أمير البلاد: لن اسمح بالمساس بالدستور والتعدي عليه

تفضل حضرة صاحب السمو امير البلاد الشيخ صباح الاحمد اليوم بافتتاح دور الانعقاد العادي الاول من الفصل التشريعي ال14 لمجلس الامة.
واستهل سموه الجلسة بالنطق السامي ايذانا ببدء دور الانعقاد الجديد.

وفيما يلي نص النطق السامي:
"بسم الله الرحمن الرحيم "ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وانت خير الفاتحين" صدق الله العظيم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الانبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته الاخ الرئيس الموقر...
الاخوات والاخوة الاعضاء المحترمين...
فبعد ان قال الشعب كلمته يطيب لي ونحن نحتفل بافتتاح دور الانعقاد العادي للفصل التشريعي الرابع عشر ان اهنئكم على ثقة اهل الكويت الغالية بكم سائلا المولى تعالى ان يوفقكم في حمل امانة المسؤولية العظيمة وتحقيق الامال العريضة المعقودة عليكم في خدمة وطننا العزيز ورفعته وازدهاره فأنتم خلاصة تجربة جديدة لنظام انتخابي جديد وانتم من اختارهم المواطنون بوحي من ارادتهم الحرة في مناخ ديمقراطي عامر بالحرية والنزاهة بشهادة الجميع مستهدفين مصلحة وطنهم الكويت.
الاخ الرئيس...
الاخوة المحترمين...
لعل من الجدير ان نتفهم قلق اهل الكويت ومخاوفهم ازاء ما شهدته الساحة المحلية مؤخرا من مظاهر الفوضى وتجاوز القانون والانحراف في الخطاب السياسي التي لم نألفها من قبل وهي غريبة وطارئة على مباديء مجتمعنا الكويتي واعرافه الراسخة وما عرف به من قيم الاحترام المتبادل والاعتدال والتسامح وقبول الرأي والرأي الاخر.
ولاشك بأن ايماننا راسخ بحرية التعبير عن الرأي ويتسع الصدر لكل رأي مخالف أو نقد ايجابي يستهدف الاصلاح على ان يكون في اطار القواعد والشروط التي يحددها القانون وهي قواعد تنظيمية لا تنفرد دولة الكويت بها بل تعمل بموجبها كل الدول الديمقراطية الحرة تجنبا للفوضى والمساس بالامن والاستقرار.
واذا كنا جميعا نستنكر تلك الممارسات وما شابها من اعمال تجاوزت القانون والاعراف والقيم المعهودة اقلقت راحة المواطنين الآمنين في مساكنهم وادت الى اشاعة الفوضى واستخدام لغة الاقصاء والتخوين بين ابناء الوطن الواحد فلا يفوتنا ان نوجه تحية اكبار وتقدير لاخواننا وابنائنا رجال الامن بما تحلوا به من صبر وحكمة وسعة صدر في استيعاب هذه الاحداث والحد من آثارها ومضاعفاتها.
وازاء هذه الممارسات السلبية الغريبة فان ثمة تساؤل يفرض نفسه ماذا تركنا لابنائنا واحفادنا من قيم ومباديء واعراف غرسها الآباء والاجداد في وجدان هذا الوطن الكريم.. لماذا نفتح الباب واسعا ونترك المجال متاحا لكل يد خبيثة تضمر سوءا وشرا بأمن وطننا ومقدراته .. وهل يعقل او يقبل ان يختزل احد دون غيره صواب الرأي ويتعين على الباقين الخضوع والمسايرة أو لا يجدر بنا جميعا اتباع القانون والالتزام بالقنوات والاجراءات القانونية التي نظمها القانون.
ان هذه الممارسات لا تصون وطنا ولا تعزز أمنا واستقرارا ولا تجعل من الباطل حقا بل هي بالتأكيد دعوة لهدر مكتسباتنا الوطنية وانتكاسة حضارية لا تعكس ايمانا حقيقيا بالديمقراطية ولا بدولة القانون والمؤسسات وعلى كل حال فهي صفحة نحن قادرون بعون الله على طيها وتجاوز آثارها والانطلاق نحو مرحلة من العمل الايجابي المثمر الذي يحقق لاهل الكويت آمالهم وتطلعاتهم.
