الوطني: ارتفاع اسعار النفط يعزز من وضع الكويت المالي

رفع بنك الكويت الوطني من توقعاته لنمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة للعام 2012 من %3.8 إلى %4.4، بناء على توقعات بارتفاع الإنتاج النفطي. ورغم حالة عدم اليقين المحيطة بالاقتصاد العالمي، يتوقع أن تبقى أسواق النفط مرتفعة في العام 2013.

وتوقع أن يبقى نمو الاقتصاد غير النفطي مستقرا عند نحو 4%، يدعمه في ذلك سياسة مالية توسعية، وإنفاق استهلاكي قوي والآثار الإيجابية لارتفاع أسعار النفط. ولكن لا بد من تعزيز مسيرة الإصلاحات لتحفيز النمو الاقتصادي.

وقال "الوطني" يبدو أداء المؤشرات الاقتصادية الأخرى قويا. فقد تراجع معدل التضخم إلى ما دون 4%، وفي الوقت ذاته يتوقع أن تولّد الإيرادات النفطية القوية فوائض ضخمة جديدة في الميزانية.

وأشار بنك الكويت الوطني في نشرته الاقتصادية الأخيرة إلى أن أداء الاقتصاد الكويتي لا يزال متباينا، فالارتفاع الكبير في الإيرادات النفطية يواصل توليد زيادات هائلة في فوائض الميزانية والميزان التجاري، كما إنه يوفر درجة من الاستقرار فيما تعصف أزمات الديون وإجراءات التقشف بباقي أنحاء العالم. ولكن تبقى التحديات الهيكلية وتداعيات الأزمة المالية تثقل النمو الاقتصادي. ونتوقع أن يحافظ الاقتصاد الكويتي على وتيرة نموه المعقولة على مدى السنتين القادمتين. ولكن يبقى تسارع وتيرة النمو بقيادة القطاع الخاص مرتبطا بتسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية، بالإضافة إلى الدفع الحكومي لتنفيذ الخطة التنموية.

إنتاج القطاع النفطي يبلغ مستوى عاليا

وقفز إنتاج النفط الخام في العام الماضي ليقارب أعلى مستوى له عند 2.7 مليون برميل يوميا في الأشهر الأخيرة. وتعكس هذه الزيادة في جزء منها العودة عن التخفيضات القوية التي شهدناها في 2008/2009، وذلك في استجابة لحاجة السوق إلى مزيد من الامدادات لتعويض خسارة الإنتاج الليبي (وذلك بالتزامن مع خطوات مماثلة قام بها أعضاء أوبك الآخرون). وتبلغ قدرة الكويت الإنتاجية الكلية ما يقارب 3.2 مليون برميل يوميا. ولكن نظرا إلى إنتاج الكويت من السوائل غير نفطية، يرجح أن يكون مستوى الإنتاج الحالي أقرب إلى القدرة الإنتاجية القصوى مما توحي به بيانات إنتاج النفط الخام.

ورغم عودة إنتاج النفط الليبي بشكل أسرع مما كان متوقعا، فإن قادة أوبك – بمن فيهم الكويت – لم يعبّروا عن رغبة واضحة لخفض الزيادات في الإنتاج. وقد استمرت أسعار النفط في الواقع بالارتفاع رغم عودة إنتاج أوبك إلى الارتفاع. ويعكس ذلك مجموعة من العوامل تتضمن تراجع المخزون العالمي، والتوقعات بأن يسجل الطلب على النفط نموا مستقرا (وإن لم يكن كبيرا)، والتوقف الدوري في إنتاج بعض المنتجين الرئيسيين مثل نيجيريا، وارتفاع التوتر بين إيران والمجتمع الدولي.

وحتى في حال تراجع الإنتاج النفطي في الكويت من مستوياته الحالية، سيبقى متوسط نموه لكامل العام الحالي عند حدود 5%، فيما افترضنا سابقا أن يأتي بحدود 2%. وبما أن الإنتاج النفطي يشكل نحو 40% من الناتج القومي بالأسعار الثابتة، فإن ذلك سيوفر دفعا كبيرا للاقتصاد عموما. وتشير توقعاتنا المبدئية للعام 2013 إلى أن أسواق النفط ستحافظ على أدائها القوي، وهو ما قد يدفع الكويت إلى أن تبقي على مستوى إنتاجها الحالي من الهيدروكربون. بينما يفترض أن يرتفع متوسط أسعار النفط سنويا.

