المنبر والتحالف: أي تعديل لقانون الدوائر خارج إطار حكم الدستورية يعتبر عبث مرفوض

أصدر المنبر الديمقراطي والتحالف الوطني وثيقة وطنية للاصلاح، محملين فيها الأسرة والحكومات السابقة ومجلس 2009 و2012 أسباب الصراع الطائفي والقبلي في الكويت، وتراجع الدولة، وبينوا في الوثيقة رؤيتهم ومواقفهم فيما يتعلق بتداعيات طعن الحكومة في قانون الدوائر والمتطلبات الواجب اتخاذها في حال صدر حكم ببطلان القانون. وفيما يلي نص الوثيقه:

تمر الحياة البرلمانية اليوم بمنعطف بالغ الأهمية، فإما استكمال المسيرة الديمقراطية وإصلاح ما شابها من عبث سلطوي، والانطلاق بها إلى مزيد من التطور، أو الدخول في فوضى وفراغ تشريعي يشل الدولة ويعطل مصالحها ومصالح المواطنين، وهو ما يتطلب الحكمة وليس التهاون في قراءة الأحداث السياسية، ووضع حلول جذرية قابلة للتطبيق وليس شعارات انتخابية وقتية، والتعاون بين الجميع – وإن اختلفت مسارات ورؤى الإصلاح - وليس التخوين والتشكيك.

لقد أثبتت الأحداث والشواهد التاريخية، أن صراع ابناء أسرة الحكم لاحتلال مراكز متقدمة في سلم الإمارة كان سببا رئيسيا في توقف عجلة تطور البلاد، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بل ان صراعهم عنصر أساسي في حالة الاصطفاف والاستقطاب الذي تعانيه الدولة اليوم، سواء على المستوى الطائفي أو القبلي أو الفئوي من خلال أدواتهم ونفوذهم.

ولطالما طالبنا العقلاء والحكماء من أبناء الأسرة بوضع حد لصراعات أبنائهم، وكف أيديهم عن العبث في النسيج الوطني ووحدته، إلا أن صراع أبناء العمومة آخذ في التزايد وبأساليب غير مألوفة على حساب استقرار الدولة ووحدة الشعب.

كما أن الحكومات، منذ إقرار وثيقة الدستور وحتى اليوم، قد حادت عن مسؤولياتها التنفيذية الى مسؤولية الانتقاص من مواد الدستور وتشويه النظام الديمقراطي، فساهمت متعمدة في نشر ثقافة الواسطة على حساب القانون، والاعتداء على المال العام – بأوجه متعددة - وليس الحفاظ عليه وصونه، وصادرت حريات الأفراد العامة والخاصة، وسلبت المواطنين حق التعبير وابداء الرأي، ومارست سياسة "فرق تسد" على شعبها لضمان استمرارها.

ونتيجة لأفعال الحكومات، فقد المواطن الثقة فيها، فهي لم تقدم على مر التاريخ نموذجا ايجابيا لدورها كسلطة تدير شؤون الدولة والمواطنين، فتوالت خسائرها الشعبية على مدى السنين، حتى بات يقينا أنها لا تستحق هذه المسؤولية، وحان الوقت لتهيئة الأجواء لمشاركة شعبية حقيقة في إدارة شؤون الدولة التنفيذية.

أما على المستوى التشريعي، فعلينا أن نقر أن مجلسي 2009 و2012 مثالا لتجربة سيئة لكيفية تحول الديمقراطية الى ديكتاتورية، وحين تستبد الأغلبية وتقصي الأقلية، وحين يوظف المال السياسي لشراء المواقف، وحين يكون التطرف منهجا في سن القوانين، وحين تكون لغة الشتائم والتخوين حوارا بين المشرعين.

لقد ساهم مجلسي  2009 و2012 بشكل مباشر في احتضان ورعاية بذور الطائفية والقبلية والفئوية التي زرعتها السلطة بين أفراد الشعب، حتى أصبحت جذورها مترسخة ومن الصعب اقتلاعها، فأبدلوا القوانين التنموية بقوانين الطائفية، والرقابة التشريعية بفساد لا حدود له.

