غرفة التجارة: ضعف الإدارة وهروب الحكومة وضع الكويت في أزمة

أكدت غرفة تجارة وصناعة الكويت أن ضعف الإدارة وهروب الحكومة من استحقاقات التغيير وضع الكويت في أزمة، منتقدة في الوقت ذاته اقتحام مجلس الأمة من قبل بعض النواب والأشخاص. وفيما يلي نص بيان الغرفة:

في مسيرة الدول والمجتمعات، أحداث تشكل منعطفات مفصلية بعيدة التأثير على اتجاهاتها وتحولاتها، وربما على كيانها أيضاً. ونكاد نجزم حين نزعم أن أحداث العنف غير المبرر وغير المسبوق، التي شهدتها الكويت ليل الأربعاء 16 نوفمبر 2011، تمثل أحد هذه المنعطفات بالغة الخطر، عميقة الأثر. ذلك أن تلك الأحداث بكل مراحلها ومجرياتها، وبكل عنفها وتداعياتها، وبكافة أطرافها والمحرضين عليها، جاءت بمثابة انفجار مرعب لما وصل إليه الاحتقان السياسي والاجتماعي في الكويت.

ورغم ما لحق بالاقتصاد الكويتي بكافة أنشطته من أضرار بالغة جراء هذا الاحتقان المتصاعد على مدى سنوات، فإن بيان غرفة تجارة وصناعة الكويت هذا ليس تعبيرا عن هموم الاقتصاد واخفاقات التنمية على أهميتها وخطورتها، بل هو صرخة كويتية من مؤسسة وطنية، شهدت ولادة الدستور وساهمت في بلورة رؤاه وتطلعاته، وعاصرت ارتفاع صرح مجلس الأمة وشاركت في رفع قواعده، ثم عاشت بفخر فصول تألقه ونجاحاته، كما عايشت بحزن فترات انتكاساته، وبكت ـ مثل كل الكويت ـ يوم أطفأ الاحتلال أنواره، ومثل كل الكويت، لم تستطع أن تحبس دمعها ليلة انتهاك حرمته.

وبيان غرفة تجارة وصناعة الكويت هذا لا يقف عند تاريخ وحدود الحدث الخطير الحالك، بل يحاول أن يرصد أسباب هذا الاحتقان السياسي الغاضب، ليجد أن ضعف الادارة العامة على اطلاقها، وهروب الحكومة من استحقاقات التغيير، ورهبتها من اتخاذ القرار قد وضع الكويت في أزمة بنيوية عامة وعميقة ونافذة إلى صميم كل أنشطة الدولة والمجتمع، فهي واضحة في اخفاق العملية التعليمية، وفي تردي الخدمات العامة والبنية الأساسية والمؤسسية، وفي احباط جهود التنمية وغموض مشاريع الخطة، وأسباب الاحتقان المتفجر تعود أيضا إلى تداخل حدود السلطات الثلاث، وطغيان بعضها على بعضها الآخر، وإلى أساليب الحكومة في تفريغ القوانين من مضامينها، وفي سعيها لفصل النص الدستوري عن روحه وحكمته، وتباطؤها في التصدي الجاد للفساد بكل صوره، وفي الوقت ذاته، لابد من الاعراب بكل صراحة ووضوح عن أن كل هذه الأساليب، على كثرتها وخطورتها وتراكمها، لا تعدو كونها تفسيرا للاحتقان المتفجر ليل الأربعاء الأسود، ولا يمكن أن تشكل تحت أي تحليل أو تعليل تبريرا لانتهاك حرمة بيت الأمة، وتسلق سوره، وكسر بابه، واقتحام قاعته، وإذلال قبته، وبتحريض ـ مع الأسف الشديد ـ من بعض أصحاب البيت أنفسهم. فتلك أهانة للكويت تاريخا ووطنا وأهلا، لا تكفي كل أخطاء الحكومة ـ على كثرتها ـ لتكون غطاء لرعونتها ومبررا لطيشها وعبثها.

لقد أخفقت الإدارة العامة في استيعاب المتغيرات، فعجزت الحكومة عن أحداث التغيير، ولم تنجح في إقناع المواطنين بصدق عزمها على الاصلاح، وبالتالي، في استعادة ثقتهم بغدهم، ولم يستطع العديد من النواب الانتقال من مقاعد تمثيل الدائرة إلى مواقف تمثيل الوطن. فاستمروا أطرافا في الخلافات وشركاء في الأخطاء، بدل أن يكونوا مرجعية للصواب، وهكذا انغمس الطرفان في مناورات المصالح التي وضعت الوطن في خدمة السياسة، بدل تعاونهما في عملية التنمية والبناء، وتوظيف السياسة لخدمة الوطن.

