقصر اختياره على مرشح واحد يعطيه صوته دون سواه، بدلا من اربعة اصوات لاكثر من مرشح، في ظل تمثيل كل دائرة انتخابية من الدوائر الخمس بعشرة مرشحين، وهو ما يعني حرمان مرشحين آخرين من اصوات الناخب كان يمكن ان يحصلوا عليها، وتحقق فوزهم في الانتخابات، ويجعل النائب اسيرا لناخبيه، ويحمل النائب على اعتبار نفسه ممثلا لدائرته فقط لا لمجموع الامة فينهدم بذلك ركن من اركان النظام النيابي، كما أن التعديل الذي جاء به المرسوم بقانون سالف الذكر يفضي إلى اعطاء الاقلية تمايزا على حساب الاغلبية ويجعل التمثيل النيابي لا يعبر عن إرادة الامة ولا يصور حقيقة رأيها.

وانه بالترتيب على ما تقدم جميعه، فإن المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 والمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 المنوه عنهما آنفا، واذ صدرا بالمخالفة للدستور، فانه يستوجب القضاء بعدم دستوريتهما، لانعكاس اثرهما بحكم اللزوم على شرعية الانتخاب.

ثالثا: ان الطاعن كان مرشحا في الدائرة الانتخابية (الرابعة)، وانه كان من شأن اصدار المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 بتعديل المادة (الثانية) من قانون اعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، الذي تم بموجبه تعديل طريقة التصويت في الانتخاب، واصدار المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 الذي قضى بانشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وبتعديل بعض احكام قانون الانتخاب بسبب انشاء هذه اللجنة وذلك في وقت قصير، وفي فترة حرجة، وفي ظل عدم توقع صدورهما، لاسيما وان الحكومة قد استبقت اجراء حل مجلس الامة برفع طعن مباشر امام هذه المحكمة بطلب الحكم بعدم دستورية المادتين (الأولى) و(الثانية) من القانون رقم (42) سنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، وقضت هذه المحكمة بتاريخ 25/ 9/ 2012 برفضه، وهو يعني أن المحكمة لم يتبين لها عيب في المادة (الثانية) من ذلك القانون من الوجهة الدستورية يقتضي معه الاستجابة إلى طلب الحكومة في هذا الشأن، وانه وعلى الرغم من ذلك فقد فوجئ الناخبون والمرشحون باصدار هذين المرسومين، ومن بينهم الطاعن الذي عجز عن اعادة تنظيم حملته الانتخابية على ضوء هذه التعديلات غير المبررة والمخالفة للدستور، التي كان لها تأثيرها السلبي على عملية الانتخاب التي اجريت في الدائرة، فقام بخوض هذه الانتخابات في ظل منافسة غير متكافئة بين المرشحين، وعزوف عدد كبير من الناخبين عن الاشتراك فيها، ما ألحق به ضررا مباشرا تمثل في خسارته لعدد كبير من اصوات ناخبيه، واخفاقه في الفوز في انتخابات تلك الدائرة، وهو ما ظهر جليا من اعلان نتيجتها بتدني نسبة اقبال الناخبين على التصويت فيها، ونسبة الاصوات المحدودة التي حصل عليها كل من اعلن فوزهم بالنسبة إلى مجموع اصوات الناخبين المقيدين في الدائرة، والتفاوت الواضح في نسبة الاصوات في ما بين هؤلاء الفائزين، فضلا عن أنه قد شابت عملية الانتخاب - التي تمت في الدائرة في مراحلها المتعددة سواء في الاقتراع أو في احصاء الاصوات أو في جمع النتائج أو في اعلان نتيجة الانتخاب - عيوب واخطاء جسيمة، كان مرجعها إلى احتساب اصوات ناخبيه لصالح مرشحين آخرين، وظهور اخطاء في عملية تجميع الاصوات في جميع اللجان على الرغم من قلة عدد الناخبين في تلك الانتخابات قياسا بالانتخابات البرلمانية السابقة، وتوقف اعمال اللجان الفرعية بغير مبرر دون انجاز مهامها، واضطراب العمل في اللجان بسبب حرص اللجنة الوطنية العليا للانتخابات على سرعة اعلان النتائج ونسبة التصويت في الدائرة، وخلص الطاعن مما تقدم جميعه إلى طلب الحكم بابطال هذا الانتخاب.

وقد نظرت هذه المحكمة الطعن على الوجه المبين بمحاضر الجلسات، وقررت المحكمة بجلسة 1/ 4/ 2013 اصدار الحكم في الطعن بجلسة اليوم، وصرحت للخصوم بتقديم مذكرات خلال اسبوعين، وخلال هذا الاجل اودع الطاعن مذكرة صمم فيها على طلباته التي سبق أن ابداها

في دفاعه.

المحكمة

بعد الاطلاع على الاوراق، وسماع المرافعة، وبعد المداولة.

لما كانت المادة (41) من قانون انتخابات اعضاء مجلس الامة رقم (35) لسنة 1962 تنص على أن «لكل ناخب أن يطلب ابطال الانتخاب الذي حصل في دائرته الانتخابية، ولكل مرشح طلب ذلك في الدائرة التي كان مرشحا فيها...»، وكان المستفاد من هذا النص - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - أن المشرع اتاح لكل ناخب شارك في الانتخاب وقام بالادلاء بصوته، ولكل مرشح قام بخوض الانتخاب وفاز عليه منافسة، أن يطلب ابطال الانتخاب في دائرته الانتخابية، واختص المشرع هذه المحكمة دون غيرها - طبقا للمادة (الأولى) من قانون انشائها رقم (14) لسنة 1973 - بالفصل في الطعون الخاصة بانتخابات اعضاء مجلس الامة أو بصحة عضويتهم. وقوام هذه الطعون، الطلبات التي تقدم اليها بابطال الانتخاب على الوجه المتقدم، وهذه المحكمة إنما تفصل في تلك الطلبات بوصفها محكمة موضوع، تقصيا لما يطرحه عليها الطالب من عناصر ووقائع معينة تنصب اساسا على ما ينازع فيه اصلا متعلقا بعملية الانتخاب في دائرته الانتخابية، وما يتصل بهذه العناصر والوقائع من قواعد قانونية واجبة التطبيق متعلقة بها، لتبسط المحكمة - وفي اطار اختصاصها المعقود لها في هذا المقام كمحكمة موضوع - رقابتها على عملية الانتخاب للتحقق من صحتها، والتثبت من سلامتها، والتأكد من التزام اجراءاتها بالقيود والضوابط الحاكمة، وانزال حكم القانون على واقع ما هو مطروح عليها، وتغليب حكم الدستور على ما سواه من القواعد القانونية، كما تتقصى هذه المحكمة أيضاً ما عسى أن يثيره الطالب عرضا من مطاعن دستورية على النصوص التشريعية المتصلة بعملية الانتخاب والتي ينعكس اثرها بحكم اللزوم على واقع ما ينازع فيه الطالب في اطار طعنه الموضوعي بدائرته الانتخابية، وذلك من خلال دفع بعدم الدستورية تقدر هذه المحكمة جديته، فاذا قبلته، قضت في المسألة الدستورية بوصفها محكمة دستورية ثم قامت - من بعد - بانزال قضائها على موضوع الطلب.
وبالبناء على ذلك، فإنه إذا ثبت للمحكمة من طلب ابطال الانتخاب المطروح عليها في ضوء المطاعن الموجهة إلى عملية الانتخاب في الدائرة محل الطعن، أنه قد شابها البطلان، أو أن اجراء من اجراءاتها كان باطلا، تعين اعمالا للولاية التي اسبغها الدستور والقانون عليها أن تنزل حكم الدستور والقانون على واقع المنازعة المعروضة عليها، فاما أن تقضي بالغاء العملية الانتخابية في الدائرة إذا ثبت لها أن العيب يوجب اعادة الانتخاب في هذه الدائرة بالكامل، أو بالغائها جزئيا إذا وجدت أن العيب قد اعتور أحد اجراءاتها بما من شأنه تعديل النتائج المعلنة، وبهذا تقضي ببطلان الانتخاب بالنسبة لمن اعلن فوزه الذي اتصل به الاجراء الباطل أو بتعديل النتيجة باعلان من هو احق بالفوز بعضوية المجلس، أو أن تقضي بالغاء العملية الانتخابية برمتها متى ثبت لها انها جاءت معيبة في جملتها وان العيب الذي لحق باجراءاتها لا يقتصر فحسب على الدائرة محل هذه المنازعة.

