تحليل:الاقتصاد الخليجي يستطيع التأقلم مع ركود عالمي يلوح في الافق

أكد وزراء المالية الخليجيون  أن اقتصاداتهم تستطيع التأقلم بشكل مريح مع ركود عالمي يلوح في الافق. وقد تبين خلال الازمة الاقتصادية الاخيرة أن تفاؤلهم لم يكن في محله لكنهم يقفون هذه المرة على أرض أكثر صلابة.

ومن المرجح أن يكون النمو مدعوما ببرامج الانفاق الحكومي الكبيرة التي أطلقت لاسباب سياسية واقتصادية معا.

وليس هناك مجال كبير لانفجار فقاعات لاسعار الاصول كما كان الحال في الازمة الاخيرة قبل ثلاث سنوات. وعلاوة على ذلك فان الانظمة المالية أصبحت أقوى من بعض النواحي.

وقال فابيو سكاتشيافيلاني كبير الاقتصاديين في الصندوق العماني للاستثمار "دول المنطقة فوجئت" بالازمة العالمية في 2008-2009. وأضاف "هذه المرة هم مستعدون بشكل أفضل .. تحسنت قدرات ادارة الازمات."

وضربت أزمة 2008-2009 عصب اقتصادات السعودية والكويت والامارات العربية المتحدة وقطر والبحرين وسلطنة عمان. وهوت أسعار خام برنت 75 بالمئة في ستة أشهر لتصل الى 36 دولارا للبرميل مما جعل النمو يتداعى.

وانكمش الناتج المحلي الاجمالي في الكويت والامارات في 2009 ونجت السعودية بصعوبة من الركود لتنمو 0.6 بالمئة فقط في ذلك العام. وهوت أسواق الاسهم أكثر من 50 بالمئة وانهارت أسعار العقارات مما أجبر مجموعة دبي العالمية احدى الشركات القابضة الرئيسية لحكومة دبي على التعهد باعادة هيكلة ديون بقيمة 25 مليار دولار.

والان بدأ بعض المستثمرين يتحوطون من خطر تكرار ما حدث في الخليج مع تدهور أفق الاقتصاد العالمي. وارتفعت تكلفة التأمين على ديون دول خليجية الاسبوع الماضي اذ ارتفعت مبادلات الالتزام مقابل ضمان لامارة دبي الى أعلى مستوياتها في ما لا يقل عن ستة أشهر.

ومن الواضح أن اقتصادات الخليج بدأت تتباطأ بشكل كبير. فقد سجل مؤشر ساب اتش.اس.بي.سي لمديري المشتريات في السعودية والذي يقيس نشاط قطاعي التصنيع والخدمات أدنى مستوى في 18 شهرا في أغسطس اب بينما سجل مؤشر الامارات أدنى مستوى في 15 شهرا.

وقالت الشركة المشغلة لمطار دبي الدولي يوم الاحد ان أحجام شحنات البضائع في المطار تراجعت 7.9 بالمئة في أغسطس عن مستواها قبل عام وهو ما يرجع جزئيا الى حالة عدم اليقين الاقتصادي في الولايات المتحدة وأوروبا.

لكن الاقتصادات الخليجية الرئيسية تواجه الازمة هذه المرة وهي في موقف مختلف. فالسياسة المالية أكثر توسعا في عديد من الدول اذ أعلنت السعودية في فبراير شباط ومارس اذار أنها ستنفق 130 مليار دولار اضافية - يفترض أن تكون على مدى عدة سنوات - على الاسكان ومكافات لموظفي الدولة وخلق وظائف ومشروعات أخرى.

وجرى تبني هذه السياسات في الاساس لاحتواء خطر الاضطرابات السياسية أثناء احتجاجات الربيع العربي في أنحاء الشرق الاوسط. لكن اتضح أنها جاءت في وقت ممتاز من الناحية الاقتصادية اذ أن مفعولها يسري مع بدء تباطؤ النمو العالمي.

في غضون ذلك صنعت الاقتصادات الخليجية الغنية خلال السنوات القليلة الماضية شبكة أمان مالي غير رسمية للمنطقة اذ تعهدت السعودية وجيران أغنياء بمليارات الدولارات لتحسين الاسكان والرعاية الاجتماعية في البحرين وسلطنة عمان وقدمت أبوظبي تمويلا طارئا لدبي.

وهذه الشبكة وان كانت محدودة في الحجم ومرهونة بالاهواء السياسية الا أنه تم ارساء مبدأ المساعدة المتبادلة الذي كان أقل وضوحا عند بداية الازمة الاخيرة.

واذا حدث انهيار جديد في أسعار النفط فانه سيكون أصعب على دول الخليج أن تنفق ما يلزم للخروج من الازمة اذ أنه مع نزول الاسعار عن 104 دولارات الاسبوع الماضي تركز الاسواق على المستويات الدنيا التي تحتاجها الدول لضبط ميزانياتها. وبالنسبة للسعودية يرى المحللون أن هذا المستوى ارتفع الى نحو 90 دولارا بسبب نمو الانفاق الحكومي.