القطاع غير النفطي قوي ولكن بدرجة أقل من القطاع النفطي

على عكس القطاع النفطي، يبقى أداء القطاع غير النفطي مستقرا، ودون قدراته الفعلية، ونتوقع أن نشهد نموا بنسبة %4 سنويا خلال العامين المقبلين. وهناك ثلاثة عوامل بارزة في دعم الاقتصاد غير النفطي، هي:

السياسة المالية: على مدى السنتين الماضيتين، وفرت السياسة المالية دعما ملحوظا للاقتصاد، ولو على نحو متباين بين القطاعات، ولاسيما بالنسبة لقطاع الاستثمار الذي يعتبر بأمس الحاجة للإنفاق الحكومي. ويقدّر أن تكون المصروفات الحكومية قد ارتفعت بمعدل 26% سنويا ما بين 2009/2010 و2011/2012. وحتى لو استبعدنا بعض المكونات التي لا تؤثر على الطلب المحلي (مثل التحويلات في ما بين الدوائر الحكومية والدفعات الخارجية)، يبقى معدل النمو قويا عند 17% سنويا، توازي نحو 10% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي سنوياً. ونقدّر أن أكثر من نصف هذه الزيادة يتمحور حول القطاع الاستهلاكي. وفي ضوء ما يجري تناوله مؤخرا حول الميزانية الأولية، وكذلك الاقتراحات الجديدة بشأن الزيادات في رواتب القطاع العام، فإن الإنفاق الحكومي المحفز للطلب سيزداد على الأرجح بأكثر من 10% مجددا في السنة المالية 2012/2013.

الإنفاق الاستهلاكي:

وفرت إجراءات الإنفاق الحكومية دعما هاما لدخل المستهلكين على مدى السنتين الماضيتين، ما ساعد على بقاء نمو الإنفاق الاستهلاكي قويا. وقد تضمنت هذه الإجراءات المنحة الأميرية البالغة قيمتها 1,000 دينار لكل مواطن كويتي في شهر فبراير 2011 وسلسلة زيادات الرواتب في القطاع العام في السنة المالية 2011/2012. وقد تصل قيمة هذين الإجراءين وحدهما إلى 1.7 مليار دينار، تعادل %4 من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي في العام 2011. وستكون هناك على الأرجح دفعة الجديدة من الزيادات في الأجور والرواتب في السنة المالية 2012/2013.

ولكن الدعم الحكومي وزيادات الرواتب ليسا العاملين الوحيدين اللذين يبقيان القطاع الاستهلاكي قويا. فمعدل التوظيف يبقى مرتفعا ومستقرا، فيما يبقى معدل البطالة منخفضا جدا عند نحو %2 من القوى العاملة في نهاية العام 2011. وبالإضافة إلى ذلك، وبفضل العوامل الديموغرافية وتحسن الطلب على العمالة الأجنبية، حافظ حجم القوى العاملة على نموه القوي، متجاوزا الـ3%. وقد ساعدت كل هذه العوامل على تعزيز نمو القيمة الإجمالية للرواتب والأجور.

ارتفاع الثقة:

يوفر ارتفاع أسعار النفط دعما قويا للاقتصاد غير النفطي، ولو بشكل غير مباشر. وبما أن الكويت مصدّر صاف ومهم للنفط، فإن ارتفاع أسعار النفط يقدم أكثر من الدعم مباشر للناتج المحلي الإجمالي، فهو يعزز من التبادل التجاري للكويت مع باقي العالم. ويظهر ذلك في تحسن الثقة بين المستهلكين والمنتجين، وارتفاع احتياطات المالية التي بدورها تعزز القدرة أكبر على التعامل مع الصدمات المستقبلية، بالإضافة إلى ازدياد التوقعات بارتفاع المصروفات الحكومية في المستقبل الذي من شأنه أن يعزز التوقعات بارتفاع أرباح الشركات. لكن هذا الأثر يتباين بين قطاع وآخر،  فمستوى الثقة ونشاط سوق الأوراق المالية، على سبيل المثال، يبقيان مقيدان بعوامل هيكلية وبتداعيات الأزمة المالية

ورغم عدم تقديمها أدلة دامغة، إلا إن نمو الائتمان والبيانات الصادرة عن بطاقات السحب الآلي وبطاقات الائتمان توفر دليلا إضافيا على قوة القطاع الاستهلاكي. فقد تسارع نمو القروض الاستهلاكية، مثلا، بشكل حاد في العام 2011 ليتجاوز مؤخرا الـ10%، بينما يبقى الائتمان الممنوح إلى باقي قطاعات الاقتصاد ضعيفا (وحتى لو استثنيا القروض الممنوحة إلى الشركات الاستثمارية المتعثرة.

تحسينات هيكلية

هذه القوى الاقتصادية كافية لتحقيق نمو مستدام في النشاط الاقتصادي على مدى السنتين القادمتين، وهذا أهمية خاصة نظرا إلى حالة عدم اليقين المحيطة بالاقتصاد العالمي. ووفق توقعاتنا لأسعار النفط، سيصل حجم الاقتصادي الكويتي إلى نحو 200 مليار دولار مع حلول العام 2013، ويكون بذلك قد تضاعف تقريبا خلال سبع سنوات.