ومتى كان ذلك، وكان الثابت أن الطاعن كان مرشحا في الدائرة الانتخابية (الرابعة) في الانتخابات التي تمت في الأول من ديسمبر عام 2012، وطلب ابطال الانتخاب في تلك الدائرة على سند من أنه قد شابت اجراءاتها وقواعدها ومراحلها مخالفات دستورية واخطاء جوهرية وعيوب جسيمة تؤدي إلى بطلان الانتخاب في تلك الدائرة، فإن الدفع المبدى من ادارة الفتوى والتشريع بعدم قبول الطعن، بمقولة ان الطاعن قد تجاوز بطلبه النطاق المقرر قانونا بالطعن في جميع الدوائر الانتخابية، يكون غير صحيح.

وحيث ان الطعن قد استوفى اجراءاته المقررة قانونا:

وحيث ان ادارة الفتوى والتشريع قد ذهبت في دفاعها عن الحكومة إلى أن ما اثاره الطاعن في طلبه متعلقا ببطلان المرسوم الصادر بحل مجلس الامة، والمرسوم الصادر بدعوة الناخبين لانتخاب اعضاء مجلس الامة، لا تختص هذه المحكمة بنظره، باعتبار أن هذين المرسومين في ما تناولاه، إنما يتصل بأخص المسائل المتعلقة بعلاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية، وهي من الاعمال السياسية التي تتأبى بطبيعتها أن تكون محلا للتقاضي، تحقيقا لسيادة الدولة وحفظا لكيانها ورعاية لمصالحها العليا، دون تخويل القضاء سلطة التعقيب عليها، لان النظر في تلك الاعمال يستلزم توافر معلومات وضوابط وموازين يخرج زمام تقديرها عن اختصاص القضاء، وهي من الامور التي تنحسر عنها ولاية القضاء باعتبارها من اعمال السيادة.

وحيث ان ما أثارته ادارة الفتوى والتشريع في هذا الشأن، مردود بان هذه المحكمة قد سبق لها التأكيد في قضاء سابق على أن الطعون المتعلقة بانتخاب اعضاء مجلس الامة أو بصحة عضويتهم لها طبيعتها الخاصة، وان نظر هذه الطعون امامها تحكمه التشريعات المنظمة لاختصاصها، وان الاجراءات المتعلقة بهذه الطعون تنتظمها نصوص خاصة، وان اختصاص هذه المحكمة بالفصل في هذه الطعون هو اختصاص شامل، وقد جاء نص المادة (الاولى) من قانون انشائها دالا على ذلك، وبما يشمل بسط رقابتها على عملية الانتخاب برمتها للتأكد من صحتها أو فسادها، ولا خلف في أن الانتخابات إنما ترتبط بداهة بالالتزام بضوابطها واجراءاتها، فإن صحت هذه الاجراءات والتزمت ضوابطها مهدت لصحة عملية الانتخاب، وان تسرب اليها الخلل تزعزع الانتخاب من اساسه، وبالتالي فإن الطعن على اجراءات هذه الانتخابات يستغرقه بحكم اللزوم اختصاص هذه المحكمة بنظره لتأثير الفصل فيه بحكم الضرورة على عملية الانتخاب. ولا ريب في أن القيود الاجرائية التي فرضها الدستور على السلطة التنفيذية لا يجوز اسقاطها أو تجاوزها أو التحلل منها تذرعا بانها اعمال سياسية، إذ ان هذا القول لا يستقيم في مجال اعمال سلطتها المقيدة طبقا للدستور. لما كان ذلك، وكان ما ذهبت إليه ادارة الفتوى والتشريع لا يلتئم مع طبيعة اختصاص هذه المحكمة للاعتبارات سالفة البيان، فإن ما اثارته في هذا الدفاع يكون في غير موضعه.

وحيث ان الطاعن ينعى بالوجه الأول من طعنه على عملية الانتخاب أن الاجراءات الممهدة لها قد جاءت مشوبة بالبطلان لمخالفتها الدستور، إذ نصت المادة (80) منه على أن «يتألف مجلس الامة من خمسين عضوا ينتخبون بطريق الانتخاب العام السري المباشر، وفقا للاحكام التي يبينها قانون الانتخاب.

ويعتبر الوزراء غير المنتخبين بمجلس الامة اعضاء في هذا المجلس بحكم وظائفهم».

كما نصت المادة (91) على أنه «قبل أن يتولى عضو مجلس الامة اعماله في المجلس أو لجانه يؤدي امام المجلس في جلسة علنية اليمين الآتية:

«أقسم بالله العظيم ان اكون مخلصا للوطن وللأمير، وان احترم الدستور وقوانين الدولة، واذود عن حريات الشعب ومصالحه، وامواله وأؤدي أعمالي بالامانة والصدق».

كما نصت المادة 126 على أنه «قبل ان يتولى رئيس مجلس الوزراء والوزراء صلاحياتهم يؤدون امام الامير اليمين المنصوص عليها في المادة 91 من هذا الدستور».

ومتى كان ذلك، وكان المرسوم رقم 241 لسنة 2012 الصادر بحل مجلس الامة قد جاء بناء على طلب وزارة صدر بتشكيلها المرسوم رقم 155 لسنة 2012، وانه وان قام الوزراء فيها باداء اليمين الدستورية امام الامير الا انهم لم يؤدوا هذه اليمين امام مجلس الامة طبقا للمادة 80 من الدستور التي نصت على اعتبار الوزراء غير المنتخبين بمجلس الامة اعضاء في هذا المجلس بحكم وظائفهم، وبالتالي فانه ليس لهذه الوزارة صلاحية ممارسة دورها التشريعي او القيام بأي عمل يتصل بعلاقتها بمجلس الامة قبل اداء هذه اليمين، ومن ثم فان اجراء هذا الحل، والذي صدر بناء على طلب منها، يكون مشوبا بالبطلان، ويستوجب عدم الاعتداد به وترتيب اثاره بما يستتبع ذلك بطلان المرسوم رقم 258 لسنة 2012 بدعوة الناخبين لانتخاب اعضاء مجلس الامة الذي صدر ابتناء على اجراء هذا الحل الباطل.

وحيث ان هذا النعي في جملته - مردود، ذلك ان المادة 107 من الدستور تنص على ان «للأمير ان يحل مجلس الامة بمرسوم تبين فيه أسباب الحل، على انه لا يجوز حل المجلس لذات الاسباب مرة اخرى، واذا حل المجلس وجب اجراء الانتخابات للمجلس الجديد في معياد لا يتجاوز شهرين من تاريخ الحل، فان لم تجر الانتخابات خلال تلك المدة يسترد المجلس المنحل كامل سلطته الدستورية ويجتمع فورا كأن الحل لم يكن ويستمر في أعماله إلى أن ينتخب المجلس الجديد».