ومن جهة أخرى، لا تكتفي غرفة تجارة وصناعة الكويت في بيانها هذا بعرض المأزق وتحليل الأسباب، وتجريم الحدث، بل تحاول أن تتلمس اجابة للتساؤل الأخطر والأهم: ماذا بعد؟ وإلى أين؟ وهي في سعيها هذا لا تدعي اطلاقا القدرة على ايجاد المخرج ورسم خارطة الطريق، فهذه مهمة لا يمكن أن ينهض بها إلا توافق وطني تتعاون في إطاره السلطتان التشريعية والتنفيذية، وتساهم فيه كل الأطياف الاجتماعية والسياسية.

ولكن هذه الحقيقة لا تمنعنا من القول بأن أول وأهم شروط خروج الكويت من أزمتها النبيوية الشاملة والعميقة، أن تكون لنا رؤية متكاملة لبناء دولة القانون وفرض ثقافته وسيادته، بدء من الحرص على توازنه ووضوحه وأبعاده التنموية، إلى الحسم في إقراره بعيدا عن الصفقات والمجاملات وتسويات اللحظة الأخيرة، وصولاً إلى الحزم في تنفيذه، والعدل في تطبيقه، ليشعر الجميع أنهم سواسية أمام القانون في وطن عادل، وفي ظل حكم صالح.

إن سيادة القانون لا تتعارض مع مفاهيم دولة الرفاه بل تدعمها، ولا تتناقض مع الحريات العامة والخاصة بل تحميها، وسيادة القانون هي المدخل الأساسي لتوظيف الروح القبلية مكوناً فاعلاً في الوحدة الوطنية، ولتوطين المعتقد الطائفي عنصر إثراء ثقافي وحضاري. وسيادة القانون هي المدخل الأرحب للإرتقاء باداء مجلس الأمة، ووقف السباق المحموم لمجاملة المواطنين على حساب مستقبل أولادهم.

وفي صدد الإجابة على التساؤل، ماذا بعد؟ وإلى أين؟ تود غرفة تجارة وصناعة الكويت أن تؤكد على أمرين اثنين:

أولهما: أن تحقيق الإصلاح، والنجاح في معالجة الأزمة النبيوية العميقة يرتبطان بتعزيز تكاتف أسرة الحكم، ووحدة رؤاها وتوجهاتها. وبغير هذا يتعذر صون هيبة الدولة، وفرض سيادة القانون، وتحقيق فصل السلطات. خاصة وأن ولاية أسرة الحكم في الكويت لا تستند إلى الشرعية الدستورية وحسب، بل تستند ـ أيضاً وأولاً ـ إلى الشرعية الوطنية التاريخية إن صح التعبير.

وثانيهما: أن أحداث ليل الأربعاء الأسود تعتبر، بالتأكيد ـ انتكاسة في مسيرة الديموقراطية الكويتية عموماً، وفي الحياة النيابية على وجه الخصوص. ومن واجبنا اليوم أن نجعل من هذه الانتكاسة نذيرا حافزاً على ضرورة قراءة التحولات الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والتقنية قراءة صحيحة، والعمل على إحداث التغييرات الكفيلة باستيعابها وتوجيهها نحو تعزيز الوحدة الوطنية وخدمة التنمية. فالتغيير هو الضمانة الحقيقية للاستقرار، والاخفاق في تحقيق التغيير بأسلوب هادي وتدريجي، سيؤدي إلى أن يفرض الإصلاح نفسه بطريقة خاطئة وخطيرة. إن أحداث ليل 16 نوفمبر لا يمكن أن تكون مبرراً لقمع الحريات، بل يجب أن تزيدنا تمسكاً بالديموقراطية واصراراً على تطويرها نحو مزيد من ضمانات الحرية والمساواة, ونحو الارتقاء بأداء مؤسساتنا الدستورية لكي تستعيد الممارسة السياسية في الكويت بُعدها الأخلاقي، وتسترد حوارات قاعة عبدالله السالم مستواها الراقي. ولكي يعود الشارع الكويتي داعماً للشرعية لا بديلاً عنها، يعلن عن خياراته الحرة في صندوق الاقتراع، وليس بالتناقض مع نتائجه.

وأخيراً:

هذه شهادة حق دفاعاً عن الوطن. تقدمها غرفة تجارة وصناعة الكويت للتاريخ، دون أن تأخذ حساباً للثمن والتكلفة لأنها تؤمن أن خطيئة من حضر الواقعة وكتم الشهادة طمعاً أو إتقاء، لا تقل عن خطيئة من حضر الواقعة وشهد زوراً.