لاشك بأن التطور والتغيير سنة الحياة وان المجتمع الواعي اختار لنفسه النظام الامثل الذي يحقق آماله وتطلعاته وينسجم مع ثوابته وامكاناته ومعطياته على قاعدة راسخة من التوافق والحوار الايجابي البناء لا تخدش ثوابته ولا تمس بأمنه واستقراره ولا تضعف تماسكه ووحدته.
ان علينا ايها الاخوة أن نتوقف لاعادة النظر في أوضاعنا قبل أن تضل الرؤية وتختلط المفاهيم وترتبك أسس الحق والباطل ومعايير الخير والشر.
علينا أن ندرك مؤيدى القسم العظيم ومستوجباته وترجمته عملا وقولا علينا أن نجسد الاحترام والتقدير لمرجعياتنا ولقضائنا النزيه وأحكامه العادلة علينا أن نرسم الحدود الفاصلة بين الحرية المسؤولة وبين الفوضى المهلكة وأن نلتزم بالأطر والقنوات الدستورية والقانونية في جميع ممارساتنا دون انتقاء اأو اجتزاء.
علينا ان نحسن الاستفادة مما أنعم الله علينا من أفضال وميزة لا أن تكون نقمة علينا نحسن استثمار حريتنا وديمقراطيتنا لا أن تنحرف مفاهيمها وتعود وبالا على وطننا.
علينا أن نتعلم كيف نختلف دون أن يتحول الخلاف الى خصام وعداء وصراع فالحقيقة أن الاختلاف في الرأي نعمة ودلالة صحة وحيوية وتفاعل محمود بين ابناء اي مجتمع حر لا ينبغي أن نتوجس منه خيفة أو قلقا فجميع الكويتيين بفضل الله مخلصون في حب وطنهم مجتهدون في خدمته متفانون في التضحية من أجله متمسكون بثوابته ومكتسباته حريصون على صيانة كرامته فكرامة الكويت مصانة محفوظة بعون الله وهي من كرامتنا جميعا عاصية على كل من ينوي المساس بها أو النيل منها.
الأخ الرئيس...
الاخوة الاعضاء المحترمين...
نؤكد مجددا ايماننا الصادق بالنهج الديمقراطي والتزامنا بالدستور راسخ وقد أكدت بأنني من يحمي الدستور ولن أسمح بالمساس به أو التعدي عليه ايمانا بأنه يمثل الضمانة الاساسية بعد الله لأمن الوطن واستقراره كما أوضحت مرارا بأن جميع الكويتيين أبنائي مهما تباينت الاجتهادات والآراء ولا أكن لهم سوى الود والمحبة والتقدير وأنني على مسافة واحدة من كل واحد منهم مؤكدا ثقتي الكاملة في أن الجميع في النهاية حريص على مصلحة الكويت فليس بين أهل الكويت غالب او مغلوب اذا انتصرت الكويت وعلت رايتها وتحقق عزها هذه هي قيم اهل الكويت تربطهم اواصر الالفة والرحمة وروح الاسرة الواحدة رائدهم دائما مصلحة الوطن ورفعته.
الاخ الرئيس...
الاخوات والاخوة الاعضاء المحترمين...
كلنا يعلم خطورة اوضاع منطقتنا والواقع المضطرب الذي يشهده العديد من دول المنطقة وما يستوجبه من اتخاذ الحيطه والحذر وحسن الاستعداد لتجنب آثارها وشررها علينا.
أمامنا مهام صعبة وتحديات مصيرية هي بناء كويت المستقبل كويت الديمقراطية كويت الحرية والعدل والمساواة كويت الرفاه والرخاء كويت الامن والاستقرار كويت الرفعة والعزة والكرامة.
ولا سبيل لتحقيق كل ذلك الا بتضافر كل الجهود والطاقات الوطنية وتعاوننا جميعا مؤسسات وافرادا في عمل جاد مخلص من اجل أمنا الكويت لدفع مسيرة العمل كمشروع وطني متكامل يحقق الغايات المنشودة.