والمستفاد من هذا النص - حسبما أكدته هذه المحكمة في قضاء سابق- ان حل مجلس الامة هو حق دستوري مقرر للسلطة التنفيذية، ويعتبر احد السبل لاحكام المعادلة والتوازن بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، ومن المعلوم ان الامير يتولى سلطاته بواسطة وزرائه (م55)، وان المقصود بالحل هو انهاء مدة ا لمجلس انهاء مبتسرا قبل انتهاء الاجل المقرر له، سواء اثر خلاف بين الحكومة (الوزارة) وبين مجلس الامة، او اختل التناسب والانسجام بينهما، او اقتضت له ضرورة، وانه وان كان الدستور لم يقيد استعمال الحكومة لحق الحل بأي قيد زمني، فلها ان تتخير توقيته وتقدير مناسباته، الا ان الدستور احاط الحل - نظرا لخطورته - ببعض القيود والضمانات، فيجب ان يكون حل مجلس الامة بمرسوم تبين فيه اسباب الحل، وهو امر يتطلب معه ان يوقع مرسوم الحل مع الامير، رئيس مجلس الوزراء حتى يتحمل مسؤوليته السياسية عن هذا التصرف، وانه اذ حل المجلس فلا يجوز حله لذات الأسباب مرة اخرى، كما انه يجب اجراء انتخابات للمجلس الجديد في ميعاد لا يتجاوز شهرين من تاريخ الحل، اذ ما دام ان الغرض من الحل هو الاحتكام الى الامة واخذ رأي الناخبين فيه، فلا يصح ارجاء ذلك الى امد بعيد مع استمرار السلطة التنفيذية في التصرف بلا رقيب، وبالتالي وجب دعوة الناخبين الى اجراء انتخابات جديدة، والغاية من هذا الحكم هو تأكيد ضرورة اتصال الحياة النيابية.

ومتى كان ذلك، وكان الثابت من المرسوم رقم (241) لسنة 2012 بحل مجلس الامة بتاريخ 7/10/2012، انه قد وردت الاشارة بديباجته الى صدوره استنادا الى المادة 107 من الدستور، والى ان صدوره قد جاء نظرا لتعذر عقد جلسات مجلس الامة لعدم اكتمال النصاب القانوني اللازم لعقدها، كما جاءت الاشارة الى انه قد صدر بناء على عرض رئيس مجلس الوزراء، وبعد موافقة مجلس الوزراء، مذيلا هذا المرسوم بتوقيع امير البلاد ورئيس مجلس الوزراء، والواضح من هذا المرسوم ان اجراء حل هذا المجلس لم يكن اثر خلاف بين الحكومة (الوزارة) وبين مجلس الامة، او مستندا الى اسباب سابقة انقضى امرها بفوات اوانها وذهاب محلها، وانما جاء -حسبما هو ظاهر- لضرورة تقتضيه نظرا لتعذر انعقاد جلساته لعدم اكتمال النصاب القانوني.

والحاصل ان هذه المحكمة قد سبق لها ان قضت بتاريخ 20/6/2012 في الطعون رقم 5 و29 و6 و30 لسنة 2012 «طعون خاصة بانتخابات مجلس الامة عام 2012» (بابطال عملية الانتخاب برمتها التي اجريت بتاريخ 2 /2/2012، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها ان يستعيد المجلس المنحل (المنتخب في عام 2009) - بقوة الدستور - سلطته الدستورية كأن الحل لم يكن، ليكمل المدة المتبقية له اصلا - ما لم يطرأ من الامور خلال تلك المدة ما يقتضي معها اعمال الامير صلاحياته المقررة في هذا الشأن)، بيد ان معظم أعضاء هذا المجلس اصروا على عدم اكمال المدة المتبقية له امتثالا لحكم الدستور، بامتناعهم عن حضور جلسات المجلس حتى لا يكتمل النصاب القانوني لعقدها، وبالتالي فلا وجه للاعتراض على تصرف السلطة التنفيذية في استنادها الى نص المادة 107 من الدستور في حل هذا المجلس بناء على ذلك، إذ ليس من بين الدول الديموقراطية دولة تستطيع أن تظل اداتها التشريعية ومجلسها النيابي معطلا لا بسبب، إلا لاصرار اعضاء هذا المجلس على عدم حضور جلساته والعزوف عن القيام بمهامهم الدستورية. كما لا وجه - من بعد - للتحدي ببطلان هذا المرسوم بمقولة عدم اداء الوزراء اليمين الدستورية امام مجلس الامة - بما من شأنه أن يغل يد السلطة التنفيذية عن ممارسة الحق المقرر لها في الدستور باجراء هذا الحل - ليس إلا للتشبث بظاهر النصوص دون النظر إلى جوهرها ومبناها. ولا نكران في أن الوزراء في هذه الوزارة قد قاموا باداء اليمين الدستورية امام الامير قبل ممارسة صلاحياتهم كأعضاء في السلطة التنفيذية طبقا لما يقضي به الدستور في المادة (126) منه، واذ جاءت دعوة الناخبين لانتخاب اعضاء مجلس الامة بناء على هذا الحل، فإن النعي على المرسوم رقم (241) لسنة 2012، والمرسوم رقم (258) لسنة 2012 يكون على غير أساس سليم.

وحيث ان الطاعن ينعى بالوجه الثاني من طعنه على عملية الانتخاب انها اجريت في ظل المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 بتعديل القانون رقم (42) لسنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، والمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 بانشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وبتعديل بعض احكام القانون رقم (35) لسنة 1962 في شأن انتخابات اعضاء مجلس الامة، التي اصدرتهما السلطة التنفيذية بارادتها المنفردة في غيبة مجلس الامة بسبب حله، في حين أنه لا تنطبق على اصدار هذين المرسومين الشروط التي تطلبتها المادة (71) من الدستور، فضلا عن مخالفتهما لاحكامه، وانعكاس اثرهما بحكم اللزوم على شرعية الانتخاب.

وحيث ان ادارة الفتوى والتشريع قد ذهبت في دفاعها عن الحكومة إلى عدم اختصاص هذه المحكمة بنظر المنازعة في شأن المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012، والمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 المشار اليهما، باعتبار أن هذين المرسومين من التشريعات الاستثنائية، ومن الاعمال السياسية التي تنحسر عنها الرقابة القضائية، فضلا عن أن الامر في مدى قيام حالة الضرورة الملجئة لاصدار هذه التشريعات الاستثنائية، والموجبات التي تقتضيها يعتبر شرطا سياسيا متروكا اصلا لتقدير السلطة التشريعية وفقا لحكم المادة (71) من الدستور، التي ناطت بمجلس الامة وحده دون غيره سلطة اقرارها باستمرار العمل بها أو عدم اقرارها ليزول ما كان لها من قوة القانون.

وحيث ان ما ذهبت إليه ادارة الفتوى والتشريع في هذا الشأن يخالف صريح نصوص الدستور والقانون، لاسباب عدة:

أولها: أن الدستور الكويتي الصادر منذ اكثر من خمسين عاما جاء متضمنا النص صراحة في المادة (173) منه على تقرير الرقابة القضائية على دستورية التشريعات، كما أن هذا الدستور وقانون انشاء هذه المحكمة الصادر اعمالا له، قصرا سلطة الفصل في دستورية التشريعات عليها، وناط بها دون سواها ولاية الفصل فيها، صونا للدستور وحمايته، ومرجعها في مباشرة هذه الولاية إلى نصوصه واحكامه.

