يتهافت عدد متزايد من الشباب المتحدرين من بلدان جنوب أوروبا الغارقة في الأزمات الاقتصادية على السفر إلى المانيا بحثا عن "رواتب أفضل وفرص عمل أكبر" غير أن هذا المسعى قد يفضي في بعض الأحيان للخيبة

المانيا واحة خلاص لأوروبيين كثيرين هاربين من الأزمات الاقتصادية

يتهافت عدد متزايد من الشباب المتحدرين من بلدان جنوب أوروبا الغارقة في الأزمات الاقتصادية على السفر إلى المانيا بحثا عن "رواتب أفضل وفرص عمل أكبر"، غير أن هذا المسعى قد يفضي في بعض الأحيان للخيبة.

ويؤكد البرتو ديل باريو المتحدر من مدينة فالنسيا الإسبانية وهو موظف في شركة ناشئة في برلين متخصصة في التسويق للهواتف الذكية أن ظروف العمل في المانيا "أفضل بكثير (من اسبانيا) اذ يمكن كسب أموال أكثر مع قدرة شرائية أعلى".

وجاء عشرات آلاف الشباب الأوروبيين بحثا عن فرص عمل في المانيا المحرك الاقتصادي الرئيسي لمنطقة اليورو والتي يبلغ معدل البطالة فيها 5,7 % فقط وهو الأدنى منذ حوالى ثلاثين عاما كما أن سلطاتها تعد بالقضاء على البطالة بالكامل في غضون بضع سنوات.

وقد زودت بلدان في جنوب أوروبا بينها البرتغال وايطاليا واسبانيا واليونان، وكلها تعاني معدلات بطالة مرتفعة في فئة الشباب بين 15 و24 عاما، ألمانيا بالعدد الأكبر من هؤلاء المهاجرين الاقتصاديين.

فبين 2008 و2015، انتقل أكثر من 47 الف اسباني وحوالى 27 الفا و500 يوناني بين 18 و25 عاما إلى المانيا وفق المكتب الالماني للاحصاءات.

هذه الأعداد تمثل فرصة مهمة أيضا لألمانيا التي يعاني بعض قطاعاتها نقصا في اليد العاملة في ظل الشيخوخة السكانية المتسارعة وانخفاض معدل الولادات.

- جيل أوروبا -

ومنذ العام 2011، دعت المستشارة الألمانية انغيلا ميركل الشباب الاسباني إلى اغتنام الفرص المتاحة في سوق العمل الألمانية. وبعد عامين، وقعت برلين ومدريد اتفاقا يخصص سنويا خمسة آلاف فرصة للتدريب أو للعمل الثابت للشباب الإسبان.

وقد أحسن البرتو ديل باريو الذي تربى كأترابه على مفهوم الوحدة الأوروبية والمنتمي إلى ما يعرف بـ"جيل ايراسموس"، الاستفادة من هذه الفرصة. فبعد دراسة جامعية لسنة في براغ حيث التقى صديقته الايطالية، اختار الانتقال الى برلين "حيث في الامكان التحدث بالانكليزية" في قطاع الكهرباء الذي يعمل فيه، على ما يوضح هذا الشاب الذي لا يزال يواجه صعوبة في التأقلم مع صعوبات اللغة الألمانية لوكالة فرانس برس.

وهو لم يندم البتة على هذا الخيار. ويقول "من الواضح أن فرص العمل في المانيا أكبر بكثير".

على بعد 600 كيلومتر إلى الجنوب، يعمل خوسيه رامون افيندانو فوينتيس (31 عاما) كمتدرب في شركة للكهرباء في مدينة تاشيرتينغ الصغيرة ذات الخمسة آلاف نسمة قرب الحدود النمسوية.

وقد طُرحت عليه فكرة المجيء إلى المانيا من وكالة "الباسيتي" للتوظيف سنة 2014 بعد بحثه عبثا عن فرص عمل مناسبة.

ويوضح "قالوا لي إنه من الممكن ايجاد عمل في المانيا حيث ثمة حاجة لموظفين".

ومذاك، نجح خوسيه في الاندماج في المجتمع الالماني: فهو يعزف في اوركسترا محلية ولا يتوانى عن ارتداء الأزياء التقليدية لمنطقة بافاريا. ويقول "لدي حوالى 500 زميل وهم رائعون باكثريتهم".

- "عائدون" -

غير أن آخرين أصيبوا بخيبة أمل بسبب صعوبة الحصول على وظيفة ملائمة لتطلعاتهم أو أنهم سئموا من العقود الموقتة والرواتب المتدنية، وهي الضريبة التي تصاحب في كثير من الأحيان مستويات البطالة المنخفضة.

ويوضح سيباستيان سانز وهو أحد مؤسسي منصة "فولفيموس" ("عائدون") للمساعدة على العودة إلى اسبانيا أن ثمة "رغبة كبيرة" لدى الاسبان في الخارج بالعودة إلى ديارهم، مصحوبة منذ سنة 2015 "بتراجع في الطلب" في سوق العمل الألمانية.

وسجل عدد الشباب الإسبان (18-25 عاما) الذين غادروا المانيا ازديادا من 2800 سنة 2012 إلى حوالى 4300 سنة 2015.

هذه حالة خافيير الاركون الذي عاد إلى اسبانيا بعدما أمضى أربع سنوات مع زوجته وأطفاله كمدير مشاريع في شركة المانية للسيارات في فولفسبورغ. وقد كانت التجربة ايجابية غير أن تنظيم الحياة اليومية كان شديد التعقيد.

ويقول للإذاعة العامة الألمانية "لقد كنا وحيدين هناك فيما كانت عائلاتنا في اسبانيا. مع طفلينا أصبح الوضع معقدا للغاية لزوجتي".

وقد عدل كثيرون عن هذا "الذهول" بألمانيا، من بينهم الممرضات اذ "يحظين بقيمة أكبر بكثير في اسبانيا من المانيا" وفق سيباستيان سانز.

لكن في ظل عودة النمو في بلديهما، هل لا يزال البرتو وخوسيه يريان مستقبلهما في المانيا؟.

ويوضح خوسيه "أود البقاء لعامين أو ثلاثة في المانيا وبعدها سنرى... الحياة تتغير كثيرا".

أما البرتو فيقول "لا أفكر في البقاء في المانيا"، مبديا ثقته بأن "الوضع سيتحسن" في اسبانيا.