المستشار صلاح المسعد

الجريدة/ "الفتوى": تطبيق تعديلات "حرمان المسيء" من تاريخ نفاذه ولا أثر رجعياً له

خلصت مذكرة «الفتوى والتشريع» نشرتها جريدة الجريدة بشأن تعديلات قانون الانتخاب بحرمان المسيء للذات الإلهية والأميرية من الترشح والانتخاب، إلى أن التعديلات تطبق من تاريخ نفاذ الحكم، لا بأثر رجعي، مشيرة إلى أن المحكوم عليه بحكم نهائي قبل صدور الحكم يسري عليه القانون السابق، قبل إضافة الجرائم الجديدة، لكن من تصدر عليه أحكام بعد نفاذ التعديلات الجديدة ونشرها في الصحيفة الرسمية «الكويت اليوم»، تطبق عليه العقوبات، إلا أنه يرد إليه اعتباره متى ما قضى المدة أو حصل على رد الاعتبار عن طريق القضاء. وشددت المذكرة على أن الدستور يمنع المشرعين من تطبيق القوانين العقابية بأثر رجعي، وبالتالي فلا يجوز للمشرع العادي تجريم هذه الأفعال إلا من تاريخ نفاذ القانون.

وفيما يلي نص المذكرة:

«حضرة الفاضل وكيل وزارة الداخلية المحترم، تحية طيبة وبعد،،

بالإشارة إلى كتابكم رقم 5684 المؤرخ 14/7/2016 بشأن طلب إبداء الرأي حول موضوع القانون رقم 27 لسنة 2016 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة.

وتخلص الواقعات –حسبما يتبين من مطالعة الأوراق– أنه بتاريخ 27/6/2016 صدر القانون رقم 27 لسنة 2016 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات أعضاء مجلس الأمة، وقد نصت المادة (2) منه على أن:

«تضاف إلى المادة (2) من القانون رقم (35) لسنة 1962 المشار إليه فقرة ثانية نصها الآتي:

(كما يحرم من الانتخابات كل من أدين بحكم نهائي في جريمة المساس بـ:

أ – الذات الإلهية.

ب – الانبياء.

ج – الذات الأميرية).

وتذكرون بأن ثمة خلافا حول آلية تطبيق المادة المشار إليها، سواء من حيث سريان القانون، بعد الإضافة، على من صدرت في مواجهتهم أحكام نهائية بالإنابة في المسائل المضافة، قبل دخول القانون حيز التنفيذ، ومدى سريان رد الاعتبار المنصوص عليه في القانون رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية وتعديلاته على النص الجديد المضاف.

وإذ تطلبون إبداء الرأي نفيد بأنه:

من حيث إن المادة (32) من الدستور الكويتي تنص على أن:

«... ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة للعمل بالقانون الذي ينص عليها».

وتنص المادة (178) منه على أن:

«تنشر القوانين في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها، ويعمل بها بعد شهر من تاريخ نشرها، ويجوز مد هذا الميعاد أو قصره بنص خاص في القانون».

وتنص المادة 179 منه على أن:

«لا تسري أحكام القوانين الا على ما يقع من تاريخ العمل بها، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبل هذا التاريخ، ويجوز في غير المواد الجزائية النص في القانون على خلاف ذلك بموافقة أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة».

والمستفاد من هذه النصوص:

أن القوانين تنشر في الجريدة الرسمية خلال أسبوعين من يوم إصدارها ويعمل بها بعد شهر من تاريخ نشرها، ما لم يرد نص خاص في القانون يجيز مد هذا الميعاد أو قصره، والأصل عدم رجعية القوانين، وان القوانين لا تسري أحكامها الا على الوقائع التالية عليها، ولكن الدستور أجاز الخروج على هذا الأصل بشرط ان ينص القانون صراحة على ذلك، وبعد موافقة أغلبية الاعضاء الذين يتألف منهم مجلس الأمة، علما بأن هذه الرجعية لا تجوز في المواد الجزائية، فالقانون الجزائي لا يجوز تطبيقه بأثر رجعي بأية حالة، ومهما كانت الأغلبية التي تقرر ذلك، حيث إن المشرع الدستوري في المادة (32) حرم تطبيق القوانين العقابية بأثر رجعي، وبذلك لا يجوز للمشرع العادي أن يمس حق المواطن المطلق بتجريم الأفعال التي كانت مباحة في الماضي ومعاقبته عنها بأثر رجعي، إذ لا يمكن للمشرع إلا تجريمها من تاريخ صدور القانون وليس قبل ذلك.

ومن حيث إن المادة (2) من القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات اعضاء مجلس الامة نصت على أن:

«يحرم من الانتخابات المحكوم عليه بعقوبة جنائية، أو في جريمة مخلة بالشرف أو بالأمانة، إلى أن يرد إليه اعتباره».

