شارع محمد بن راشد في إمارة دبي

تفاوت البيانات يخفي حقيقة الازدهار الاقتصادي في الخليج

نما الاقتصاد السعودي بمعدل متوسط قرب 2.5 بالمئة في أول ثلاثة فصول من عام 2013 وفي الربع الأخير سجل طفرة ليقفز الناتج المحلي الإجمالي عشرة بالمئة مقارنة بالربع الأخير من 2012.

تلك هي الصورة التي رسمتها بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات لكن الشركات السعودية لا تقرها إذ تأثرت أرباحها بسبب حملة لترحيل عاملين يقيمون في المملكة بشكل غير قانوني أواخر العام الماضي وهي لا تتفق أيضا مع نتائج مسوح خاصة عن أنشطة قطاع الأعمال.

وخلص اقتصاديون كثيرون إلى أن البيانات الرسمية بها خطأ ما وأن الناتح المحلي الإجمالي الفعلي في الربع الأخير قد يقل بمليارات الدولارات عما تشير إليه بيانات مصلحة الإحصاءات. لكن من غير الواضح متى ستنجلي الصورة إذا كان ذلك سيحدث.

ومع ازدهار اقتصادات دول الخليج المصدرة للنفط وانفتاحها أكثر على الاستثمار الأجنبي يعمل المستثمرون في أجواء ضبابية بعض الشيء وينبغي عليهم أخذ قرارات بناء على بيانات اقتصادية غير مكتملة وغير متسقة. وفي كثير من الحالات تكون البيانات أقل مصداقية من تلك التي تصدر عن اقتصادات ناشئة في آسيا وافريقيا.

وفي الخليج يمكن أن تصدر بيانات أولية لمؤشرات اقتصادية غير سليمة وقد لا يجري تعديلها إلا بعد فترة طويلة إن حدث. وإلى جانب ذلك فتوقيتات صدور البيانات غير منتظمة فعلى سبيل المثال لم تصدر البحرين بيانات المعروض النقدي الشهرية منذ نوفمبر تشرين الثاني.

ويتوقف صدور بعض البيانات لأشهر ولا ينشر البعض الآخر أصلا مثل أرقام نمو الناتج المحلي الإجمالي في الكويت وهو أمر تنفرد به بين دول العالم الغنية.

وبفضل غنى المنطقة بالنفط لم يتأثر النمو سلبا بشكل ملحوظ لكن تكلفة ضعف البيانات ربما تتعاظم مع تطوير دول الخليج لأسواقها المالية وتنويع مواردها الاقتصادية في مسعى لتخفيف مخاطر أي انخفاض كبير في أسعار النفط في المستقبل.

وقال جون سفاكياناكيس مدير استراتيجيات الاستثمار في ماسك وهي شركة استثمار مقرها الرياض "ينبغي أن تدرك البنوك المركزية في المنطقة أن اتساق البيانات وجمعها على أساس علمي وإصدارها في موعدها هي أمور ضرورية إذا أرادت أن تبرز انفتاحها أمام الاستثمار والأعمال."

وأضاف أن عدم توافر بيانات يمكن الوثوق بها عن الإنفاق الحكومي قد يضر بالاستثمار لأن شركات عديدة تأخذ قراراتها بناء على مستوى هذا النوع من الإنفاق. ولا تنشر أبوظبي التي تسهم بنحو 70 بالمئة من إنفاق دولة الإمارات خطة ميزانيتها السنوية بشكل كامل.

وتملك دول الخليج مالا كافيا لتأسيس وكالات تعد إحصاءات دقيقة بشكل منتظم إذا أرادت. لذا تبدو أسباب غياب البيانات معقدة.

ولعل السبب الأهم هو عدم إدراك الحكومات لأهمية البيانات إذ مازالت إيرادات النفط هي المحرك الرئيسي لاقتصاداتها التي تعتمد بصفة أساسية على الطلب الخارجي وليس المحلي. وتتسم السياسة النقدية بالاستقرار فنادرا ما يعدل البنك المركزي أسعار الفائدة أو ضخ السيولة.

وبما أن السلطات تجري تعديلات طفيفة على السياسات تمشيا مع الاتجاهات الاقتصادية فإنها لا تعطي أولوية لجمع بيانات مفصلة أولا بأول.

وبسبب اعتمادها على إيرادات النفط لا تفرض دول الخليج ضريبة دخل للأفراد أو ضريبة للقيمة المضافة وفي الدول الأخرى يعتبر النظام الضريبي مصدرا لبيانات أولية للإحصاءات الاقتصادية.

وتحرص العديد من الشركات الخليجية على السرية وتحجم عن الكشف عن أي بيانات عن أنشطتها حتى للحكومات وهو أمر مزعج حتى لمراكز الإحصاء التابعة للدولة.

وثمة عامل آخر هو الطبيعة الكتوم لحكومات الخليج اذ تمتنع عن مناقشة القضايا الحساسة علنا. وفي بعض الأحيان تجمع البيانات ولكن تفضل عدم الكشف عنها أو لا تحرص على ذلك.

وقال بول جامبل مدير قسم التصنيفات السيادية في وكالة فيتش للتصنيف الائتماني "يجري جمع بيانات كثيرة تكون متاحة لصناع القرار لكن لا تنشر."

وتعمل السلطات على تحسين خدمات المعلومات فعلى سبيل المثال دشنت إمارة أبوظبي موقعا للإحصاءات العامة قبل بضع سنوات ويقول جامبل إن البيانات في الخليج تحسنت إلى حد بعيد في العشر سنوات الأخيرة "لتعطي اتجاها عاما للأداء الاقتصادي."

