الوطني: انفراجة في الاسواق العالمية خلال الربع الاول مع اعادة هيكلة ديون اليونان

قال تقرير بنك الكويت الوطني ان أسعار الأسهم والنفط العالمية واصلت في الربع الأول من العام 2012 إلى أعلى مستوايتها منذ 3 سنوات. ويعزى ذلك إلى التوقعات بتحقيق نمو ثابت، وإن لم يكن  نموا كبيرا. وقد استبعدت البيانات الصادرة مؤخراً في الولايات المتّحدة حصول ركود اقتصادي في الفترة القادمة. وأشارت البيانات الواردة من الصين وغيرها من الأسواق الناشئة إلى وجود تباطؤ (في الصادرات والإنتاج وغيرها).

بيد أن العديد من السلطات النقدية حول العالم بدأت باعتماد سياسات أكثر توسعية (الصين والبرازيل والهند)، وتشير توقعات الأسواق إلى أن هذه الاقتصادات قد تشهد تباطؤا معتدلا وانخفاضا في معدل التضخم.

وفي الوقت الحاضر، لاتزال منطقة اليورو تغوص في مستنقع الركود، ولكن المستثمرين يتوقعون أن تعود إلى النمو في النصف الثاني من هذا العام، خاصة مع التقدّم الإيجابي الذي تحقق في ما يتعلق بأزمة الديون السيادية اليونانية، وفي أعقاب تبني البنك المركزي الأوروبي سياسات اكثر توسعية (خفض أسعار الفائدة وإقراضه مبلغ تريليون يورو لمدة 3 سنوات للبنوك بنسبة فائدة تبلغ 1.0%).

وفي المقابل، مازالت بعض المخاطر قائمة، أبرزها خطر انتقال العدوى اليونانية إلى البرتغال أو إلى إسبانيا ذات الاقتصاد الأكبر، إلى جانب الضغوط الناتجة عن أسعار النفط المرتفعة مما قد يؤدي إلى تباطؤ النمو أو حتى الى انتشار الركود الاقتصادي على الساحة العالمية ككلّ

وفي أوروبا، تتواصل فصول "التراجيديا" اليونانية لتتجاوز مرحلة "الدراما"، فقد حكمت وكالات التصنيف العالمية على اليونان بأنها في وضع عجز. وأصبحت اليونان وديونها الحدث الأهم على الساحة الاقتصادية والمالية لفترة من الوقت، ولهذا فقد شكلت إعادة هيكلة الديون التي تمّ الإعلان عنها مؤخراً، إلى جانب حزمة الإنقاذ الثانية (130 مليار يورو) المخصصة لليونان، مصدر ارتياح بالنسبة للسوق، فحققت أسواق الأسهم العالمية نتائج إيجابية. وتقضي الصفقة باستبدال الديون اليونانية القائمة بدفعات ذات مخاطر أقل (صندوق الاستقرار المالي الأوروبي)، وآجال استحقاق أطول، وبسعر فائدة أقل، وذلك بهدف خفض حجم الديون السيادية اليونانية القائمة بما يقارب 107 مليارات يورو

وبالنسبة للاقتصاد العالمي، باستثناء أوروبا، فإنه إما في طور تحقيق تعافيا أو يشهد نموا معتدلا. فقد سجلت الولايات المتحدة نمواً بنسبة 1.7% (الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة) في العام الماضي، ومن المتوقع أن تحقق نمواً بنسبة مشابهة تتراوح ما بين 1.5 و2.0% في العام 2012. ومن المتوقع أيضاً أن تشهد الأسواق الناشئة تباطؤاً في النمو من نسبة زادت عن 6% إلى ما يقارب 5.5% هذا العام جراء ما يدعى بسيناريو النمو المعتدل.

في الولايات المتحدة الأمريكية، أظهرت البيانات الاقتصادية نوعا من الاستقرار بعد أن اتخذت منحى إيجابياً مفاجئاً لفترة قصيرة. وبالرغم من انخفاض معدل البطالة إلى 8.3%، أي دون عتبة 10%، إلا أنه لا يزال مرتفعاً نسبياً. في حين زادت العمالة في القطاع غير الزراعي بواقع يزيد عن 200 ألف في كل من الثلاثة أشهر الاخيرة وحققت زيادة متوسطة قدرها 245 ألف في شهر فبراير.

أما مبيعات تجارة التجزئة فقد أظهرت بدورها علامات إيجابية، فيما استقرت مؤشرات التصنيع (من فئة معهد إدارة التوريد ISM) متجاوزة عتبة 50 نقطة، الأمر الذي يشكل دلالة على تحقيق نمو اقتصادي. ومن المتوقع أن تستمر مشاكل الموازنة والمشاكل المالية التي تواجهها الولايات المتحدة الأمريكية حتى الانتهاء من الانتخابات الرئاسية في نوفمبر، في حال أمكن ذلك عندها.

