محمد الصباح: ربيع الكويتيين دائم لاعتماد دستورهم النظام النيابي

منحت جامعة (بيروجا) العالمية هنا الليلة الماضية درجة الدكتوراه الفخرية لنائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح لدوره المتميز في ادارة العلاقات الدولية وسط حفاوة لافتة اعتبرها تقديرا للكويت وتقاليدها في التعاون والانفتاح.

وأعربت رئيسة الجامعة البروفيسورة ستيفانيا جانيني في كلمة الحفل السنوي لافتتاح العام الأكاديمي 2011-2012 الجديد عن غبطة المجتمع العلمي وتشرفه بمنح الشيخ الدكتور محمد صباح السالم الصباح شهادة الدكتوراه الفخرية "اعترافا وختما دامغا لمسيرة علمية وسياسية ودبلوماسية حافلة ومتألقة أسهمت كثيرا في الحفاظ على ظروف السلام والنمو في منطقة الخليج ذات الحساسية الخاصة والتي تربط ثلاث قارات".

وأشادت ب"الخصوصية التي تميز جامعة بيروجا للأجانب ومهمتها التاريخية كسفيرة للغة والثقافة الايطالية في العالم اذ تصبو بأنشطتها التعليمية والعلمية نحو هدفها الحديث بانفتاح ايطاليا على العالم في مجالات التعليم والعلوم والترويج الثقافي".

واشارت الى "الروح المشتركة بين أوروبا والمتوسط" والتي تعكس معاني الوعي القائم على الاحترام بالاختلاف وبالقيمة التي تولد الاتصال والتي قالت انها "نفس الملامح التي عبرت الخليج العربي طوال القرون على طرق القوافل نحو آسيا الوسطى مرورا بالكويت".

ووفق مراسم الاحتفال قدم مستشار رئيس الحكومة الايطالية البروفيسور كابوانو الشيخ الدكتور محمد معرفا بشخصه المتميز وتاريخه الحافل ومسيرة حياته العلمية والسياسية والدبلوماسية في ادارة السياسة الخارجية لبلاده وقيادته لصندوق الكويت للتنمية.

وأثنى على جهوده الواسعة التي أعلت دور الكويت التقليدي والمتميز داخل منطقتها والتي اسهمت في تعزيز الاستقرار والتنمية مشيدا بالانجازات الهائلة التي حققتها لكويت منذ استقلالها في بناء ديمقراطيتها لتكون نموذجا للربيع العربي.

من جهته أشاد وزير الخارجية الايطالي فرانكو فراتيني بجهود الشيخ الدكتور محمد الصباح وعمله الدؤوب الصامت في توطيد التعاون والحوار وترسيخ الاستقرار والأمن والسلام في المنطقة والعالم.

وأكد اعتماد ايطاليا على دور الكويت "الذي يتسم باتساع تداول الأفكار في السياسة وعلى صفحات الصحف" وفق تقاليدها القديمة التي تشابه تلك الايطالية في التجارة والابحار والانفتاح على التبادل.

وقال فراتيني انه بصدد تنظيم لقاء غير رسمي نوفمبر القادم في مدينة (فلورنسا) الايطالية بالاشتراك مع الكويت وبلدان من مجلس التعاون ووزراء أوروبيين من أجل صياغة استراتيجيات جديدة لدفع عجلة التعاون.

وألقى الشيخ الدكتور محمد الصباح محاضرة في العلاقات الدولية حول "الكويت.. جسر الفجوات مسيرة وطن" حازت على تقدير لافت من الهيئة الأكاديمية وجمهور الحاضرين الذين قاطعوا كلماته بالتصفيق الحار مرارا ووقوفا والتي أجازها بالاجماع المجلس الأكاديمي الأعلى والذي يضم رؤساء جامعات ايطالية وكبار أساتذة الجامعة.
واستعرض المكانة البارزة لاقليم (أومبريا) الايطالي المشهور بطبيعة تلاله ووديانه وبحيراته خلابة الجمال وبثقافته المتنوعة وعراقة ماضيه واسهامات أبنائه الكبيرة في العلوم والفلسفة والفنون.