وثانيها: أن الرقابة القضائية التي تباشرها هذه المحكمة هي بطبيعتها لا تتناول إلا التحقق من مدى موافقة التشريع لاحكام الدستور، وهذه الرقابة تنبسط على التشريعات كافة، على اختلاف انواعها، ومراتبها، وايا كانت طبيعتها، سواء أكانت تشريعات صادرة عن السلطة التشريعية أي اصلية، ام تشريعات صادرة عن السلطة التنفيذية وان كانت استثنائية، ام تشريعات فرعية أي لوائح، كما تشمل أي قاعدة تنظيمية عامة تتسم بالعمومية والتجريد وواجبة الاتباع في صدد ما صدرت بشأنه. وبالتالي فلا يسوغ النظر إلى التشريع ايا كان موضوعه، أو نطاق تطبيقه، أو الجهة التي اقرته، أو اصدرته على أنه عمل سياسي، أو يغلب عليه الطابع السياسي، إذ ان من شأن هذا القول أن يفرغ رقابة الدستور من مضمونها، بل يهدم هذه الرقابة من اساسها.

وثالثها: أن نص المادة (الأولى) من قانون انشاء هذه المحكمة قد جاء صريحا جهيرا باختصاصها دون غيرها بالفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية المراسيم بقوانين، واما النص الصريح تنتفي الحاجة إلى التأويل والاستنتاج، فلا اجتهاد مع النص، وهو مما يقطع أن اختصاص هذه المحكمة بنظر المنازعات المتعلقة بهذه التشريعات الاستثنائية لا جدل ولا مماراة فيه.

ورابعها: أن مساهمة السلطة التنفيذية في العمل التشريعي لا تعد من الاعمال السياسية لانها تتعلق بما تباشره من عمل تشريعي على النحو المبين بالدستور، مقيدة في ذلك بالامتثال إلى نصوصه واحكامه وعدم الخروج عليها، وغني عن البيان أن الدستور وإن اعطى للسلطة التنفيذية - بشروط خاصة - حق اصدار مراسيم من طبيعة تشريعية طبقاً للمادة (71) منه، استثناء من اصل قيام السلطة التشريعية على مهمتها الاصلية في المجال التشريعي، بيد ان هذه السلطة الاستثنائية لا يمكن ممارستها الا في الحدود التي بينها نص هذه المادة، ومن بين هذه الشروط التي لا غنى عن وجوب الالتزام بها، ان تكون ممارستها لهذه السلطة الاستثنائية في ما بين ادوار انعقاد المجلس النيابي، او في فترة حله، وان تكون هذه المراسيم الصادرة عنها من التدابير التي توجب الاسراع في اتخاذها ولا تحتمل التأخير، والا تكون هذه المراسيم مخالفة للدستور، وهذه الشروط باعتبارها من القيود الاجرائية والموضوعية التي فرضها الدستور على ممارسة سلطتها الاستثنائية في هذا النطاق لا يجوز اسقاطها او تجاوزها تذرعاً بأنها اعمال سياسية، اذ لا تستعصي على الفحص والتدقيق من قبل هذه المحكمة لدى ممارسة ولايتها بالفصل في مدى دستورية هذه المراسيم، للاستيثاق من مدى الالتزام في اصدارها بالقيود التي نص عليها الدستور، وانه لما كان التشريع الاستثنائي هو تشريع موقت اذ يبقى رهيناً بارادة المشرع، لذا فقد اوجب نص المادة (71) عرض هذه المراسيم على مجلس الامة في اول اجتماع له، وللمجلس ان يبقيها فيقرها، او لا يقرها فيسقطها، ليزول ما لها من قوة القانون، ورقابة مجلس الامة على هذه المراسيم وان كان لها طابع قانوني، الا انها في حقيقتها رقابة سياسية، ليس من شأنها ان تحجب بأي حال عن هذه المحكمة اختصاصها ببسط رقابتها الدستورية على هذه المراسيم، ولا صحة في القول بأن اقرار المجلس لها من شأنه ان يحصنها من الطعن عليها بعدم الدستورية، وما يؤكد هذا النظر ويدعمه ان نص المادة (71) قد جاء صريحاً في اشتراط الا تكون هذه المراسيم مخالفة للدستور، ومن البدهي ان القول الفصل في مدى اتفاقها او تعارضها مع الدستور معقود اصلاً لهذه المحكمة - دون سواها - بما لها من اختصاص بالرقابة على دستورية التشريعات.

وبالترتيب على ذلك، فإنه ليس في شأن اصدار المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 والمرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 ان يكون بمنأى عن رقابة هذه المحكمة التي تخضع لها التشريعات كافة، ولا يعتبر اصدارهما من الأعمال السياسية على نحو ما ذهبت اليه ادارة الفتوى والتشريع، وبالتالي فإن الدفع المبدى منها بعدم اختصاص هذه المحكمة بهذا الشأن يكون - من ثم - غير قائم على أساس صحيح وواجب الاطراح.

وحيث ان الطاعن يستهدف بنعيه بالوجه الثاني من طعنه على عملية الانتخاب الدفع بعدم دستورية هذين المرسومين لمخالفاتهما نصوص المواد (6) و(50) و(51) و(52) و(71) و(79) من الدستور.

وحيث ان الاصل في القوانين والتشريعات بصفة عامة انها تصدر لحوائج الأمة، وخيرها ما كان منها معبراً تعبيراً صادقاً عن ارادتها واتجاهاتها، ملبياً لمتطلباتها، وان ادنى الوسائل تحقيقاً لذلك ان يعهد الى الهيئة التشريعية من نواب الامة وممثليها بسن هذه القوانين، منفردة او مشتركة مع السلطة التنفيذية، وعلى مثل هذه الاعتبارات وغيرها قام مبدأ فصل السلطات الذي جعل لكل سلطة من سلطات الأمة القيام بما عهد اليها من مهام واعمال، على انه استبان للمشتغلين بأمور الدساتير، انه قد يعرض للأمة من الظروف والاحداث ما يستوجب اجراء سريعاً، وتشريعاً عاجلاً لا يحتمل التأخير لصالح البلاد قد يسبب «عدم انقاذه» اضراراً بها، فان مثل هذه الظروف والاحداث اذا عرضت وجب ان تعطى حكمها، والا تحول الاصول العامة دون الاستجابة لداعي السرعة والخروج عن مألوف حدود الاختصاصات العادية، وذلك باسناد مهمة التشريع الى غير السلطة العادية، وقد كانت حجتهم في ذلك ان اتباع القوانين والحرص على التزام احكامها انما فرضاً تحقيقاً للمصالح العامة، فاذا بدا ما يؤذي تلك المصالح او يجلب ضرراً عاماً وجب ان ينزل سلطان القانون على حكم الضرورة والمصلحة العامة، فكان ان رأى بعضهم اثبات ذلك بنص خاص في الدستور يتناول حكم الضرورة واثرها بمقتضى القوانين العادية اذا ما دعا لذلك داعي الحاجة الملحة والمصلحة الملجئة، وعلى ذلك ما جرت عليه دساتير متعددة تخص هذا الأمر بالذكر، وان اختلفت صياغاتها وفي تفاصيلها واجراءاتها بحسب نظمها المتبعة، والبعض الآخر اثر الاحجام عن اثباته في الدستور تفادياً من سوء استعمال السلطة التنفيذية هذا الحق بالمغالاة فيه والالتجاء دائماً الى الاعتصام بالمصلحة العامة الملحة، على ان اولئك الذين لا تتضمن دساتيرهم نصاً صريحاً على الترخيص للسلطة التنفيذية بتولي مهمة التشريع كلما دعت الظروف العارضة والمصالح الملحة إلى ذلك لم يذهبوا الى حد منع السلطة التنفيذية من مباشرة هذه السلطة بل خولوا لها التصرف فيها تحت مسؤوليتها، حتى اذا واجهت الهيئة التشريعية بعملها، واستبان لهذه الهيئة ان هذه السلطة انما اتخذت ما اتخذته صيانة لمصلحة عامة او درءاً لخطر عام قررت عدم مسؤوليتها