ومن ناحية أخرى، لا يزال تركيز المستثمرين على الجودة يدعم الدولار الأمريكي وأسعار الفائدة المنخفضة. وفي هذا السياق، تشير توقعات مجلس الاحتياط الفيدرالي أيضاً إلى بقاء أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة تقارب الصفر حتى العام 2014.

وقد ساعد التقدم على صعيد أزمة الديون السيادية لليونان (التي لم تحل كليا حتى الآن)، إضافة إلى البيانات الاقتصادية التي جاءت أفضل من التوقعات في الولايات المتحدة، في دفع أسواق الأسهم إلى الارتفاع لأعلى مستواياتها في 3 أعوام، أو قرابة ذلك، بما في ذلك مؤشر داو جونز الذي أغلق فوق 13,000 نقطة (أعلى مستوى له خلال فترة ما بعد بنك ليمان برذرز).

وقد ارتفعت أسعار الفائدة للأجل الطويل في الولايات المتحدة الأمريكية على خلفية هذه التطورات، مع عودة أسعار الفائدة للسندات الأميركية لأجل 10 سنوات إلى حدود 2.25%. وقد أكد تقرير غير معلن للجهات التي قدمت المساعدة لليونان (المفوضية الأوروبية/ البنك المركزي الأوروبي/ صندوق النقد الدولي) بأن حزمة الإنقاذ الجديدة من شأنها أن تسهم في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لليونان إلى معدل 120% بحلول العام 2020، إلا أن هذه التوقعات ترتكز إلى حد بعيد على مجموعة من الظروف الحساسة (نمو الناتج المحلي الإجمالي، تحصيل الضرائب، الإصلاحات، وغيرها...)، وهو ما لا يبدد الشكوك.

وقد دفعت إحدى التقارير غير المعلنة لمجلس الاحتياط الفيدرالي إلى الكشف عن نتائج اختبارات الضغط المصرفية بشكل مبكر (لأكبر 19 مؤسسة مصرفية في الولايات المتحدة). وقد أظهرت هذه النتائج بأن 15 مصرفاً من هذه المصارف الكبرى ستتمكن من تحمل الضغوط الحادة على مدى السنتين القادمتين برؤوس أموالٍ كافية، في حين تحتاج المصارف الأربعة المتبقية إلى تصحيح وضعها. واعتمد التقرير سيناريوهات حادة بالفعل مثل ارتفاع معدل البطالة إلى 13%، وهبوط أسعار العقارات بنسبة 21%، وهبوط أسعار الأسهم بنسبة 50%. وتجدر الإشارة إلى أن هذه النتائج الإيجابية نسبياً قد أسهمت في دعم أسهم القطاع المالي في الولايات المتحدة الأمريكية عند الإعلان عنها

مع استقرار أسعار النفط عند مستوايتها المرتفعة، يتوقع أن يحقق الناتج المحلي الإجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي نمواً بواقع 4.6% بالأسعار الثابتة هذا العام. فأسعار النفط تقارب أعلى مستواياتها في ثلاث سنوات نظراً لثبات الطلب والتوترات الجيوسياسية (في نيجيريا وليبيا وإيران...). ومن شأن أسعار النفط المرتفعة أن تدعم قدرة المنطقة على تعزيز الإنفاق الحكومي والتوسع في مشاريعها الضخمة. ونظرا إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يشكل تهديداً للانتعاش الاقتصادي العالمي في مرحلة ما، أعاد المسؤوون السعوديون التأكيد على استعدادهم لتعويض أي خسارة أو نقص في المعروض النفطي

وعلى الصعيد العالمي، يعتبر صناع السياسة النقدية الارتفاع الذي تشهده أسعار النفط حالة مؤقتة، ومازالوا ملتزمين بتوفير "المال السهل"، رغم أنهم بدأوا يشيرون إلى مراقبتهم الحذرة للأسواق. كما أن مجلس الاحتياط الفيديرالي والبنوك المركزية التي تتبنى سياسات التحفيز الكمي باتوا يفكرون بكيف  يخفضون مما يحملونه من أصول عندما يحين الوقت المناسب لذلك. وقد يكون من المبكر قليلاً اتخاذ إجراء فعلي في هذا الإطار، ولكن الاحتياط الفيدرالي - تحديدا- حريص على مراقبة توقعات التضخم على ضوء البيانات الاقتصادية الإيجابية والضغوط المحتملة على أسعار الفائدة للأجل الطويل.

×