الوطني: ضعف البيئة الاقتصادية في الكويت بعد الازمة يلقي الضوء على الحاجة إلى تدابير لتعزيز النمو

قال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني ان بيانات الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية لدولة الكويت لعام 2011 التي صدرت مؤخراً، أتاحت فرصة أخرى لتقييم أداء الاقتصاد في سياق تاريخي، كما أتاحت تلك البيانات المجال لإلقاء نظرة عن كثب على هيكل وسمات الناتج المحلي الإجمالي.

ولا تعتبر هذه البيانات سلبية بشكل عام، فهي تكشف عن نسب معقولة للنمو الاقتصادي في قطاعات عدة من بينها بالطبع القطاع النفطي الذي استفاد من ارتفاع أسعار النفط ومستويات إنتاجه.

إلا أن الصورة العامة تشير إلى أن الاقتصاد الكويتي ما زال يعاني من بعض تداعيات الأزمة المالية، وتعيقه قضايا هيكلية.

وتلقي هذه التحديات الضوء على الحاجة إلى المزيد من التدابير لدعم وتعزيز النمو، بما في ذلك سرعة تنفيذ مشاريع التنمية الرئيسية، وتبني منهج أكثر فاعلية نحو تحقيق الإصلاح الاقتصادي.

أفضل مما يُعتقد؟

إن الفكرة السائدة هي أن أداء الاقتصاد الكويتي كان ضعيفاً في السنوات القليلة الماضية.

ولكننا نجد أن نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية قد عاود الارتفاع على نحو معقول في فترة ما بعد الأزمة.

فقد نما الناتج بنحو 21% للعام في المتوسط في الفترة ما بين 2009 و2011، أي بتباطؤ طفيف عن متوسط النمو خلال فترة ما قبل الأزمة حين بلغ 23% أثناء سنوات الازدهار ما بين 2002 و2008.

كما أن هذا الارتفاع لم يكن فقط نتيجة ارتفاع أسعار النفط وإنتاجه، ففي 6 قطاعات غير نفطية من أصل ثمانية، كان معدل النمو في سنوات ما بعد الأزمة أسرع مما كان عليه قبلها.

وفي ضوء انخفاض مستويات الثقة في قطاع الأعمال، والحاجة إلى تقوية المراكز المالية للشركات وضعف البيئة العالمية، يمكن النظر إلى ذلك الارتفاع على أنه تطور إيجابي ومشجع.

إلا أن النظرة المتعمقة تكشف عن أن الصورة العامة ليست بالإشراق الذي تبدو عليه. إذ يمكن عزو بعض هذا النمو إلى تحسن طبيعي بعد الانخفاض الحاد الذي شهده.

فبين 2008 و2009، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية بشكل حاد بواقع 23%، ويرجع ذلك بشكل رئيسي إلى انخفاض أسعار النفط بواقع 33% مع أزمة النظام المالي العالمي وانكماش الاقتصاد العالمي.

كما انخفض الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنسبة 4% في العام 2009 مع هبوط أسعار الأصول وتقشف الشركات وانخفاض الإنفاق الحكومي.

ومع احتساب بيانات العام 2009، ينخفض متوسط معدل النمو السنوي خلال السنوات القليلة الماضية من 21% إلى 4% فقط. وينخفض عدد القطاعات غير النفطية التي شهدت نموا ملحوظا في الفترة الماضية من 6 قطاعات إلى قطاعين.

وبعيداً عن سنة الأزمة، فإن أداء القطاعات الاقتصادية يلقي الضوء على جوانب عديدة.

ولسوء الحظ، فإن العديد من القطاعات التي كان أداؤها جيداً في الفترة الماضية مثل المرافق والإنشاءات تعتبر قطاعات صغيرة نسبيا بحيث أن مساهمتها في ازدهار الاقتصاد ككل تعتبر محدودة.

واما التحسن الذي شهدته القطاعات الكبيرة التي جاء أداؤها أفضل مثل التجارة والخدمات الأخرى كان تحسناً ضعيفاً. وهذا يحد من تأثيرها الكلي أيضاً.

وفي المقابل، نجد أن القطاعات التي كان أداؤها سيئاً في السنوات القليلة الماضية، وأبرزها القطاع المالي وخدمات الأعمال (الذي يضم القطاع العقاري) وقطاع الاتصالات، تعتبر قطاعات كبيرة وقد كان شهدت تراجعا حادا في أدائهاً.