وتنص المادة 68 من القانون رقم 16 لسنة 1960 بإصدار قانون الجزاء الكويتي على أن:

«كل حكم بعقوبة جنائية يستوجب حتما حرمان المحكوم عليه من الحقوق الآتية:

1 – تولي الوظائف العامة او العمل كمتعهد او كملتزم لحساب الدولة.

2 – الترشح لعضوية المجالس والهيئات العامة او التعيين عضواً بها.

3 – الاشتراك في انتخابات اعضاء المجالس والهيئات العامة».

وتنص المادة 69 منه على أن:

«اذا كان المحكوم عليه بعقوبة جنائية يتمتع وقت صيرورة الحكم واجب النفاذ بحق من الحقوق المنصوص عليها في المادة السابقة تعين حرمانه فورا من ذلك».

ومن حيث إن المادة 244 من القانون رقم 17 لسنة 1960 بإصدار قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية تنص على أن:

«كل حكم بعقوبة تظل آثاره الجنائية قائمة، إلى ان يسترد المحكوم عليه اعتباره بحكم القانون أو بحكم قضائي، ويترتب على رد الاعتبار القانوني او القضائي محو الحكم بالإدانة بالنسبة الى المستقبل وزوال كل ما يترتب عليه من آثار جنائية».

وحيث إن القانون رقم 27 لسنة 2016 قد تضمن تعديل احكام القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات مجلس الأمة حيث تضمنت المادة الثانية منه النص التالي:

«تضاف إلى المادة (2) من القانون رقم 35 لسنة 1962 المشار إليه فقرة ثانية نصها الآتي:

(كما يحرم من الانتخابات كل من أدين بحكم نهائي في جريمة المساس بـ:

أ – الذات الإلهية.

ب – الأنبياء.

ج – الذات الأميرية).

ونصت المادة الثالثة من ذات القانون على أن:

«على رئيس مجلس الوزراء والوزراء –كل فيما يخصه– تنفيذ هذا القانون، ويعمل به من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية».

ومن ثم يكون نفاذ القانون الجديد هو 29/6/2016 تاريخ نشره بالجريدة الرسمية.

وقد ورد بالمذكرة الايضاحية تعليقاً على هذا النص المضاف أنه: إذ حرمت الفقرة الأولى من المادة (62) من القانون المشار إليه من الانتخابات من أدين بعقوبة جنائية أو بجريمة مخلة بالشرف والأمانة، ولو كانت جنحة لقيام سبب قانوني بشأنه يؤدي إلى حرمانه من الانتخابات، ومعلوم أن تلك الجرائم تقع على أفراد عاديين أو مؤسسات عامة ذات شخصية اعتبارية، وهي جرائم أخف وطأة من الجرائم الواردة في هذا القانون، بما يسوغ معه –من باب أولى– امتداد ذلك المنع لمن ارتكب جريمة المساس بالذات الإلهية أو نال من قدسيتها أو من الأنبياء، أو تطاول على الذات الأميرية المحصنة بالدستور طبقا للمادة (64) منه، وعدم إناطة أداء هذا الحق السياسي بهم... وقد أعد هذا القانون المرافق ليمنع من ممارسة حق الانتخاب بأثر مباشر من يوم نفاذه -وليعمل مقتضاه في الحذف من الجداول الانتخابية– كل من صدر عليه حكم نهائي بالإدانة -أيا كان منطوق الإدانة- في أية جريمة من الجرائم المذكورة، ومن ثم يعد عدم الإدانة بحكم نهائي في تلك الجرائم شرطا جوهريا لممارسة حق الانتخاب وما يستتبعه من حق الترشيح.

ويستفاد مما تقدم: أن القانون رقم 35 لسنة 1962 المشار إليه أقر عقوبة الحرمان من ممارسة الحقوق السياسية نتيجة لصدور حكم قضائي في حق الشخص، كما أقرها قانون الجزاء الكويتي باعتبارها عقوبة تبعية تستحق وتلحق المحكوم عليه بقوة القانون تبعا لمجرد النطق بعقوبة أصلية محددة دون الحاجة الى النص عليها في الحكم ودون ان تترك للقاضي سلطة تقديرية في شأن تحديد مبدأ استحقاقها ويتحقق ذلك في حالتين:

أ – حالة صدور حكم على الناخب في جناية، أي يحكم عليه بعقوبة الحبس المؤبد أو الحبس المؤقت والذي تزيد مدته على ثلاث سنوات.

ب – حالة صدور حكم على الناخب في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة كجرائم السرقة والتزوير والنصب والاغتصاب وهتك العرض، ويستوي في هذه الحالة ان تكون الجريمة جنائية او جنحة، طالما هي جريمة مخلة بالشرف والامانة.

وقد أضاف القانون رقم 27 لسنة 2016 الى هذه الجرائم جريمة المساس بالذات الإلهية، والأنبياء، والذات الأميرية، ورغم خطورة هذه الجرائم فإن مرتكبيها يحرمون من الانتخابات أيضا ويطبق عليهم أثر المنع المنصوص عليه في الفقرة الأولى من المادة الثانية من القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات مجلس الأمة وقانون الجزاء الكويتي.

