د. الفيلي: الاعتبارات السياسية والصراع جعل سماع صوت المتخصصين الفني مستحيلا

أكد الخبير الدستوري واستاذ القانون بجامعة الكويت د. محمد الفيلي على أنه يمكن أن تكون الدولة كلها دائرة انتخابية واحدة وهو حل مقبول للأزمة السياسية الدستورية التي تواجهها الكويت جراء إحالة قانون الانتخابات إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستوريته، مفيداً أن ذلك يعتبر حلا مقبولا ولكنه قليل الانتشار، مشيرا إلى أن تقسيم الدولة إلى دوائر انتخابية هو الشائع وان يكون في كل دائرة مقعد واحد أو أكثر.

جاء ذلك خلال ندوة الصالون الإعلامي التي أقيمت مساء أمس بمشاركة بمشاركة الخبير الدستوري د.محمد الفيلي وأستاذ القانون بجامعة الكويت د.فواز الجدعي والتي استكملت الحوار حول إحالة قانون الدوائر الانتخابية إلى المحكمة الدستورية وما صاحبه من جدل سياسي ودستوري.

وأشار د.الفيلي إلى أن التوزيع المغرض للدوائر الانتخابية يعتبر خطرا كبيرا على العملية الانتخابية والديمقراطية ولمواجهة ذلك يجب أن يكون توزيع الدوائر عن طريق قانون، متسائلا: هل يكفي أن نقسم الدوائر الانتخابية بموجب قانون ويكون الأمر صحيحا وسليما أم أن هناك مبادئ أخرى يجب مراعاتها؟، مجيباً أن هناك مبادئ أخرى يجب أن تراعى في توزيع الدوائر الانتخابية أهمها المساواة والعدالة بين الدوائر رغم انه من المستحيل أن تكون الدوائر متطابقة حسابيا ولكن يجب مراعاة مبدأ المساواة بين الدوائر.

وأضاف الفيلي أن هناك مبدأ أخر وهو ألا يكون توزيع الدوائر مغرضا حتى لا يخل بنزاهة الانتخابات، موضحاً أنه لو تم النظر في الدوائر الـ 25 لوجدنا أن بعضها كان مخلا ولا يحقق العدالة أو المساواة، وفيما يتعلق بالدوائر الخمس فقد كان هناك الكثير من الآراء الدستورية التي نادت بضرورة مراعاة مبدأ "التقارب التصويتي" ولكن الاعتبارات السياسية والصراع الدائر جعل سماع صوت المتخصصين الفني مستحيلا.

ولفت الفيلي إلى أنه في 2012 قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية مرسوم الحل لمجلس 2009 وبذلك فقد سقط صنم عدم المساس بالعملية الانتخابية وأصبحنا نسمع من يقول : سوف نطعن على الانتخابات المقبلة، مشيراً إلى أن هناك ثلاثة سيناريوهات للتعامل مع الوضع الراهن، الأول أن يتعامل مجلس 2009 مع قانون الانتخابات ويقوم بتعديله، والسيناريو الثاني هو الطعن المباشر بموجب منازعة قائمة، أما الثالث فهو انتظار الانتخابات القادمة والتي من المتوقع أن يطعن عليها أيضا.

وأشار الفيلي إلى أن أحد الحلول المطروحة هو الضغط على الحكومة لسحب طعنها ولكن هذا يتطلب النظر في طبيعة الخصومة هل هي قائمة على مصالح خاصة أم لا.

من جانبه قال أستاذ القانون بجامعة الكويت د.فواز الجدعي أن ما يحدث في الكويت قد حدث في مصر سابقا حينما قام البعض بالطعن على مشروعية قرار رئيس الجمهورية بالدعوة إلى الانتخابات البرلمانية وقد حكم القضاء الإداري حينها بعدم دستورية قانون الانتخابات وبالتالي بطلانها. مشددا على أن قانون الانتخاب له خصوصية خاصة يجب مراعاتها توجب التبصر والتحوط في التعامل معه.

وأضاف الجدعي أن المحكمة الدستورية ليس لها الحق في أن تنظر في مراسيم الحل وذلك لأن مراسيم الحل هي من اختصاص القضاء اداري لأن تلك المراسيم تعتبر من القرارات الإدارية، وبالتالي كان يجب على المحكمة الدستورية إحالة الدعوة إلى القضاء الإداري للفصل فيها.

وأشار الجدعي إلى أنه لو وصلت المسالة إلى طريق مسدود فإن الحل الوحيد هو العودة إلى الأمة لتصحيح أخطائها الدستورية، موضحاً أن هناك إجماع على عدم سن قوانين انتخابية بمقتضى مراسيم الضرورة.