ولئن كان قدر الدولة أن تخرج من نفق وتدخل في نفق آخر على ضوء ما سبق، وبعد إحالة الحكومة قانون الدوائر الانتخابية الى المحكمة الدستورية التي حجزت الطعن إلى جلسة 25 الشهر الجاري، فإن المنبر الديمقراطي والتحالف الوطني يؤكدان على مواقفهم التالية، ورؤيتهم لمتطلبات المرحلة التي تلي صدور حكم المحكمة الدستورية مباشرة وهي:

1. ان لجوء الحكومة إلى المحكمة الدستورية حق كفله الدستور لا ننازع السلطة التنفيذية فيه انطلاقا من احترامنا للنصوص الدستورية.

2. إن أحكام المحكمة الدستورية واجبة التنفيذ والاحترام بحسب المادة رقم 6 من قانون إنشاؤها، لذلك إذا تطلب حكم المحكمة أي تعديل على قانون الانتخاب، فإن التعديل يجب أن يكون بالتوافق مع القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في إطار الحكم فقط ولا يتعداها لأمور أو جوانب أخرى في القانون، وخلاف ذلك فسيعتبر عبث مرفوض لن نقبل به، وسوء نية مبيت من قبل السلطة والحكومة للتأثير على إرادة الأمة.

3. يترك للمجلس القادم وعبر ممثلين الأمة دراسة واختيار النظام الانتخابي المعبر عن الارادة والرغبة الحقيقية للناخب وما يصب للمصلحة الوطنية العليا.

4. حل مجلس 2009 والدعوة إلى انتخابات جديده، هي إجراءات مترتبة على حكم المحكمة الدستورية في 25 سبتمبر 2012.

5. رفض خطاب الكراهية والمساس بالوحدة الوطنية والمطالبة بتطبيق القوانين بحزم على جميع من يقوم بذلك أو يدعو إلية، وذلك لضمان إجراء الانتخابات بعيداً عن الصراع الطائفي والقبلي والفئوي، مع التأكيد على عدم المساس بحرية التعبير وإبداء الرأي للمرشح والناخب بشكل خاص، والمواطن بشكل عام.

ونؤكد أن رؤيتنا السابقة للمرحلة التي تلي حكم "الدستورية" لا تعني بأي شكل من الأشكال إقصاء الآخرين من إطلاق مبادراتهم ورؤاهم، فالجميع في مركب واحد، والإصلاح لا يمكن أن يكون حكرا على فئة دون أخرى، ونحن في هذا الصدد نشيد بما يطرح في الساحة السياسية من آراء ومواقف – وإن اختلفنا معها - إيمانا منا بأن على الجميع واجب دستوري للمساهمة في وضع الحلول كل حسب رؤيته.

كما نشير إلى أن صدور مراسيم ضرورة خلال فترة حل مجلس 2009 لا تحمل صفة الضرورة فهو انتحار سياسي للحكومة.

إن استكمال الإصلاح السياسي يفرض على المجلس التشريعي المقبل تبني سلسلة مترابطة من القوانين، تنقل النظام الديمقراطي إلى مرحلة أكثر تطورا ونضوجا:

1.  إقرار التشريعات اللازمة لضمان استقلالية السلطة القضائية.

2. تعديل قانون المحكمة الدستورية بما يتيح للفرد وذوي الشأن الطعن في القوانين القائمة أمام المحكمة بشكل مباشر.

3. إقرار قانون المفوضية العليا للإشراف على الانتخابات.

4. إقرار قانون الهيئة العامة للنزاهة وحزمة قوانين مكافحة الفساد.

5. التصدي للفساد الاداري المتفشي في أجهزة الدولة بتغليظ العقوبات والتشدد في تطبيق القانون.

6. إقرار قانون إشهار الأحزاب السياسية وفق ضوابط تراعي الوحدة الوطنية والمبادئ الديمقراطية.