وأما بخصوص رد الاعتبار الذي خلت منه الفقرة المضافة بالقانون رقم 27 لسنة 2016، فتشير إلى ان قانون الانتخاب وما يحتويه من احكام جزائية هو قانون خاص يعمل به فقط عند الاخلال بالعمليات الانتخابية ولا يرجع الى الاحكام العامة المنصوص عليها في قانون الجزاء، الا اذا خلا قانون الانتخاب من احكام العقاب على الافعال التي تعد جريمة وفقا لنصوصه، ولما كان رد الاعتبار هو الوسيلة التي تمكن المحكوم عليه جزائيا من محو حكم الإدانة، وازالة ما يترتب عليه من اي اثار جنائية في المستقبل –طبقا لنص المادة 244 من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية– حتى يستعيد مكانته ويمارس حقوقه من جديد وكأنه لم يسبق ادانته، وبذلك يعتبر رد الاعتبار منحه للمحكوم عليه من السلطة المخولة تقريره، إذا توافرت شروطه، وهو يهدف الى تمكين المحكوم عليه الذي نفذ العقوبة والالتزامات الناجمة عنها، وأثبت صلاحه وعدوله عن الإجرام، من استعادة مركزه في المجتمع كمواطن شريف.

وحيث خلت الفقرة المضافة بالقانون رقم 27 لسنة 2016 من عبارة «رد الاعتبار» الواردة في الفقرة الاولى من ذات النص، فإن تطبيق رد الاعتبار الوارد بنص المادة (244) من قانون الاجراءات والمحاكمات الجزائية يكون واجب الإعمال على هذه الجرائم، لاسيما أن رد الاعتبار ان لم يكن قضائيا فهو يتحقق بقوة القانون بمرور مدة معينة من تاريخ تنفيذ العقوبة كاملة او سقوطها بمضي المدة، ودون حاجة الى طلب من المحكوم عليه، ورد الاعتبار القانوني حتمي، فلا يجوز رفضه طالما ثبت مضي فترة التجربة دون صدور حكم بالعقوبة خلالها، إذ يعد ذلك قرينة على حسن سلوك المحكوم عليه، خلال الفترة التي حددها القانون وهو مقرر للجنايات والجنح بدون تمييز بين انواعها.

ومن حيث إنه لما كان الثابت من مطالعة الاوراق يبين أن الاشخاص الذين صدرت ضدهم أحكام نهائية بالإدانة قبل دخول القانون رقم 27 لسنة 2016 حيز التنفيذ يظلون محكومين بأحكام القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات اعضاء مجلس الامة المشار إليه، ولو كانت الافعال التي ارتكبوها من الافعال التي حرمها القانون رقم 27 لسنة 2016.

حيث إن المشرع الدستوري حرّم بصريح نص المادة (32) من الدستور تطبيق القوانين العقابية بأثر رجعي، وبالتالي فلا يجوز للمشرع العادي تجريم هذه الافعال إلا من تاريخ نفاذ القانون الجديد رقم 27 لسنة 2016، والذي بدأ العمل به اعتبارا من 29/6/2016، ومن ثم فلا يسري في حق هؤلاء الاشخاص احكام القانون الجديد.

وأما بالنسبة للجرائم المضافة بالقانون رقم 27 لسنة 2016 التي ارتكبها الأشخاص بعد العمل بأحكام القانون رقم 27 لسنة 2016 فتسري عليهم احكام هذا القانون الأخير الواجب إعماله بأثر مباشر من يوم نفاذه، كما ان رد الاعتبار يلحق الجرائم الواردة بالفقرة المضافة، طبقا للأحكام العامة المنصوص عليها في هذا الجزاء، وإن لم يرد النص عليها صراحة حيث إن رد الاعتبار يشمل كافة الجرائم، سواء ورد النص عليها في القانون العام أو في القوانين الخاصة، ولو أراد المشرع غير ذلك لنص على حرمان المحكوم ضده حرمانا مؤبداً، ولو رد إليه اعتباره، وهذا ما لم يرد بالنص المضاف، ومن ثم يتعين بقاء الأصل بسريان نظام رد الاعتبار على هذه الجرائم.

لكل ما تقدم نرى:

أن الأشخاص الذين صدرت ضدهم أحكام نهائية بالإدانة في ظل العمل بأحكام القانون رقم 35 لسنة 1962 في شأن انتخابات مجلس الأمة تطبق عليهم أحكام هذا القانون إعمالا لمبدأ عدم رجعية القوانين العقابية، أما الجرائم المضافة بالقانون رقم 27 لسنة 2016 فتسري عليها أحكام القانون الجديد من تاريخ نفاذه، ويسترد المحكوم ضدهم حقوقهم السياسية متى رد إليهم اعتبارهم، وذلك على النحو المبين بالأسباب.

مع أطيب التمنيات

رئيس الفتوى والتشريع

المستشار

صلاح حسين المسعد

×