رغم مخالفتها نصوص القانون، وبذلك فقد قبلت الدول الديموقراطية قاطبة بتولي السلطة التنفيذية التشريع في احوال الظروف العارضة والمصالح الملحة والاخطار المهددة، وعلة هذه الرخصة انما ترجع الى الطوارئ وهي بطبيعتها عارضة لا سلطان لاحد في تحديد وقت وقوعها، او تقتضيها الاحداث خلال غيبة المجلس النيابي بحيث يهيئ للامة في غيبة هذا المجلس اداة تتولى التشريع في الاحوال المستعجلة او الضرورية التي لا تتحمل الاناة والانتظار.

ولما كان ذلك، وكان النص في المادة 6 من الدستور الكويتي على ان «نظام الحكم في الكويت ديموقراطي، السيادة فيه للامة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين بهذا الدستور»، كما نص المادة 50 منه على انه «يكون نظام الحكم على اساس فصل السلطات مع تعاونها وفقا لاحكام الدستور، ولا يجوز لاي سلطة منها النزول عن كل او بعض اختصاصها المنصوص عليه في هذا الدستور»، ونصت المادة 51 على ان «السلطة التشريعية يتولاها الامير ومجلس الامة وفقا للدستور، ونصت المادة 52 على ان السلطة التنفيذية يتولاها الامير ومجلس الوزراء والوزراء على النحو المبين بالدستور»، كما نصت المادة 79 على انه لا يصدر قانون الا اذا اقره مجلس الامة وصدق عليه الامير»، واذ كان ذلك، وكان الاصل هو اختصاص السلطة التشريعية بسن القوانين، وان اعطاء السلطة التنفيذية سلطة التشريع في غيبة المجلس النيابي هو استثناء من حكم المادتين 50 و79 سالفتي الذكر، لذا فقد حرص الدستور الا يجعل هذه الرخصة الاستثنائية طليقة من غير قيد، وانما وضع لاستعمالها قيودا عديدة، وحدودا لا يجوز تجاوزها، فنص في المادة (71) منه على انه «اذا حدث في ما بين ادوار انعقاد مجلس الامة او في فترة حله، ما يوجب الاسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير، جاز للأمير ان يصدر في شأنها مراسيم تكون لها قوة القانون، على الا تكون مخالفة للدستور او للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية.

ويجب عرض هذه المراسيم على مجلس الامة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدورها، اذا كان المجلس قائما، وفي اول اجتماع له في حالة الحل او انتهاء الفصل التشريعي، فاذا لم تعرض زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون بغير حاجة الى اصدار قرار بذلك، اما اذا عرضت ولم يقرها المجلس زال بأثر رجعي ما كان لها من قوة القانون، الا اذا رأى المجلس اعتماد نفاذها في الفترة السابقة او تسوية ما ترتب من آثارها بوجه آخر»، والمستفاد من ذلك انه يجب توافر عدة شروط في كل مرسوم تصدره السلطة التنفيذية طبقا لهذه المادة:

الشرط الأول: ان يصدر في الفترة الواقعة بين ادوار انعقاد مجلس الامة او في خلال فترة حله.

والشرط الثاني: ان يكون من التدابير التي توجب الاسراع في اتخاذها ولاتحتمل التأخير، والشرط الثالث: الا يكون مخالفا للدستور او للتقديرات المالية الواردة في قانون الميزانية، اما عن الشرط الاول فهو خاص بالشكل الدستوري، اما الشرطان الاخيران فهما خاصان بموضوعه من الوجهة الدستورية، والبين من هذه المادة انه قد استهل نصها بعبارة «إذا حدث... ما يوجب الاسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير ولم يستخدم النص عبارة «في أحوال الضرورة...» على نحو ما نص عليه الدستور في المادة 69 منه في حالة اعلان الحكم العرفي، وانما استعملت العبارة الواردة بنص المادة 71 بما ينصرف معناها الى شمول الاحداث والظروف العارضة، وما تقتضيه المصالح الملحة والاخطار المهددة، بما فيها الاحداث المتفاقمة والمستمرة التي تأخذ حكمها، دون قصر فهم المعني علي لزوم ان يجد حادث جديد، كما ان المقصود بعبارة «الاسراع في اتخاذ تدابير لا تحتمل التأخير»، هو الاسراع في اتخاذ اجراءات تشريعية لا تحتمل بطئا او تسويفا، اما عن امور السرعة فلا شبهة في ان كل الامور التي تعرض بمراسيم انما يقدر فيها وجه السرعة بقدرها، وتوزن بميزانها، ويحكم في كل امر منها بمعيار وقته وظروفه ومحيطه، وما يتطلبه هذا الاجراء من اغراض، اما عن هذه الرخصة الاستثنائية فمنبتها الحاح المصالح والظروف دون غيرها، وانه من غير المقبول الا تمكن السلطة التنفيذية من استعمال هذه الرخصة- في غضون الفترة الواقعة بين ادوار انعقاد المجلس او خلال فترة الحل - وتكون مسلوبة من حق سد الذرائع ومداركة الضرورات، كما ان هذا المرسوم بمجرد صدوره يكون له قوة القانون، ولكنها موقته، ولأجل ان تصبح دائمة يحتتم عرض المرسوم على مجلس الامة خلال خمسة عشر يوما من تاريخ صدوره اذا كان المجلس قائما او في اول اجتماع له في حالة الحل، فاذا لم يعرض عليه سقط، ويؤكد ذلك ما جاء بهذا النص من وجوب عرضه في اول اجتماع للمجلس، واذا عرض ولم يقره فانه يسقط ايضا، اما في حالة اقراره فتستمر له قوة القانون، وتظل له قوة نفاذه.

فيضحى في حكم القانون القائم، ولا خشية من خطر في اصدار السلطة التنفيذية لمثل هذه المراسيم، لان سيطرة مجلس الامة عليها مضمونة في جميع الاحوال، والسوابق البرلمانية شاهدة على ذلك، كما ان الرقابة القضائية لهذه المحكمة قائمة ومؤكدة على هذه المراسيم لتثبت من مدى الالتزام في اصدارها بنصوص الدستور.

ومؤدى ذلك جميعه، انه من حق السلطة التنفيذية ان تصدر مراسيم لها قوة القانون شريطة ان تكون في الحدود المبينة بهذه المادة على النحو السالف ذكره.