ان نجاحكم مجلسا وحكومة اصبح قدرا لابد منه وفي هذا الصدد أجد من المناسب توجيه بعض الرسائل والنصائح في مواجهة متطلبات المرحلة المقبلة.
ورسالتي الأولى هي للحكومة.. إن أولى خطوات الاصلاح تبدأ بالاعتراف بالخلل وحسن تشخيصه وتحديد أسبابه ليتسنى إصلاح الخلل ومعالجته على نحو سليم وعلى الحكومة مسؤولية التخطيط الواقعي السليم واعداد برنامج عمل واضح المعالم قابل للتنفيذ فلا تتجاوز الطموحات الامكانات يراعي الاولويات يضع الأهم قبل المهم ويستهدف بناء الانسان قبل المكان يتلمس هموم المواطنين ومشاكلهم ويرتقي بالخدمات العامة ويجسد الالتزام الجاد بتطبيق القانون بلا تهاون ويحارب آفات الفساد والواسطة تلتزم فيه خطوات التنفيذ بجدول زمني محدد المواعيد مشمولا بأدوات متابعة التقويم وآليات الثواب والعقاب الكفيلة بانضباط العمل وتحقيق الانجاز المطلوب.
ورسالتي الثانية لمجلس الامة.. فعليه تقع مسئولية اصلاح المؤسسة التشريعية وتعزيز دورها الايجابي الحيوي في دفع مسيرة الانجاز الوطني وتصويب ممارسة العمل البرلماني وتنقيته من الشوائب التي تعيق أداء دوره الحيوي في التشريع الايجابي والرقابة الموضوعية الجادة والنأي به عن النزعات الطائفية والقبلية والفئوية والمصالح الضيقة وضمان الارتقاء بلغة الحوار وتجاوز الجدل العقيم الذي يبدد الجهد والوقت والطاقات والعمل على احترام الحدود الفاصلة بين السلطات وتفعيل التعاون الحتمي البناء مع الحكومة لازالة كل اسباب الاحتقانات التي تعرقل تكامل الجهود وانسجامها وتدفع عجلة الانجاز.
اما رسالتي الثالثة فهي لمؤسساتنا الاعلامية بكافة وسائلها وادواتها فعليها دور وطني مهم في تعزيز اللحمة الوطنية ونبذ كل ما من شأنه بث الفتنة والفرقة بين صفوف المجتمع وان تحرص على ان تكون ادوات للبناء والتنمية وداعمة للتقارب والتلاحم ولكل رأي مستنير يخدم المصلحة العامة حريصه على التمسك بثوابتنا الوطنية وقيمنا الاصيلة ملتزمة بالقانون وبمقتضيات الحرية المسئولة والمصلحة الوطنية في اداء رسالتها السامية.
وكلمة اخيرة لأبنائي الشباب فعليكم ان تكونوا أشد وعيا ونضجا وبصيرة في تكوين قناعاتكم ومواقفكم واختيار الطريق الذي يحقق مصلحتكم وخير وطنكم وأهلكم وأن تدركوا ان كل مسألة يتسع فيها الامر لأكثر من رأي واجتهاد وان حق التعبير وحق الاختلاف ادوات اساسية في اي نظام ديمقراطي وان القوانين والانظمة تسمح بمساحة واسعة واساليب متعددة للتعبير بكل حرية واطمئنان دون مخالفة القانون او الاساءة للغير او المساس بثوابتنا وقيمنا التي نحرص جميعا على احترامها واعلموا يا أبنائي الاحباء بأن الحماسة وقود يعزز الارادة ولكن اذا غاب عنها الوعي والحكمة وحسن التقدير تحيد عن مبتغاها وتفقد جدواها.
إنكم الطاقة المحركة لتنمية أي مجتمع وارتقائه وأنتم أساس أمنه واستقراره وانتم الثروة الباقية وأنتم نصف الحاضر وكل المستقبل.

 

×