لكن مازالت توجد ألغاز تحير صناع القرار ورجال الأعمال منها على سبيل المثال بيانات الناتج المحلي السعودي في الربع الرابع. وكانت مصلحة الإحصاءات أعلنت ان الناتج الإجمالي نما 3.8 بالمئة في 2013 لكن لم تذكر رقم الربع الأخير. وتظهر حسابات لرويترز واقتصاديين من القطاع الخاص أن هذا يعني أن معدل النمو في الربع الأخير بلغ عشرة بالمئة.

وعلى مدار العام الماضي أعلنت السعودية أن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في 2012 بلغ 6.8 بالمئة ثم عدل إلى 5.1 بالمئة ورفع مرة أخرى إلى 5.8 بالمئة. ولم يرد مكتب الإحصاءات على استفسارات رويترز عن الأرقام.

وقال سفاكياناكيس "البيانات تحسنت بالطبع لكن ثمة فجوة مصداقية فيما يخص الاقتناع بها وتصديقها. "نرى كثيرا تعديلات صارخة للمؤشرات الكلية .. إذا عدلت الناتج المحلي الإجمالي بواقع نقطتين مئويتين .. فهذا يبرز ثغرات إحصائية واسعة في المسح."

كما أن تفاوت البيانات يكون مربكا مثل عدد سكان الإمارات. فحسب أحدث تقديرات للمركز الوطني للإحصاء بلغ عدد سكان الإمارات 8.3 مليون نسمة في 2010 لكن عدد السكان الكلي لا يتجاوز نحو 5.6 مليون نسمة عند تجميع تقديرات عدد السكان لكل من الإمارات السبع على حدة.

ورجح راشد السويدي المدير العام للمركز الوطني للإحصاء في تصريحات لرويترز أن يكون التفاوت راجعا لأسباب فنية مضيفا أنه ينبغي فحص الأرقام بدقة لتقديم إيضاح كامل.

وقال هارالد فينجر رئيس بعثة صندوق النقد الدولي في الإمارات "ستحل المشكلة حين يجرون إحصاء لعدد السكان وحتى ذلك الحين ينبغي أن نتعامل مع تقديرين مختلفين."

ولم يتضح متى سيجري التعداد المقبل وإذا خلصت الإمارات إلى أن الرقم الأقل هو الصحيح فسيسبب ذلك إحباطا للمستثمرين الذين يعتبرون حجم السوق في البلاد عاملا رئيسيا.

وفي غياب بيانات رسمية موضع ثقة يلجأ كثير من رجال الأعمال والمحللين لمسوح خاصة وتقديرات قطاعات معينة لقياس الاتجاهات الاقتصادية رغم أن المسوح الخاصة تتعرض لنفس المشاكل التي تعوق وكالات الإحصاء الحكومية.

وتقدر شركة أوبل الألمانية لصناعة السيارات أن سوق السيارات في المنطقة تنمو بين عشرة و15 بالمئة وإذا صدقت التقديرات فربما تكون الأرقام الرسمية التي تحدد معدلات النمو في اقتصادات الخليج بين ثلاثة وخمسة بالمئة أقل واقعية.

وقد لا يكون لنقص البيانات التي يعول عليها في الخليج أهمية تذكر في فترات الازدهار الاقتصادي لكن الوضع يصبح خطيرا في حالة التباطؤ الشديد إذ من شأنه أن يؤخر إدراك السلطات لتفاقم المشكلة ويؤجج قلق المستثمرين.

واكتشفت دبي ذلك في 2009 حين واجهت بعض الشركات شبه الحكومية مشاكل واضطرت لإعادة هيكلة ديون بمليارات الدولارات. ونتيجة نقص البيانات عن اقتصاد دبي والأوضاع المالية للحكومة افترض عدد كبير من المستثمرين ما هو أسوأ وحدثت حالة من الفزع امتدت للأسواق الناشئة في أنحاء العالم.

ومنذ ذلك الحين بدأت دبي الإفصاح عن مزيد من البيانات لكن ليس بنفس القدر في الاقتصادات المتقدمة. ولم تحاول دبي بعد الحصول على تصنيف من وكالات التصنيف الائتماني التي تشترط مستويات إفصاح أعلى.

وتدرس العديد من دول الخليج إصلاحات للقوائم المالية وسبل تطوير أسواق رأس المال ودعم الشركات الخاصة كي ترهن استقرارها الاقتصادي والسياسي بأسعار النفط.

غير أن ضعف البيانات يعرقل هذه الجهود. فعلى سبيل المثال تبحث دول الخليج فرض ضريبة مبيعات لزيادة إيراداتها لكن ينبغي أن تشمل الخطوة الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي للحيلولة دون انتقال الإنفاق الاستهلاكي إلى الدول التي تفرض ضرائب أقل.

لكن في غياب بيانات واضحة عن الاستهلاك وعدد السكان والنمو ستجد السلطات صعوبة في تقدير تأثير الضريبة ومزاياها.

وعلى المدى الطويل تأمل دول مجلس التعاون الخليجي أن تعزز تكامل اقتصاداتها وأسواقها المالية وقد تشكل منطقة عملة موحدة في نهاية المطاف. لكن العملة الموحدة تحتاج لتنسيق السياسات الاقتصادية وهو ما سبق أن توصلت إليه منطقة اليورو ومن الصعب تحقيق ذلك في غياب بيانات للمقارنة.

وقال سفاكيانايكس "لا يمكن تحقيق وحدة نقدية بدون بيانات متسقة. لم نبلغ ذلك بعد. إذا كانت هناك إرادة سياسية فستنضبط كل الأمور. الإرادة السياسية تفعل المعجزات في المنطقة."

 

×