ويحث انه في ما يتعلق بما اثاره الطاعن من طعنه بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 فقد اسسه في هذا الخصوص على سند من انه لا تنطبق على اصداره الشروط التي تطلبتها المادة (71) من الدستور، كما انه من وجهة اخرى اجرى هذا المرسوم تعديلاً على نص المادة (الثانية) من القانون رقم (42) لسنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، متضمناً العدول عن طريقة تعدد الاصوات للناخب الى الاخذ بقاعدة الصوت الواحد، ومنطوياً هذا التعديل على اخلال بقواعد العدالة وبمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص وبحق التعبير وحرية الرأي التي كفلها الدستور في المواد (7) و(8) و(29) و(36) منه، كما انه يجافي ما افترضه الدستور من ان عضو مجلس الامة لا يمثل الدائرة التي انتخبته وانما يمثل الأمة جمعاء بالمخالفة للمادة (108) التي تنص على ان «عضو المجلس يمثل الأمة بأسرها، ويرعى المصلحة العامة...».

وحيث ان البين من المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 الصادر بتاريخ 21/ 10/ 2012، انه تضمن النص في المادة (الأولى) منه على ان «يستبدل بنص المادة الثانية من القانون رقم (42) لسنة 2006 المشار اليه النص التالي «تنتخب كل دائرة عشرة اعضاء للمجلس، على ان يكون لكل ناخب حق الادلاء بصوته لمرشح واحد في الدائرة المقيد فيها، ويعتبر باطلاً التصويت لأكثر من هذا العدد»، كما انطوى نص المادة (الثانية) من ذات المرسوم على العمل به اعتباراً من انتخابات الفصل التشريعي الرابع عشر لمجلس الامة.

وقد تناولت المذكرة الايضاحية - مقتضيات هذا التعديل - متضمنة الاشارة الى انه قد صدر القانون رقم (42) لسنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة ونص في مادته (الثانية) على ان «تنتخب كل دائرة عشرة اعضاء للمجلس، على ان يكون لكل ناخب حق الادلاء بصوته لاربعة من المرشحين في الدائرة المقيد فيها، ويعتبر باطلاً التصويت لاكثر من هذا العدد»، الا انه قد اسفر تطبيق هذا النص - ومن خلال الممارسة الفعلية للانتخابات البرلمانية للفصول التشريعية التي اجريت فيها الانتخابات وفقاً له - عن وجود اوجه قصور في تلك المادة، وظهور سلبيات ونتائج كان من شأنها تهديد وحدة الوطن ونسيجه الاجتماعي، الأمر الذي استوجب معه اعادة النظر في هذه المادة لمعالجة هذه القصور، وهذه السلبيات، والحد من آثارها، والارتقاء بالممارسة البرلمانية لبلوغ الغايات الوطنية المنشودة، واهمها تحقيق المشاركة الفعالة لجميع ابناء الوطن في ادارة شؤون البلاد، والقضاء على نزعات التعصب الفئوي، ومظهر الاستقطاب الطائفي والقبلي التي تضعف مقومات الوحدة الوطنية وتؤدي الى فرقة المجتمع وتفتيته، وتخل بتمثيل البرلمان للامة تمثيلاً صحيحاً، وانه تحقيقاً للمصلحة الوطنية، فقد اجرى تعديل على نص هذه المادة بحيث يكون لكل ناخب حق الادلاء بصوته في الدائرة المقيد بها، لمرشح واحد فقط وان يعتبر باطلاً التصويت لاكثر من هذا العدد، وذلك بما يضمن التمثيل المتوازن لكافة شرائح المجتمع الكويتي وفئاته، ويحد من احتمالات الاحتكار الفئوي والقبلي في الدوائر الانتخابية، وانه تحقيقاً لذلك فقد اعد المرسوم بقانون المرافق ليصدر على وجه الاستعجال طبقاً لحكم المادة (71) من الدستور، وذلك حتى يمكن العمل به خلال الانتخابات العامة المقرر اجراؤها للفصل التشريعي الرابع عشر.

ولما كان ذلك، وكان الحاصل انه بتريخ 16 /8/ 2012 - وكان مجلس الأمة قائماً - طعنت الحكومة امام هذه المحكمة بعدم دستورية المادتين (الأولى) و(الثانية) من القانون رقم (42) لسنة 2006 باعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الامة، ثم قضت هذه المحكمة بتاريخ 25/ 9/ 2012، برفض الطعن، وجاء بمدونات هذا الحكم ان ما ساقته الحكومة من اسباب في طعنها لا يكشف بذاته عن عيب دستوري، وانه لا شأن لهذه المحكمة في بحث مدى ملاءمة هذه النصوص، ولا ما ظهر فيها من قصور ومثالب من جراء تطبيقها، ولا بالادعاء ان تلك النصوص لم تؤت اكلها وتحقق غايتها، فهذه الامور قد يستدعي معها النظر في تعديلها اذا كانت غير وافية بالمرام، وذلك بالادلة القانونية المقررة طبقاً للدستور، بيد أنها لا تصلح أن تكون سبباً للطعن عليها بعدم الدستورية لخروج ذلك عن مجال الرقابة القضائية لهذه المحكمة.

إلا أن الحكومة - وبعد صدور هذا الحكم - وإزاء إصرار معظم أعضاء مجلس الأمة على عدم حضور جلسات المجلس حتى لا يكتمل النصاب القانوني اللازم لعقدها، صدر المرسوم رقم (241) لسنة 2012 بتاريخ 7/10/2012 بحل مجلس الأمة لهذا السبب، فارتأت الحكومة - بعد أن أضحى مجلس الأمة معطلاً - أنه قد بات لزاماً عليها أن تسارع إلى وضع حد لهذه السلبيات والمظاهر وأوجه القصور في المادة (الثانية). بإجراء تشريعي يتحتم صدوره بمرسوم يكون له قوة القانون، لمعالجة هذه السلبيات وتلافي عيوب هذا النص - حسبما أوردته المذكرة الإيضاحية - مستندة في ذلك إلى المادة (71) من الدستور. ومتى كان ذلك، وكانت الاعتبارات والأهداف التي ذكرتها الحكومة في هذا الصدد يتعين أن تعطي حكمها، وتقدر بقدرها، وأن توزن بما يناسب شأنها، لاسيما وأنها تعلقت بتهديد وحدة الوطن ونسيجه الاجتماعي، وجاء هذا التعديل تحقيقاً للمصلحة الوطنية التي تعلو فوق كل اعتبار، وبالتالي فلا مأخذ عليها في هذا الأمر من الوجهة الدستورية. أما ما ذكره الطاعن في خصوص تعييبه على ما تضمنه هذا المرسوم، فهو مردود بما يلي:

أولاً: أن قاعدة الصوت الواحد للناخب هي قاعدة متبعة في العديد من الدول الديموقراطية، ومن شأنها أن تتيح للأقلية بأن يكون لها تمثيل في المجلس النيابي، خصوصا ان النيابة عن الأمة إنما تقوم على قواعد منطقية ترمي إلى تمثيل آراء الناخبين على تشعبها في المجلس النيابي بحيث لا تطغى الأغلبية ولا تتلاشى آراء الأقلية حتى يجيء المجلس النيابي مرآة صادقة للرأي العام، كما أن من شأن هذه القاعدة أيضاً أن تحقق تحرير المرشح من ضغط ناخبي دائرته وتأثيرهم عليه.

ثانياً: أن ما تضمنه هذا المرسوم من تعديل على نص المادة (الثانية) سالفة الذكر قد ساوى بين جميع المواطنين في حقوقهم الانتخابية، فضلاً عن أنه في ما يتعلق بأمور ضبط الإجراءات الانتخابية وما يتبعها من تحديد طريقة التصويت، فإن عدالتها نسبية، ولا سبيل إلى بلوغ الكمال فيها.

ثالثاً: أنه ليس من شأن رفض المحكمة لطعن الحكومة في مدى دستورية المادة (الثانية) من القانون رقم (42) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الأمة، من الوجهة الدستورية أن يمعن النظر في تعديلها إذا كانت غير وافية بالمرام، وذلك بالأداة القانونية المقررة في الدستور.