ورغم إيجابية هذه التوقعات، إلا أنها يمكن أن تكون أفضل إذا ما تمكنت الحكومة من تسريع وتيرة تنفيذ خطتها التنموية والمضي قدما في الإصلاح الهيكلي. وحتى الآن، مازالت وتيرة تنفيذ هذه الخطة التي تمتد على أربع سنوات بتكلفة قدرها 31 مليار دينار بطيئة إلى حد ما ودون الطموح. ففي السنة الأولى (السنة المالية 2010/2011)، لم يتجاوز الإنفاق الحكومي 61% من المصروفات المستهدفة والبالغة 5 مليارات دينار– وهذه النسبة كانت ستنفق في أي حال كجزء من دورة الإنفاق الرأسمالي السنوية الاعتيادية. ويتوقع أن تكون وتويرة الإنفاق مماثلة في السنة الثانية. لكن الأهم أن المشاريع القائمة على المشراكة بين القطاعين العام والخاص، والتي تمثل نحو 50% من حجم المصروفات الواردة في خطة التنمية، لم تبدأ بعد. وهذه المشاريع، في حال نجاحها، لن توفر تحديثات هامة لتحسين البنية التحتية للاقتصاد فحسب، بل إنها ستعزز أيضا دور القطاع الخاص ويمكن أن تخلق آلاف الوظائف الجديدة.

متغيرات اقتصادية أخرى

وإذا ما نظرنا أبعد من بيانات النشاط الاقتصادي، فإن مستقبل الاقتصاد الكويتي لازال يبدو قويا جدا. ، وقد تراجع معدل التضخم في أسعار المستهلك إلى 3.5% في يناير 2012 بعد أن بلغ أعلى مستوى له عند 6% في ديسمبر 2010. ويعزى هذا التراجع في جزء منه إلى انخفاض أسعار المواد الغذائية- كاستجابة لتراجع أسعار المواد الغذائية العالمية الذي شهدناه في نهاية العام الماضي. ومع ذلك، تبقى أسعار المواد الغذائية من المكونات الضاغطة على معدل التضخم العام في سلة أسعار المستهلك.

وقد جاء معظم التضخم في مؤشر أسعار المستهلك  من المكونات الأخرى للتضخم الأساس، بما فيها إيجارات المساكن وأسعار السلع والخدمات المنزلية. ورغم قوة نشاط القطاع الاستهلاكي عموما، نتوقع أن يبقى معدل التضخم سيبقى تحت السيطرة هذا العام وفي العام المقبل عند 4% سنويا، إذ مازال نمو المعروض النقدي متواضعا بشكل عام، كما أن الارتفاع الأخير في سعر صرف الدولار الأميركي- والذي يستحوذ على الحصة الأكبر من سلة العملات التي يرتبط بها الدينار الكويتي- سيساعد على بقاء أسعار الواردات تحت السيطرة على الأقل لمعظم العام 2012. ولكن سيكون على السلطات أن تراقب تأثير زيادات الأجور الأخيرة والمستقبلية على قطاع التجزئة وعلى التكلفة التي يتحملها قطاع الأعمال.

وعلى نحو متوقع، سيعزز ارتفاع أسعار النفط وإنتاجه من الوضع المالي القوي للكويت، رغم الزيادات الكبيرة في المصروفات في السنتين الماضيتين. وفي السنة المالية 2011/2012، يقدر أن يكون سعر خام التصدير الكويتي قد ارتفع بواقع 33% مقارنة بالسنة الماضية، ليبلغ 110 دولارات أميركية للبرميل في المتوسط، ما سيساعد على ارتفاع الإيرادات الحكومية الإجمالية بواقع 37%، فيما يتوقع أن ترتفع المصروفات بواقع 11%. ونتوقع أن يبلغ فائض الميزانية 11 مليار دينار، أي ما يعادل نحو 25% من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2011. وتظهر البيانات الرسمية للأشهر العشرة الأولى من السنة المالية الحالية فائضا بمقدار 14 مليار دينار، ولكن عادة ما ترتفع المصروفات بعد المراجعة في نهاية السنة.

ولم تتم الموافقة بعد على الميزانية الحكومية للسنة المالية 2012/2013، ولكن التقارير الأولية تظهر زيادة متوقعة في المصروفات تبلغ 13%. ويمكن أن ترتفع هذه النسبة بعد المراجعة في ضوء الزيادات المستقبلية في الرواتب. لكن طالما بقيت أسعار النفط مرتفعة، فمن المرجح أن تسجل الميزانية فائض كبير آخر في السنة المالية المقبلة.