ويلاحظ أن الفجوة بين مساهمة هذين القطاعين في النمو الاقتصادي قبل الأزمة وبعدها تزيد بكثير عن النمو المحقق في كافة القطاعات الأخرى مجتمعة.

ومازال ناتج القطاعين المالي والعقاري مجتمعين أدنى بواقع 33% عن ذروته التي سجلها في العام 2007، وهو ما يشير إلى حجم واستمرار تبعات الأزمة المالية.

ضعف الاستثمار

وفي الوقت نفسه، يكشف جانب الإنفاق من الحسابات القومية تحديا هيكليا أكبر وأطول أجلا وهو ضعف الإنفاق على الاستثمار.

إذ أن الاستثمار الثابت لدولة الكويت والذي يشكل ما نسبته 17.6% من الناتج المحلي الإجمالي في المتوسط خلال السنوات العشر الماضية، هو الأدنى بين دول مجلس التعاون الخليجي، ويقل عن نصف نسبة الاستثمار الثابت في قطر، صاحبة أقوى أداء في المنطقة، البالغ 37% من الناتج المحلي الإجمالي.

ورغم أن الاستثمار الثابت في الكويت قد سجل أقوى أداء له خلال عامين من الأعوام الخمسة الماضية، إلا أن تأثير ذلك يبقى محدودا.

فالمستوى المرتفع الذي بلغه في العام 2007 ربما كان مرتبطاً باستثمارات فترة الازدهار والتي تراجعت بعد ذلك.

كما أن الأداء في العام 2010 ربما كان مركزاً على القطاع النفطي أكثر منه على الاقتصاد ككل.

وأيا كان الأمر، فإن هذه المستويات ما زالت منخفضة مقارنة بدول المنطقة.

كما أن مستوى الاستثمار الثابت في العام 2011 يدعو إلى التنبه، إذ بلغ كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي أدنى مستوى له خلال عقد من الزمان عند 15.6%.

وهذا على الرغم من الآمال بأن خطة التنمية الحكومية الطموحة التي تمتد لأربع سنوات بقيمة 31 مليار دينار (2010/2011 – 2013/2014) ستكون قد حركت الإنفاق الرأسمالي بحلول هذا الوقت.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاستثمار قد انخفض بالفعل بنسبة 1% بالقيمة النقدية.

وبما أن هذا الانخفاض لا يحتسب أي تراجع في قيمة الأصول الحالية، فإن البيانات تشير إلى تراجع أكبر فعليا في المخزون الرأسمالي، وهو ما قد انعكس سلبا بالنمو الاقتصادي.

لكن لماذا بقي الاستثمار منخفضا، ولاسيما بالنظر إلى قوة المركز المالي للاقتصاد بفضل ارتفاع أسعار النفط؟ أحد الأسباب هو ضعف الإنفاق الرأسمالي الحكومي.

وتشير بيانات المالية العامة التي صدرت مؤخراً أن الاستثمار الحكومي المدرج ضمن بنود الميزانية قد انخفض بواقع 2% بشكل مطلق في السنة المالية 2011/2012، وقد كان هذا مفاجئا نظرا إلى الدعم الكبير الذي كان من المنتظر أن توفره خطة التنمية.

وفي الواقع، ورغم أن المصروفات الرأسمالية عادة ما تأتي فعليا أقل من مستواها المعتمد في الميزانية، إلا أنها جاءت في السنة الماضية أقل من معدلاتها التاريخية ولم تتعد فعليا 64% من مستواها المعتمد في الميزانية، وهو ثاني ادنى معدل في العقد الماضي.

ونظرا إلى أن الاستثمار الحكومي يمثل في تقديرنا نحو نصف الاستثمارات الثابتة الإجمالية في الاقتصاد، فإن تأثير ذلك كان كبيراً.

وثمة سبب آخر يتمثل في غياب الإصلاحات الاقتصادية الأساسية على مدى السنوات الماضية. فهناك حاجة لتلك الإصلاحات لزيادة دور القطاع الخاص وتعزيز حوافز الاستثمار.

ووفقا لحساباتنا، فإن نسبة القطاع العام من القيمة المضافة للاقتصاد (وهو مفهوم قريب من الناتج المحلي الإجمالي) قد بلغت 74% في العام 2010، ومن الممكن أن تكون بلغت تلك النسبة 80% في العام 2011 على الرغم من أن الجزء الأكبر من هذه النسبة يعزى إلى ملكية القطاع العام للقطاع النفط7BA8