رابعاً: ان الأخذ بقاعدة الصوت الواحد للناخب والعدول عن نظام كان متبعاً من قبل بتعدد الأصوات للناخب، لا يترجم إلى حق لا يمس ولا يقبل التعديل، إذ لا قداسة ولا استقرار في شؤون تحديد طريقة التصويت عامة، وفي الشؤون الانتخابية خاصة.

خامساً: أما عن المادة (108) من الدستور التي تنص على أن عضو المجلس يمثل الأمة بأسرها، ويرعى المصلحة العامة، فإن الغرض من هذا النص هو تمكين العضو من التكلم والمناقشة وإبداء الرأي في الشؤون العامة، لا الاقتصار على ما يختص بدائرته الانتخابية، وألا يكون خاضعا في أدائه للدائرة التي انتخبته، وأنه لولا ذلك النص لوجب عليه أن يتقيد برأي ناخبيه وأن يقصر مهمته على مراعاة مصالحهم دون سواهم، وهذا النص لا يمكن أن يحتمل تفسيراً أكثر من هذا المفاد.

سادساً: لا وجه للقول في هذه الحالة بأن الأمر في تحديد الدوائر الانتخابية وطريقة التصويت في الانتخاب منوط بنواب الأمة بصفتهم التشريعية، وأنه لا يجوز للحكومة تعديله بما يوافق مصلحتها، إذ انه في المقابل للنواب مصلحة مفترضة أيضاً، لأن مصيرهم أن يرشحوا أنفسهم في الانتخابات في مستقبل الأيام، فكيف يراد من النائب أن يمعن النظر إلى مقترح في هذا الأمر بعين المشرع دون عين المرشح، والحاصل أيضاً أن هذا التعديل لا يمس حدود الدوائر الانتخابية، وإنما كان باستبدال نظام بنظام يتعلق بطريقة التصويت في الانتخاب بما يحقق للأغلبية والأقلية تمثيل في المجلس النيابي.

ومتى كان ما تقدم، فإن الطعن بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 بادعاء مخالفته نصوص الدستور، يكون - ومن ثم - حرياً القضاء برفضه.

وحيث إنه في ما يتعلق بما أثاره الطاعن من طعنه بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 بإنشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وبتعديل بعض أحكام القانون رقم (35) لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة، فقد أسسه في هذا الخصوص على سند من ان هذا المرسوم قد خالف الدستور، اذ لا تنطبق على اصداره الشروط التي تطلبتها المادة 71 منه.

وحيث ان الواضح من المرسوم بقانون رقم 21 لسنة 2012 المشار اليه انه جاء متضمنا في المادة (1) منه النص على انشاء لجنة تسمى (اللجنة الوطنية العليا للانتخابات) تتولى الاشراف على تنظيم الحملات الانتخابية بالتنسيق مع الجهات الحكومية وغير الحكومية المعنية بالانتخابات، وقد ابان هذا النص طريقة تشكيلها، وتناولت المادة 2 من ذات المرسوم تحديد اختصاصاتها بما يلي:

1- وضع خطة عامة للعملية الانتخابية بجميع مراحلها بالتنسيق مع الجهات المختصة.

2- التحقق من توافر الشروط القانونية في المرشحين واصدار القرارات اللازمة في هذا الشأن.

3- ترشيح رجال القضاء والنيابة العامة بصفة اصلية واحتياطية لرئاسة اللجان الانتخابية الفرعية والاصلية والرئيسية لادارة العملية الانتخابية.

4- الاعداد والتحضير لاجراءات الانتخابات ومتابعة تجهيز المقار الانتخابية للجان واصدار التعليمات المنظمة في شأنها.

5- الاشراف على سلامة تطبيق اجراءات الانتخابات ومتابعة التحقق من مطابقتها للقانون.

6- التحقق من التزام جميع اطراف العملية الانتخابية بمعايير النزاهة والشفافية والحيدة، وعلى الاخص ما يتعلق بعمليات الاقتراع والفرز واعلان النتائج، وذلك بالتنسيق مع رؤساء اللجان.

7- إبداء الرأي القانوني في ما يعرض على اللجان الانتخابية من مشكلات او معوقات تعترض سير العملية الانتخابية وايجاد الحلول المناسبة لها.

8- تلقي البلاغات والشكاوى من الناخبين والمرشحين وغيرهم في ما يخص العملية الانتخابية وفحصها وازالة اسبابها، وابلاغ النيابة العامة بالتجاوزات التي تشكل جرائم انتخابية.

9- وضع القواعد المنظمة لمشاركة منظمات المجتمع المدني الكويتية والدولية المعنية بنزاهة وشفافية الانتخابات، واتخاذ القرارات بشأنها.

10- متابعة نتائج فرز صناديق الانتخابات اولا بأول بالتنسيق مع رؤساء اللجان الانتخابية الفرعية والاصلية والرئيسية.

11- نشر النتيجة النهائية للانتخابات من واقع النتائج المعلنة من رؤساء اللجان الرئيسية، وعلى ان تقوم اللجان باعداد تقير نهائي عن سير العمل الانتخابية متضمنا الاقتراحات المناسبة لتطويرها، وتقدم نسخة منه الى كل من وزير العدل ورئيس المجلس الاعلى للقضاء، كما اجازت المادة 3 للجنة تشكيل لجان فرعية لمعاونتها في اداء بعض مهامها، واجازت المادة 4 لاعضاء اللجنة الحضور في جمعية الانتخاب بجميع اللجان الانتخابية لمتابع سير العملية الانتخابية وعلى رؤساء اللجان واعضائها تلقي تعليماتهم من هذه اللجنة وتنفيذ قراراتها والتزام اجهزة الدولة بمعاونة اللجنة في مباشرة اختصاصاتها وتنفيذ قراراتها وتزويدها بما تطلبه من بيانات ومستندات، وناطت المادة الخامسة باللجنة اعداد لائحة داخلية لتنظيم اعمالها وان تكون للجنة موازنة مالية تدرج ضمن ميزانية وزارة العدل.ونصت المادة 6 من ذات المرسوم على تعديل بعض نصوص القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات اعضاء مجلس الامة، حيث تناول هذا التعديل المادة 20 منه بحيث تقدم طلبات الترشيح للانتخابات الى الجهة التي حددها وزير الداخلية بقرار منه بدلا من تقديمها لمخفر الشرطة وذلك تيسيرا للاجراءات، ونص المادة 21 من ذات القانون على رفع قيمة التأمين الذي يسدده المرشح الي مبلغ خمسمئة دينار بدلا من خمسين دينارا، كما تناول التعديل المادة 25 لتختص اللجنة الوطنية العليا للانتخابات باعلان نتيجة الفائز بالتزكية في احدى الدوائر بدلا من وزوير الداخلية ونصت الفقرة الثالثة من المادة 35 على توحيد ميعاد بدء فرز الاصوات في جميع اللجان بحيث يتم بعد اعلان ختام عملية الانتخاب في الدائرة بكاملها، ونص المادة 36 على تمكين جميع الحاضرين في لجنة الانتخاب من رؤية اوراق الانتخاب عند الفرز وعرض نسخة من جدول نتائج الفرز لتمكين جميع الحاضرين من الاطلاع عليه، وعلى ذات النهج نص الفقرة الثانية من المادة 36 مكررا، كما تناول التعديل ايضا في نص المادة 39 على ان تعد اللجنة الرئيسية صورتين لأصل محضر نتيجة الانتخاب بدلا من صورة واحدة في وذلك لتسليم الصورة الاولى الى الامانة العامة لمجلس الامة مع صناديق الانتخاب، بينما تسلم الصورة الثانية الى اللجنة الوطنية العليا للانتخابات حتى يتنسى لها نشر النتيجة العامة للانتخابات في جميع الدوائر، واجاز النص لرئيس اللجنة الرئيسية بالتنسيق مع اللجنة العليا للانتخابات تعديل اعلان اسماء الاعضاء الفائزين او ترتيب اسمائهم خلال 72 ساعة من اعلان النتيجة اذا كان هذا التعديل مرده الى اخطاء مادية او حسابية في عملية جمع الاصوات مع اتاحة الفرصة للمرشحين او من ينوب عنهم من وكلائهم او مندوبيهم لحضور الاجتماع الذي يخصص لهذا الغرض، وقد تضمنت المذكرة الايضاحية لهذا المرسوم مقتضيات اصداره بالاشارة الى ان «مصلحة الدولة العليا تستوجب في هذه الفترة الدقيقة التي تمر بها البلاد، الاسراع في اصدار تشريع يلبي الحاجة الملحة لإنشاء كيان وطني موحد ومستقل... يتولى الاعداد والاشراف على العمليات الانتخابية بجميع مراحلها وتنظيم الحملات الانتخابية، على نحو يحقق مقاصد المجتمع وأهدافه وما يقتضيه ذلك من ضرورة تعديل بعض أحكام قانون انتخابات مجلس الأمة تحقيقا لذات الأهداف...».