وأشار الى تزامن احتفال ايطاليا هذا العام بمرور 150 عاما على توحيدها وبناء دولتها الحديثة واحتفال الكويت بالذكرى الخمسين لاستقلالها.

وشدد الشيخ محمد الصباح في كلمته على أهمية تقصي الحقائق من خلال التفكير النقدي والسعي لاكتساب المزيد من المعارف أينما كانت مبينا ان هذا التوجه يؤخذ من واقع "الشعب الكويتي العربي المسلم حتى لو تطلب ذلك السفر الى أقاصي الأرض وكذلك قيم الأسرة والدين والدولة التي تشكل هوية العقلية الكويتية".

وتناول دور الكويت في سد أربع فجوات في نطاق يتجاوز الزمان والمكان وهي الفجوة بين الشرق والغرب والفجوة بين الغنى والفقر والفجوة بين الحاضر والمستقبل والفجوة بين الحداثة والأصالة.

وحول الفجوة بين الشرق مقابل الغرب قال الشيخ محمد الصباح ان الكويت ومنذ استقلالها في عام 1961 اعتمدت سياسة الحياد الايجابي تجاه الاختلاف الأيديولوجي بين الشرق والغرب.

وأكد انها أدت دورا بناء في حوار الشمال والجنوب ضمن ما عرف ب(لجنة برانت) التي كانت تحمل تصورا جديدا للأمن العالمي في ابراز القضايا الدولية الرئيسة للفجوة بين الشمال الغني والجنوب الفقير كالتنمية الغذائية والتنمية الزراعية والطاقة والتجارة والاصلاحات المالية والنقدية.

وأوضح أن الكويت بادرت الى استضافة أعمال اجتماعات اللجنة في عام 1982 اضافة الى كونها أحد مموليها الرئيسيين ايمانا منها بضرورة معالجة تلك الفجوة بين الشمال والجنوب تحقيقا للانسجام العالمي والى أن التقلبات السياسية وتطورات الأحداث المتلاحقة لم تفقد الكويت توجهاتها العقلانية والانفتاحية.

وأشار الى الآلية التي "واجهت بها الكويت سقوط جدار برلين وانهيار العالم ثنائي القطبية بكل حكمة عبر اعادة تقويم استراتيجية سياستها الخارجية بهدف مواصلة الحفاظ على سيادتها وأمنها في اطار القانون والشرعية الدوليين".

وأكد الشيخ محمد الصباح ان "الغزو الصدامي" للكويت في 1990 عزز التزام الدولة التام والقاطع بسيادة القانون ومبادئ المواطنة العالمية وأن الشرعية الدولية متمثلة بهيئة الأمم المتحدة هي الملاذ للجميع لاسيما للدول الصغيرة حيث ظل الالتزام بالشرعية الدولية موقفا ثابتا لسياستها الخارجية.

وأضاف ان ذلك تجلى في عديد من الملفات الساخنة من قضية كوسوفو ونغورنو كاراباخ وأبخازيا مرورا بالرمال المتحركة الخطيرة في عملية السلام في الشرق الأوسط وصولا الى الملف النووي الايراني.

وأشار الى أن التحولات التي حملها عام 2003 بسقوط نظام الدكتاتورية في العراق قابلها العديد من الدول بما فيها الكويت بتغير كبير في أولوياتها بعد أن استشعرت الكويت مبكرا مدى التأثير العميق على مستقبل التعايش السلمي في المنطقة لترسم مسار علاقاتها مع جيرانها في المنطقة انطلاقا من دوافع اقتصادية تسعى الى تحقيق الازدهار لمجتمعات دوله وأوضح الشيخ محمد الصباح أن السياسة الخارجية للدولة التي كانت قبل ذلك تتسم بدرجة عالية من الحذر والترقب تجاه النوايا السيئة التي حملها صدام حسين انطلقت بسقوط ذلك النظام الاستبدادي من الدبلوماسية الوقائية الى الدبلوماسية الاقتصادية بهدف تعظيم المنافع والاستفادة من الأجواء التي حققتها الانفراجة الأمنية في المنطقة باتخاذ عديد من الخطوات لتعزيز أهدافها الاجتماعية والاقتصادية مستفيدة من موقعها الجيو- سياسي الاستراتيجي المميز.