7. إحالة جميع القوانين ذات الشبهة الدستورية إلى المحكمة الدستورية للنظر في دستوريتها.

8. تهيئة الأجواء بعد إقرار القوانين السابقة للانتقال إلى الحكومة البرلمانية المنتخبة.

وعلينا أن ندرك تماما ان إقرار قوانين الإصلاح السياسي السابقة لا يمكن أن تتحقق في فصل تشريعي واحد وبشكل منفرد، قانون دون آخر، بل هي برنامج متوسط المدى سيواجه برفض شديد من قبل السلطة، وهي معركة لا خيار أمامنا سوى خوضها وفق الأدوات الدستورية المتاحة لنا إن كنا مؤمنين بها وبنتائجها.

ولا يمكننا أن نخوض معركة الإصلاح السياسي ونحن نقف على أرضية هشة في العلاقة ما بين فئات المجتمع، فهي معركة الجميع، الأمر الذي يتطلب على كل فرد أن يمارس دوره في نبذ الخطاب الطائفي والقبلي والفئوي، وأن يؤمن بأن الكويت وطنا يتسع للجميع بتنوع مذاهبهم وتوجهاتهم وفكرهم، وإن اختلاف الرأي لا يعني العداء مع الطرف الآخر، فإن لم يتحقق ذلك فإن خسارة معركة الإصلاح السياسي نتيجة متوقعة لا مفر منها.

ولأن الدولة لا تقف عند حدود الإصلاح السياسي، فهناك مسؤوليات على مجلس الأمة المقبل والحكومة لا تقل أهمية عن العمل السياسي، أولها تطبيق أحكام الدستور فيما يتعلق بالرعاية السكنية وتذليل الصعوبات لكي يوفر المواطن السكن الملائم للأسرة وتقليل فترة الانتظار في لطالبين الرعاية السكنية وإيجاد وسائل رديفة لحل الأزمة الاسكانية عن طريق دخول القطاع الخاص لمساعدة الحكومة بالملف الإسكاني لما يتمتع به من أفكار خلاقة لبناء مناطق سكنية جديدة بتكاليف مناسبة لأسر الشباب الكويتي، وتطوير المؤسسات التعليمية سواء من حيث المناهج والأدوات والمنشآت بما يتيح الحصول على تعليم أفضل للاستثمار في التنمية البشرية.

والسعي نحو تحسين الخدمات الصحية سواء من خلال الاستثمار في الكوادر الوطنية ودفعها نحو العلوم الطبية أو من خلال الاستعانة بخبرات المراكز الصحية العالمية، وإعادة تطوير المنشآت الصحية القائمة وبناء أخرى جديدة تتماشى مع التوسعة الإسكانية.

كما أن مسؤولية المجلس المقبل والحكومة العمل سويا على توفير فرص وظيفية للشباب الكويتي حديثي التخرج بالاستعانة بالقطاع الخاص، وتشجيعه على الانخراط في تأسيس المشاريع الصغيرة والمتوسطة ودعمه ماديا ومعنويا.

ولأن القطاع الخاص شريك في عملية التنمية والبناء، فعلى المجلس المقبل والحكومة النظر إلى المعوقات التي تواجه هذا القطاع والعمل على تذليل الصعوبات التي تعتري مسيرته، وإطلاق المشاريع والمبادرات بشكل حقيقي حتى يتمكن من أداء الدور المطلوب منه لتحريك العجلة الاقتصادية، وتوفير فرص وظيفية للشباب الكويتي.

إننا اليوم أمام تحدي حقيقي للإصلاح الشامل وبناء الدولة المدنية، فكلما تأخرت البداية تراجعت الدولة أكثر وأكثر، وحينها لن يكون للأجيال القادمة دولة أو مستقبل نقدمه له، وحينها لن نعيش حاضر رسمه لنا الآباء والأجداد، بل سنبقى نتذكر الماضي وكيف كان جميلا وكيف أصبحنا اليوم.

 

×