وحيث ان الدستور رسم للتشريع الاستثنائي - وعلي ما سلف بيانه - حدودا ضيقة تفرضها طبيعته، وأنه وإن جاز للسلطة التنفيذية - استثناء من الاصل - اصدار مراسيم تكون لها قوة القانون وفق المادة (71)، الا ان مناط استعمال هذه الرخصة الاستثنائية اما ان تقتضيها ضرورة ملحة او كان توقيا لخطر تُقدر ضرورة رده، باعتبار ان هذه الرخصة انما شرعت لهذه الاغراض، وليس لاتخاذها وسيلة لتكون السلطة التنفيذية سلطة تشريعية على غير ما تقتضيه المادة (52) من الدستور، وانه متى كان ذلك، وكان الواضح من المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 سالف الذكر، انه ليس في المسائل التي تناولها بالتنظيم سواء في ما يخص بإنشاء هذه اللجنة، او ما يتعلق بإدخال بعض التعديلات على قانون انتخاب اعضاء مجلس الامة بمناسبة انشاء هذه اللجنة، ما يوجب الاسراع في اتخاذ اجراء تشريعي عاجل ولا يتحمل الاناة والانتظار، وانه لا يمكن للحكومة الادعاء بخلاف ذلك، لأن الواقع لا يساعدها على هذا الادعاء، كما انه لا يمكن تصور ان (مصلحة الدولة العليا) هي التي دعت الى اصداره على نحو ما جاء بالمذكرة الايضاحية لهذا المرسوم، اذ ان المصلحة العليا للبلاد أعظم شأنا وأعلى قدرا من ان تختزل في محض انشاء لجنة تحقيقا للمزيد من النزاهة والشفافية في الانتخابات، او في إدخال بعض التعديلات على أحكام القانون رقم (35) لسنة 1962 بسبب انشاء هذا الكيان، وبأن تقدم طلبات الترشيح للانتخابات الى الجهة التي يحددها وزير الداخلية بقرار منه بدلا من تقديمها لمخفر الشرطة، او برفع مقدار التأمين الذي يؤديه المرشح من خمسين دينارا الى خمسمئة دينار، او غير ذلك مما اشتمله هذا المرسوم من تعديلات في اجراء عملية الانتخاب بدءا من مرحلة الترشيح وانتهاء بإعلان النتائج فيها، والحاصل ان هذا المرسوم إنما يمثل - في حقيقة الأمر - خروجا سافرا على نص المادة (71) وعلى الاغراض التي وضعت من أجلها هذه المادة، وانه إعلاء لكلمة الدستور والمحافظة على نصوصه وكيانه ونزولا على أحكامه، فقد حق القضاء بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 سالف الذكر، ودون ان يغير من ذلك ان يكون مجلس الامة قد أقره، ذلك ان إقرار المجلس لهذا المرسوم لا يسبغ عليه المشروعية الدستورية ولا يطهره من العوار الذي لحق به على نحو ما كشفت عنه هذه المحكمة آنفا من الوجهة الدستورية، وإذ كان قضاء هذه المحكمة بعدم دستورية هذا المرسوم، اعتباره كأن لم يكن إعمالا للأثر المترتب على ذلك طبقا للمادة (173) من الدستور، وأن مقتضى قضائها في هذا الشأن هو زواله منذ نشأته وتجريده من قوة نفاذه وإزالة الآثار القانونية التي ترتبت عليه، وكانت عملية الانتخاب التي تمت في الاول من ديسمبر عام 2012، وأجريت طبقا للاجراءات المقررة بموجب هذا المرسوم - بدءا من اجراءات الترشيح وانتهاء بإعلان النتائج فيها - قد شابها البطلان لعدم دستورية المرسوم بقانون التي أجريت على أساسه، وان ارادة الناخبين في هذه الحالة تكون قد وردت على غير محل، فإنه يغدو حريا القضاء بإبطال عملية الانتخاب برمتها في الدوائر الخمس، وبعدم صحة عضوية من أعلن فوزهم فيها، مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها إعادة الانتخاب مجددا، وكأن المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 - بما اشتمله من انشاء هذه اللجنة، وما أجراه من تعديل لنصوص المواد (20) و(21) و(25) و(35 فقرة ثالثة) و(36) و(36 فقرة ثانية) و(39 الفقرتان 3 و4) من قانون انتخاب أعضاء مجلس الامة لم يكن بما من شأنه إبقاء هذه النصوص على حالها، وكأن إدخال هذه التعديلات عليها لم يكن حتى يتخذ مجلس الامة - صاحب الاختصاص الاصيل - ما يشاء بشأنها، وغني عن البيان ان أحكام هذه المحكمة ملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة طبقا للمادة (الأولى) من قانون إنشائها رقم (14) لسنة 1973، وتكون نافذة من تاريخ صدورها مع مراعاة الفقرة الثانية من المادة (107) من الدستور.

ومن نافلة القول ان القوانين التي صدرت - خلال فترة المجلس الذي قضي بإبطاله - تظل سارية ونافذة الى ان يتم إلغاؤها، او يُقضى بعدم دستوريتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولاً: بقبول الطعن شكلاً.

ثانياً: برفض الطعن بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم (20) لسنة 2012 بتعديل القانون رقم (42) لسنة 2006 بإعادة تحديد الدوائر الانتخابية لعضوية مجلس الأمة.

ثالثاً: بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم (21) لسنة 2012 بإنشاء اللجنة الوطنية العليا للانتخابات وبتعديل بعض أحكام القانون رقم (35) لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة.

رابعاً: وفي موضوع الطعن بإبطال عملية الانتخاب التي تمت في 1/12/2012 برمتها في الدوائر الخمس، وبعدم صحة عضوية من أعلن فوزهم فيها، مع ما يترتب على ذلك من آثار، أخصها إعادة الانتخاب مجددا كأن هذا المرسوم بقانون لم يكن، وذلك على النحو الموضح بالأسباب.