الوطني: النمو الاقتصادي الخليجي بمنأى نسبيا عن الضعف الاقتصادي العالمي

لن يكون هذا الصيف كغيره من حيث الهدوء على الساحة الاقتصادية الذي اعتدنا أن نشهده كل موسم صيف، وذلك في ظل أزمة اليورو المتواصلة التي تعصف باليونان، وها هي الآن قد ضربت إسبانيا كذلك، ووصلت إلى مشارف إيطاليا أيضاً.

وفي الوقت نفسه، بدأ التوتر بين ألمانيا وفرنسا، أكبر اقتصادين في أوروبا، يطلّ برأسه.

وأخذت الاقتصادات الأضعف تعاني جراء تدابير وسياسات التقشّف، فيما تتردّد الاقتصادات الأقوى، وفي المقام الأول ألمانيا، في تقديم المساعدة التي تعتبرها مرتفعة الخطورة والتكلفة: من الديون المرتفعة إلى السندات الأوروبية بعملة اليورو، وصولاً إلى توحيد السياسات المالية بشكل غير مضبوط وما إلى ذلك.

وما زالت الأسواق والمستثمرون أيضاً ينتظرون بترقّب اكتمال فصول الأزمة اليونانية، متسائلين فيما ستتمكّن اليونان من البقاء ضمن منطقة اليورو أم لا.

وأياً كانت الحالة، يبقى التساؤل حول طبيعة تبعات الأزمة على القارة العجوز أوروبا، واليورو، وبنوك أوروبا والعالم.

ولهذا نرى المحللين متشوقين لممارسة لعبة السيناريوهات المحتملة.

ولكن الجلي والواضح الآن هو أن الشكوك السائدة والنمو الضعيف في أوروبا قد أثرت أخيراً على النمو الاقتصادي العالمي والأسواق المالية، مع سقوط كل من اليونان وإسبانيا في مستنقع الأزمة الاقتصادية.

وقد سجلت أسعار الأسهم المالية أعل مستوى لها في مرحلة ما بعد انهيار بنك "ليمان براذرز" في أبريل من هذا العام، وذلك مع ورود بيانات مستقرة من الولايات المتّحدة والصين، ومحافظة الاقتصادات في قلب أوروبا على وضعها، واستكمال اليونان لعملية إعادة هيكلة ديونها.

لكن منذ ذلك الوقت، شهدت البيانات الاقتصادية تراجعاً على الساحة العالمية، إذ لم تقدّم إعادة هيكلة الديون في اليونان أي حلّ يذكر، وأصبحت البنوك الإسبانية في حاجة ماسة إلى إعادة الرسملة، ما يعني حاجة إسبانيا أن تستدين من شركائها الأوربيين الذين بدورهم يجب أن يستدينوا، زائدين بذلك عبء الدين السيادي الأوروبي.

لذلك، انقلب التوجه الذي كان سائدا في الأسواق نحو أخذ المخاطر، إلى الابتعاد عن المخاطر، وشهدت الأسواق إثر ذلك تراجعات ملحوظة، وانخفضت معدلات الفائدة مرة أخرى.

واقتربت أسعار الفائدة على السندات التي تعتبر آمنة مثل الأميركية والألمانية والبريطانية إلى نحو 1.5%  لأجل 10 سنوات.

كما تواصلت الضغوط على اليورو، وانخفضت أسعار النفط دون مستوى 100 دولار للبرميل الواحد.

وفي الوقت الذي ترد فيه أرقام منخفضة للنمو من الاقتصادات الرئيسية في الولايات المتّحدة والاتحاد الأوروبي والصين وغيرها، نلاحظ أيضاً انخفاض أرقام للتضخم، الأمر الذي يتيح المجال للأسواق بأن تستبقي على أملها بالحصول مرة أخرى على تدخلات بشكل التيسير الكمي في المملكة المتّحدة، وربما في الاتحاد الأوروبي والولايات المتّحدة.

وقد يقتضي استمرار الضعف الاقتصادي في الولايات المتّحدة استخدام جولة ثالثة من التيسير الكمي في حين تتوقع الأسواق على الأقل إمتداد عملية TWIST  (قيام الاحتياطي الفيدرالي ببيع الأوراق المالية قصيرة الأمد، وشراء أوراق مالية ذات أمد أطول، بهدف تخفيض معدلات الفائدة على الرهون).

ولا شك أن الصين قد قامت مسبقاً بخفض سعر الفائدة الأساس لديها وعملت على تحفيز الإقراض لدى البنوك.

ومع اقتراب مواعيد الانتخابات وانعقاد القمم، فإن السياسة هي التي تدير دفة الاقتصادات، وعلى الأخص في منطقة اليورو. ونلاحظ أن السياسات تسير بمعدل أبطأ من حركة الاقتصادات والأسواق، ويسود الشعور بأن كل خطوة جديدة يتمّ اتخاذها لا تكون على القدر الكافي.

ومع كل جولة من جولات التيسير الكمي، يخف الأثر. ولم يدم الأثر الإيجابي بآخر حزمة إنقاذ للبنوك الإسبانية، والتي بلغت قيمتها 100 مليار يورو، أكثر من يوم واحد فقط (وما زلنا بانتظار تفاصيل هذه الحزمة).

ولا زلنا، على أفضل تقدير، نعاني من وضع يبعث على الارتباك والتخبط: فأوروبا تواجه الأزمات المتتالية، وتعاني للخروج من الأزمة الاقتصادية أو عدم تحقيقها للنموز وتبدو أفاق النمو في الولايات المتّحدة ضعيفة حيث يتراوح معدل النمو للناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة لديها عند 2%، وهي نسبة أقل من أن تضمن الشعور بالطمأنينة وراحة البال لتحد من البطالة.

أما الصين وغيرها من الاقتصادات الناشئة (مثل أستراليا والهند) فتحاول تنشيط معدلات النمو لديها.

وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، فإننا نتوقع أن تحافظ أسعار النفط على مستواها بحدود 100 دولار للبرميل الواحد، لتقدّم الدعم للمالية الحكومية، في الوقت الحاضر ومستقبلاً.

ومن المتوقّع للنمو الاقتصادي، الذي تُقدّر نسبته بـ5% بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة، أن يكون محمياً إلى حد ما من حالات الضعف والتدهور على الساحة العالمية.