وفي هذا الصدد أكد أن الكويت تعد أحد أهم وأنشط المراكز الدبلوماسية في الشرق الأوسط حيث قفز عدد السفارات الأجنبية في السنوات القليلة الماضية الى 94 بعثة افتتح منها 12 سفارة جديدة العام الماضي وحده في الوقت الذي يتزايد فيه عدد اللجان المشتركة مع دول العالم باضطراد والتي تحتل القضايا الاقتصادية الحيز الأكبر من أعمالها.

وارتفع عدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين الكويت والدول الصديقة من 42 الى 164اتفاقية ومذكرة تفاهم في عام 2006.

واضاف أن الكويت في مسعاها الى تحقيق المزيد من الانخراط في قضايا ومشاغل المجتمع الدولي وتحدياته المستقبلية عمدت الى توسيع نطاق دبلوماسيتها بافتتاح 12 سفارة كويتية في الخارج على مدى السنوات الخمس الأخيرة ليرتفع اجمالي عددها الى 90 بعثة تغطي كافة أنحاء العالم.

وقال ان "الرؤية الطموحة لسيدي حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه في اعادة الكويت كمركز تجاري ومالي مزدهر في المنطقة تترجم وتعزز في خطة التنمية المعتمدة حتى عام 2035 يجري في اطارها حاليا تنفيذ خطة التنمية للسنوات الأربع المقبلة وحتى عام 2014 بميزانية تفوق 120 مليار دولار".

وتناول الشيخ محمد الصباح كذلك التحديات التي تفرضها الفجوة بين الحاضر والمستقبل مشيرا الى أن أمير البلاد الشيخ عبدالله السالم الصباح طيب الله ثراه وبسبب اعتماد الدولة على مصدر واحد هو النفط قرر في عام 1953 تنويع مصدر دخل البلاد بانشاء صندوق للثروة السيادية يعتبر الأول من نوعه في العالم وأحد أكبر صناديق الثروة السيادية في العالم.

وأضاف أنه في عام 1976 أصدر أمير البلاد حينذاك الشيخ صباح السالم الصباح طيب الله ثراه قانونا بانشاء صندوق الأجيال القادمة في فكرة ثورية بفرض ضرائب معينة على الجيل الحالي لصالح الأجيال القادمة للأحفاد الذين لم يولدوا بعد وهي فكرة تعبر عن مدى بعد نظر القيادة الكويتية لخلق مورد مالي يمكن جيل ما بعد النفط مستقبلا من خلق اقتصاد مستدام.

وقال "انه من الناحية السياسية ورغم التاريخ القصير نسبيا بعد الاستقلال فقد كان التزام الكويت بالديمقراطية أمرا جليا ومشهودا فديناميكية نظامنا الديمقراطي وحيويته معروفة جدا في المنطقة ومحل اعجاب المراقبين".

وأكد أن "الكويت تدين كثيرا بالفضل لوجودها السياسي المستمر الى حوارها السياسي الدائم وما نشهده من ربيع عربي في بعض الدول العربية هو ربيع دائم لدى الكويتيين الذين اعتمدوا دستورهم في عام 1962 بالنظام النيابي في الحكومة استكمالا لما جبلوا عليه منذ قرون من ترسيخ لمبادئ الشورى والحكم الرشيد واحترام سيادة القانون".

أما في مجال الاعلام والحريات الصحفية فقد استعرض الشيخ محمد الصباح ما تتمتع به الكويت من صحافة حرة ومتميزة في المنطقة وحراك مجتمعي نشيط أدى الى خلق قنوات ومنابر للمواطنين للتعبير عن الآراء قادت الكويت لتصبح نموذجا متفردا للديمقراطية في المنطقة.

وعن الفجوة بين الحداثة والأصالة ذكر الشيخ محمد الصباح في طرحه الأكاديمي ان رحلة الانسان من أجل البحث عن الحرية شهدت منعطفا جديدا في عصر الانترنت قادته الى عالم الفضاء الالكتروني حيث ساهمت المواقع الاجتماعية في سد الكثير من الفجوات بين البشر وأتاحت لهم منبرا للتعبير عن أفكارهم واحباطاتهم ومطالباتهم تجاه حكوماتهم فأصبحت مواقع التواصل الاجتماعي السلطة الخامسة في الدولة بعد السلطة الرابعة التي تمثلها الصحافة.

