د. الخطيب ردا على منتقديه: أنا مع المقاطعة لأقول للعالم بأننا جياع كرامة لا جياع مال

لا شك في أننا نعيش حالة حراك شعبي واسع افتقدناه زمنا طويلا، حراك انغمست فيه شرائح المجتمع كلها وهذا برأيي يبشر - ان شاء الله - بمستقبل زاهر لهذا البلد الطيب مع أنه حراك بحاجة إلى التهذيب في لغة الحوار، والترفع عن الإسفاف وسوء الظن الآثم.

ان الخلافات وكثرة الاحتمالات تساعد على بلورة الرأي الصائب بعكس القوالب الجامدة أو المحكومة بنظريات يعتبرها أصحابها مقدسة غير قابلة للتغيير، لأن ذلك يولد قطيعا بشريا لا عقل ولا إرادة له.

أنا لدي رأي واضح في أمور بلدي ذكرته مراراً ومارسته بعناد مستمر رغم ما تعرضت له من أذى لانني كنت مقتنعا به ولا أزال ولم أحد عنه شعرة واحدة.

ولكنني لا أدعي العصمة ولا الحصانة من الخطأ، فالكمال لله وحده.

قناعتي الأولى هي أن صيغة التعامل التي وضعها الأجداد لإدارة الدولة والتي جعلت الكويت تحتل المركز المتقدم الذي وصلت اليه، والتي وضعت بصيغة قانونية في دستور عام 1962 يجب المحافظة عليها والتمسك بها حتى في ظل وجود اختلافات مهمة في المجتمع، لأن التفريط في هذا العقد الذي تم بين الصباح وأهل الكويت الممثلين في المجلس التأسيسي سوف يؤدي إلى الاطاحة بالكويت شعبا وحكاماً ووطنا، وأي عاقل يدرس المحاولات الجادة في التخلص من النموذج الكويتي كثيرة بدأت بمحاولة الأصدقاء الأعداء في منع قبول عضويتها في جامعة الدول العربية - وهذا مع الأسف الشديد يجهله أغلبية الكويتيين حتى من المؤرخين، وما عليكم سوى مراجعة الوثائق الرسمية للحكومة الأميركية... وهنا محاولات أخرى غير هذه معروفة قام بها كل من عبدالكريم قاسم وصدام حسين.

والسؤال هل انتهت هذه المحاولات؟

ساذج من يعتقد ذلك، وأنا لا أرى مصلحة عامة في التوسع.

ولكن في كل هذه المحاولات وغيرها، كان تلاحم الكويتيين رغم كل خلافاتهم الدرع الحصين الذي حمى البلد. ونحن الآن بأمس الحاجة إليه في هذه المرحلة الخطرة التي تعيشها المنطقة برمتها.

هذا الوضع المميز بدأ يهتز بعد وفاة الشيخ عبدالله السالم عندما اتضح بأن بعد نظره هذا لم يكن مقبولا من قبل المتنفذين في العائلة، وعبروا عنه بكل وضوح بأغنيتهم المشهورة بعد وفاته مباشرة «راح عهد المزاح لما جانا صباح».

فتم انتهاج سياسة معادية للتيار الوطني الاصلاحي بكل فئاته، وتم التحالف مع القوى المتخلفة وعبدة المال والاحزاب الدينية المعادية للدستور. فأصبح هناك تلاق استراتيجي معاد للدستور.

وكما تم تسليم التعليم برمته للقوى الدينية لينتهي التعليم الوطني والولاء الوطني، تم تسليمها أيضا وسائل الاعلام والمساجد والبنوك والمؤسسات المالية -لأهمية المال للعمل السياسي كما هو واضح الآن. وبهذا عمت سياسية فرق تسد بتخطيط مسبق ومتعمد، وها نحن الآن نعيشه ونتعرض لكل مخاطره المدمرة.

لم تعد للدستور قيمة، ولا القوانين محترمة، ولا رادع لسرّاق المال العام، ولا أعتقد أن هناك اثنين يختلفان حول تقييم الاوضاع التي نعيشها، ومع ذلك كنا نخوض الانتخابات رغم معرفتنا بأن الحكم أصبح مشيخة لا قيمة فيه لمجلس الأمة ولاحتى لمجلس الوزراء.

كنا نخوضها لنستفيد من هامش الحرية المتوفر والاستفادة من التواجد في المجالس لبث الوعي، والالتصاق بالشعب وأحيانا للمساهمة في خلق وعي شعبي لتحقيق انجازات تاريخية لا بأس بها بالنسبة لثروتنا النفطية، أو تحسين أوضاع الشعب.

كان الفساد أقوى منا - خصوصا - بعد ان تم تحجيم القوى الوطنية في الوطن العربي كله فالتحالف الحكومي مع القوات الدينية كان هو المشروع الاميركي الذي طبق في كثير من الدول العربية أيام الحرب الباردة لمحاربة المعسكر الاشتراكي

نعم كانت هناك معارك شعبية فزنا بها مثل "نبيها خمسة" إلا أننا كنا ندرك بأنها لن تحل المشكلة، إنما قد تخفف اللعب في العملية الانتخابية بمعنى تصعب فيه عملية نقل الأصوات وشرائها فقط لا غير، لكنها ليست قضاء تاماً على التزوير الحاصل.