لكن حتى هبوط أسعار النفط لفترة مؤقتة الى المستوى المسجل في الازمة الاخيرة لن يسبب كارثة بالضرورة.

ويقول فاروق سوسة كبير الاقتصاديين لمنطقة الشرق الاوسط في سيتي ان الحكومة السعودية يمكن أن تحافظ على الانفاق اذا قررت ذلك عن طريق السحب من احتياطيات مالية قدرها 280 مليار دولار. ويعادل هذا المبلغ أكثر من اجمالي نفقات الحكومة في عام. وعلاوة على ذلك يمكنها أن تمول جزءا من أي عجز في الميزانية من خلال أسواق رأس المال المحلية.

وقال سوسة "اذا قرروا أنهم في حاجة لذلك يمكنهم تمويل العجز لسنوات. هناك سيولة وفيرة على المستوى المحلي."

وقال انه نظرا لان السعودية تتحكم فعليا في معروض النفط فانه ليس من المرجح أن يحدث تغير أساسي في التوقعات الاقتصادية طويلة الاجل الا اذا حدثت صدمة كبيرة في الطلب. وأضاف أن هذه الصدمة ستكون على الاغلب تغيرا تكنولوجيا اذ أن الركود في العالم المتقدم لن يكون خطيرا الى هذا الحد.

وخلصت مؤسسة فيتش للتصنيف الائتماني الى استنتاج مماثل حين ثبتت تصنيف أبوظبي عند ‪AA‬ الاسبوع الماضي.

وقال ريتشارد فوكس المحلل لدى فيتش "الازمة المالية العالمية في 2008- 2009 كانت اختبار تحمل قاسيا لابوظبي لكنه اختبار لم يلحق ضررا يذكر بميزانيتها العمومية. وأي اختبار مستقبلي لا بد أن تكون عواقبه أشد من ذلك ليستدعي قرارا سلبيا بشأن التصنيف."

ومن الضربات العنيفة التي تعرضت لها منطقة الخليج في خضم الازمة الاخيرة تهاوي أسعار الاسهم والعقارات مما أسهم في الكشف عن فجوة متسعة في الميزانية العمومية لشركات دبي. وأدى هذا لهروب رؤوس الاموال من بعض الاقتصادات في المنطقة مما ضغط على سيولة البنوك التجارية.

ومن المتوقع أن يستغرق اصلاح الميزانيات العمومية لشركات دبي معظم العقد الحالي وستؤدي أزمة مالية جديدة الى تعقيد العملية وقد تحول بين هذه الشركات وبين اصدار أدوات دين في الاسواق العالمية المضطربة.

لكن محللين يعتقدون أن دعم أبوظبي المالي سيساعد على تعويض أي تعذر في الحصول على تمويل من الاسواق وذلك في الاجل المتوسط على الاقل. ونظرا لان فقاعات أسعار الاصول في الخليج قد انفجرت بالفعل فان مخاطر تضرر التدفقات الرأسمالية أصبحت أقل.

وهذا يساعد على تفسير تفوق دبي وأسواق أسهم خليجية أخرى على العديد من الاسواق الاخرى خلال الاشهر الماضية مع تدهور الاوضاع العالمية. وأسهم دبي منخفضة 14 بالمئة عن ذروتها هذا العام بينما الاسهم العالمية حسبما يقيسها مؤشر ام.اس.سي.اي لاسهم كل دول العالم منخفضة 23 بالمئة.

ويقول سكاتشيافيلاني كبير الاقتصاديين في الصندوق العماني للاستثمار ان السلطات لديها من الادوات التي تحمي النظم المالية أكثر مما كان لديها عند بداية الازمة الاخيرة. وقد استحدثت البنوك المركزية الخليجية وسائل جديدة للمحافظة على سيولة أسواق النقد وبدأت بعض الدول تطور نظما لتأمين الودائع. وأصبحت سوق السندات الاقليمية أكثر نشاطا وسيولة مما يتيح للبنوك التجارية قناة جديدة للحصول على الاموال.

وقال صندوق النقد الدولي في أحدث تقاريره للتوقعات الاقتصادية الذي نشره الاسبوع الماضي ان الدول الخليجية المصدرة للنفط تحتاج لاصلاح اقتصاداتها وتنويعها وتنبأ بتباطؤ نمو العديد من تلك الدول في العام المقبل. لكنه لا يتوقع أن يكون التباطؤ شديدا كما كان في 2008-2009 اذ من المتوقع أن يتباطأ النمو في السعودية الى 3.6 بالمئة في 2012 من 6.5 بالمئة هذا العام.

وكان صندوق النقد الدولي قد قلل في بداية الامر من خطورة الازمة الاخيرة وربما يكرر ذلك في هذه الازمة أيضا. لكن توقعاته تقر بدور الانفاق الحكومي في المحافظة على النمو في الخليج.

وقال كبير الاقتصاديين في بنك اقليمي كبير "نحن جزء من الاقتصاد العالمي .. لا يمكننا تحاشي اثار التباطؤ ... لكن لا أحد يتحدث عن ركود في الخليج.

×