وأشار الي أن الوطن العربي شهد في الربع الأول من عام 2011 زيادة استثنائية في عدد مستخدمي هذه المواقع بنسبة 30 في المئة.

واعتبر أن الانتفاضات في الشارع العربي مؤشرا قويا على أن العرب لجأوا الى منبر يمكنهم من خلاله اسماع أصواتهم ليس لنظرائهم المواطنين فقط بل للعالم بأسره . وأوضح الشيخ محمد الصباح أن الكويت على سبيل المثال تعد احدى الدول الرائدة في الوطن العربي في استخدام موقعي "فيسبوك" و"تويتر".

واستدرك بالقول "أما بالنسبة لنا ككويتيين فإن فهمنا للتقاليد والحداثة مترابط مع حمضنا النووي والجسر ما بين التقاليد والحداثة ليس بالغريب على مجتمعنا حيث يمكن اعتبار الكويتيين "حداثيين تقليديا" واعتبار مدينة الكويت مدينة عالمية عند ربط الحداثة بالانفتاح على العالم وثقافاته المتنوعة وبالأفكار الجديدة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية".

وقال "ان مجتمعنا من المجتمعات التي ركبت البحر في فترة ما قبل اكتشاف النفط وشق رجاله عباب البحر بحثا عن الرزق والتجارة مع المجتمعات المختلفة الى العراق والهند وبعيدا الى زنجبار والمسمى بالمثلث التجاري وكان على أسلافنا الاهتمام بمعرفة لغات عدة كالهندية والسواحيلية وكذلك الانجليزية ومن ثم زرع هذا التواصل مع الأقوام والأديان والمدن المختلفة في أنفسهم حسا عاليا من التسامح انتقل من جيل الى آخر".

وأضاف "يمكن لمس هذا الحس من التسامح والانفتاح في منازلنا فيما يعرف بالديوانية التي يمكن لأي غريب دخولها بحرية والاختلاط بمرتاديها ومناقشة مواضيع كالسياسة والاقتصاد والدين دون أي استثناء حيث تعد برلمانات مصغرة منتشرة في أرجاء الكويت يتواصل الناس فيها ويطلقون آراءهم ويعبرون عن همومهم".

واعتبر أن الديوانيات كانت عبارة عن "تويتر" و"فيسبوك" الكويت قديما قبل ظهور هذه المواقع الاجتماعية ولا يجرؤ سياسي ناجح على تفادي زيارة الدواوين فقد كانت ولا تزال تمثل نبض المجتمع والمؤشر الأساسي لقياس الرأي العام وتؤكد أن ديمقراطيتنا كانت أصيلة قبل أن توصف المجتمعات ب"الحداثة" أو "الموضة" بسبب ديمقراطيتها.

وخلص الى القول أن "لدى الكويت ثقافة تسامح وفهم متجذرة للعالمية ومستمدة من مهارات عمرها قرون من الزمن نقلها أسلافنا لمن يليهم ولذلك أيضا فان تحولنا ككويتيين من التقليدية الى الحداثة ليس عملية تحددها التقنية الحديثة لعالمنا المتسارع بل كانت من صنعنا فهي في الواقع منا وفينا".

واختتم نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الكويتي محاضرته بالتأكيد على أن أهم جسر نحتاج الى بنائه هو الجسر بين الشعوب بين الكويتيين والايطاليين وبين المسلمين والمسيحيين وبين العرب والأوروبيين وبين الشرق والغرب.

وأضاف أن "هذه الفجوة بين لغاتنا وثقافاتنا وتقاليدنا هي التي يجب جسرها لنعلم ونتعلم من بعضنا بعضا في سبيل الهدف الأسمى وهو منفعتنا المشتركة لأن "وراء كل اختلافاتنا هنالك ما نتشارك فيه جميعا اليوم وهنا انها حقوقنا السامية كبشر".

وتسلم الشيخ الدكتور محمد الصباح شهادة الدكتواره بعد تصويت الهيئة الأكاديمية العليا بالاجماع على منحه الدكتوراه الفخرية في "نظم الاتصال في العلاقات الدولية".