والتعديل أيضا هو رفض لقرار المحكمة الدستورية الواضح أي إلغاء للسلطة القضائية وهو تعليق للدستور.

كذلك فإن الإصلاح لم يتم في خروج رئيس الوزراء وقلنا ذلك في وقته عندما قلنا "ساذج من يعتقد ذلك فالفساد بدأ منذ عقود عدة قبل مجيئه".

ومن السذاجة المفرطة لا بل الخطورة أن يعتقد البعض ان العلة في الدستور، وكان الدستور العلة في تحقيق ما يطالبون به من إصلاح للسلطة التنفيذية (الحكومة).

ويعتقد السذج أن الحكومة جادة في محاربتها للأحزاب الدينية. فالتحالف قائم، وسيطرتهم على التعليم والاعلام والأموال لاتزال قائمة، ومقارهم الحزبية منتشرة في كل المناطق في الوقت الذي لا يزال المقر الوحيد للقوى الوطنية الاصلاحية - نادي الاستقلال - مغلقاً لانه ارتكب جريمة الدفاع عن الدستور بنظر السلطة!

إذاً لماذا أدعو للمقاطعة الآن؟ أليس هذا تناقضاً في الموقف؟

قد يكون هذا صحيحا لو أن هذه الانتخابات كانت عادية، فمن يقول ذلك لم يطلع على سبب الاهتمام العالمي بها، ولم يلاحظ أن الأحداث في الكويت أصبحت تتصدر وسائل الاعلام العالمية الرئيسية، وباتت تحظى بتغطية إعلامية لم تعرفها الكويت من قبل، فالعالم يريد أن يعرف هل الكويتيون أصبحوا من النضوج في فهم أسباب تخلفهم أم لا؟!!!

ما هي نسبة الوعي عند الكويتيين؟ هل هناك نسبة كبيرة تدرك بأن الوضع الموجود غير دستوري وغير قانوني ومرفوض من الشعب أما ان الشعب راض على الأوضاع السائدة؟ أي هل هناك جوع للكرامة كما هو موجود في المنطقة أم أن الثراء المادي هو ما يهمه فقط؟

أنا اعتقد بأن حصر الموضوع في العملية الانتخابية تستطيح لأهمية هذه الانتخابات، فلا تغيير الدوائر أو الأصوات سيغير أي شيء، إذ ستبقى تركيبة المجلس تمثله للوضع السيء الذي نعيشه، وهذا ما قلته مراراً وأكرره الآن.

الرأي العام العالمي مهم جداً بالنسبة للكويت خصوصاً لأننا أدركنا أهميته جيداً في مساعدتنا على القضاء على المجلس الوطني، ونريده أن يكون لنا عونا في مسعانا الاصلاحي للكويت.

بقي السؤال الذي حيرني.. وهو قول البعض لماذا يظهر الخطيب في صورة مع رموز التيار الديني الذي طالما حذر من خطره على الكويت؟
أتعجب من قائل هذا الكلام الظالم!

ألم تلاحظوا بأنني لم أشترك في كل نشاط عام أتواجد فيه؟

ألم تلاحظوا أن المرة الوحيدة التي شاركت فيها كانت أمام مجلس الوزراء وكنت وحدي مع الحراك الشبابي بناء على اشتراطي؟

صورة واحدة تنفي كل هذا يا ظالمين؟ ألم تسألوا أنفسكم أين كانت الصورة؟.

ألا يؤنبكم ضميركم على الانتقادات أو العتاب دون السؤال على الأقل، أو تريدون مني أن أتنكر لأفضل عاداتنا العربية في إكرام الضيف ثلاثة أيام على الأقل حتى لو كان قاتلاً لقريب وهم قد أتوا طواعية لديواني في الطليعة بالرغم من أي هدف آخر قد يقوله البعض؟

وماذا قلت لهم؟ لقد تقبلوا برحابة صدر ما قلته بضرورة التمسك بدستور 62 دون تعديل لخطورة ذلك على الكويت في ظروف قد يكونوا غير مطلعين عليها. وكنت كعادتي ملتزما باحترامي وعفة لساني مع ألد خصومي السياسيين حتى لو كانوا سبباً في سقوطي في انتخابات عام 1981.

ثم من قال بأن كل أعضاء التكتل هم أعداء للدستور وضد الاصلاح؟

أنا مع المقاطعة لأقول للعالم أجمع ما يريد أن يعرفه بأننا جياع كرامة لا جياع مال.

أنا أشكر الكثيرين ممن أغضبهم هجوم البعض علي وأقول لهم إنني تعودت على ذلك، فأنا لن أتردد مطلقا عن اتخاذ الموقف الذي اعتقد بأنه ضروري حتى ولو كان يسبب الأذى.

هل نسيتم الحملة الظالمة التي شنت علي بسبب عدم دعمي لصدام في حربه ضد إيران لأن تبرير الحل العسكري لحل الخلافات مرفوض، والكويت الصغيرة الضعيفة أول دولة في العالم ترفضه؟ الا أن العمى الطائفي طمس الحقيقة أنذاك احتلال صدام للكويت أثبت للجميع بأننا كنا على حق وهم على باطل. الله يسامحهم .

 

×