وتسأل الجدعي لماذا لم تبادر المحكمة إلى التعامل المبكر مع قانون الانتخابات وتعديله وبما يتوافق مع مقتضى الحال ويستشرف المستقبل وهي تملك هذا الحق؟!! مستشهدا في ذلك بما حدث سابقا في الولايات المتحدة الأمريكية من تعديل لقانون الانتخابات.

وحول الحكم وما يترتب عليه أكد الجدعي على أنه لو كان الإبطال موضوعيا فليس هناك مشكلة مع الاجراءات، ولو حكمت المحكمة بعدم الدستورية فلن يكون هناك مجال للعودة إلى الدوائر الـ25.

فيما شهدت الندوة العديد من المداخلات كانت أولها من وزير الإعلام السابق والكاتب سامي النصف الذي طرح فكرة حلو امكانية وجود مجلس أو مركز للافتاء الدستوري و القانوني يمكن الرجوع إليه في مثل هذه المسائل والخلافات حتى لا يكن الأمر متاحا أمام الاجتهادات الشخصية لغير ذوي الاختصاص.

وأشار النصف أن التوزيع المقرر للدوائر في الـ25 يعتبر حسنا إذا كانت النوايا حسنة لإعطاء الفرصة للجميع لإبداء رأيه الانتخابي واختيار من يمثله، وأنه ليس هناك إشكالية في مسألة التباين والاختلاف في الدوائر إذا كانت جميع شرائح المجتمع ممثلة في البرلمان.

أما الكاتب الصحفي أحمد المليفي فقد أكد على ان القضية الأساسية في قرار الإحالة ÷ي العدالة العددية في الدوائر الانتخابية، ولكن الناظر بعمق يرى أن المسالة ليست كذلك إنما هي حرب مرشحين، مشددا على أن هذه الحرب ليست حربنا ولا هي قضيتنا.

وأشار من ناحية أخرى إلى قوله تعالى "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" وذلك ما يحدث في الكويت الآن رغم أن المادة الثانية من الدستور تنص على أن الشريعة الاسلامية هي مصدر التشريع وهذه الشريعة نفسها ترد الأمر إلى ولي الأمر يحكم فيه وعلينا أن نتبع حكمه.

بينما أكدت المحامية نجلاء النقي على ما طرحه الوزير السابق سامي النصف، مشيرة إلى أن القانون علم في اساسه قائم على الجدل والاجتهاد، وأن الكويت الآن في حاجة غلى توحيد مصدر الفتوى الدستورية وعدم فتح المجال أمام غير المتخصصين للتصريح بآرائهم في مسائل قانونية ودستورية حساسة، وأن ذلك يبقينا دائما غرقى في المشاكل.

أما المحامي فيصل الصقر فقد شدد على أن الكويت اليوم أمام مشروع وطني ولا أحد يمكنه التأكيد على أن الدوائر الخمس أفضل في تمثيل شرائح المجتمع الكويتي كله.

وفي تعقيبه على المداخلات أوضح د. الفيلي أن الديمقراطية لها ثلاثة أنواع، إما ديمقراطية مباشرة أو غير مباشرة أو نيابية، ودستور الكويت قد أخذ بالديمقراطية النيابية بمعنى أن مجلس الأمة له حق التشريع، أما في حال غياب مجلس امة فإن التشريع يكون عم طريق مرسوم بقانون في وجود حالة الضرورة. مشيرا إلى أن مشكلتنا في العالم الثالث هو أننا نسيس كل شيء.

من ناحية أخرى أشار الفيلي إلى ضرورة أن تكون هناك منتديات للقانونيين لا يمارس البحث فيها تحت زظر السياسة والسياسيين، وعادة في فقه التعامل مع النوازل والمصائب الكبرى والقضايا المهمة لا ينبغي الاندفاع في الآراء بل يجب التمهل والتدبر والتفكير العميق في جميع جوانب المشكلة قبل إبداء أي رأي فيها.

ولفت الفيلي إلى انه قد يكون من المجدي أن يحدد ميعاد للحكم، وأنه في بعض الدول الغربية إذا وقعت مثل هذه الحالات فإن المحكمة تستبق الطعن وتبدأ في جمع المعلومات والاستعداد للقضية خصوصا إذا كانت القضية تمس المصلحة العامة للمجتمع والدولة.

واشار الفيلي إلى أنه هناك فرق بين السياسة القضائية وقضاء السياسة، فالسياسة القضائية تحتم على القاضي الدستوري موازنة أحكامه مع مصلحة المجموع، وربما يتشدد القاضي في مسالة ما لقطع دابر المخالفة، فالقضاء يحكم على السياسة ولا يحكم وفق السياسة نها لو حكمت وفق السياسة فإنها تقع في المحظور وتتحول المحكمة إلى أداة من الأدوات السياسية.

 

×