غرفة التجارة: الاخفاق السياسي أخطر ما يهدد جهود التنمية

أعدت غرفة تجارة وصناعة الكويت ورقة  ترمي إلى هدفين اثنين، أولهما؛ التنبيه إلى أهمية "الشرعية التنموية" ودورها في تحصين "الشرعية السياسية". وثانيهما؛ إبداء الرأي في إطار التعامل مع تداعيات الأزمة المالية – الاقتصادية العالمية، وحزمة الحلول والإجراءات الممكنة لمعالجتها.

وتعتقد الغرفة أن الاحتقان المستمر في الممارسة الديموقراطية الكويتية، لم يعد يمثل أهم معيقات الإصلاح التنموي فحسب، بل أصبح يشكل - أيضاً - ضغوطاً كبيرة تحول دون تعافي القطاعات الإنتاجية غير النفطية في البلاد من تداعيات الأزمة المالية – الاقتصادية العالمية لذا أعدت هذه الورقة والتي حصلت "كويت نيوز" على نسخة منها وتنشر نصها:

على مدى العقدين الماضيين ، اتسم المشهد السياسي والاقتصادي في الكويت بظاهرتين اثنتين : أولاهما ؛ تأزم مستمر ومتصاعد في الممارسة الديموقراطية ، والثانية ؛ اختناقات عميقه ومعيقة للعملية التنموية. وعلى مدى العقدين الماضيين ، ثبت – بالتجربة المكلفة والمتكرره – أن بين الظاهرتين ارتباطاً عضوياً وثيقاً يجعل من العبث التعامل مع أي منهما بمنأى عن الأخرى. فالإخفاق السياسي أصبح أخطر ما يهدد جهود التنمية، والإخفاق التنموي أصبح أقوى دوافع الإضطراب السياسي في منطقتنا.

وإذا كان التصدي الخجول والمتردد لتداعيات الازمة المالية والإقتصادية العالمية قد أضاع علينا فرصة توظيف الارتفاع الكبير بأسعار النفط خلال السنوات الخمس الأخيره لتسريع خطى الاصلاح والتنمية ، فإن المخاض السياسي والإجتماعي العنيف الذي تعيشه منطقتنا قد ارتفع بضغوط التأزيم السياسي إلى حواف الخطوط الحمراء.

وفي اعتقادنا أن هذه الاشكالية القائمة بين تأزم الممارسة الديموقراطية وبين انتكاس جهود التنمية ، هي التي دعت حضرة صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح حفظه الله ورعاه ، إلى أن يشكل في أغسطس 2011 " اللجنة الاستشارية لبحث التطورات الاقتصادية بشأن مسيرة الاصلاح المالي والاقتصادي ". كما أن هذه الاشكالية هي التي دعت سموّه الى الاجتماع في سبتمبر 2012 مع الفريق الاقتصادي الحكومي ليزوده بتوجيهاته بضرورة الاسراع في معالجة الجمود الاقتصادي الراهن ، والذي زاده التأزيم السياسي تعميقاً وتعقيداً.

تفاعلاً مع هذا الاهتمام السامي بالشأن الاقتصادي ، واداء للواجب الوطني والمهني ، وبعد أن أصبحت تداعيات الازمة المالية والإقتصادية العالمية تشكل قيداً مرهقاً لجهود التنمية والاصلاح في الكويت ، تتابع غرفة تجارة وصناعة الكويت جهودها التي بدأت مع بداية الأزمة المالية العالمية المذكوره ، فتصدر ورقتها هذه التي ترمي إلى هدفين اثنين : توضيح حقيقة وخطورة الأزمة الراهنة والملحّة التي تعانيها القطاعات الانتاجية غير النفطيه وتلمّس المنطلقات السليمة لمعالجتها من جهة ، والقاء الضوء على عدد من الحقائق الرئيسية التي تحكم العلاقة بين الممارسة السياسية والتنمية الاقتصادية في دولة الكويت من جهة ثانية. 

وفي هذا الصدد ، لا تجد الغرفة داعياً لأن تسوق شواهد على الاحتقان السياسي المتصاعد ، اذ  تغنيها عن ذلك صورة القرار التنموي التائه بين مجلس أمة أبطله القضاء ، ومجلس أمة عّطله الاقصاء ، وبين حكومة تعذر عليها أن تؤدي قَسَمها ، ومعارضة أضعف الانفلاق مصداقيتها. كما لا تجد الغرفة داعياً لأن تعرض في ورقتها هذه للمشاكل والتحديات الهيكليه للاقتصاد الكويتي ، فهذا الموضوع " قتلته " بحثاً مئات الدراسات الدوليه والمحلية.  خاصة وانه لم تمض الا فترة قصيره على تقرير اللجنة الاستشارية المشار اليها أعلاه ، والذي تتفق الغرفة مع تحليله وتوصياته إلى حدٍ بعيد.

ولكن الغرفة تجد من واجبها - كمؤسسة وطنية اقتصادية – أن تعرض بعض المؤشرات التي تساعد في تأكيد المأزق الراهن الذي تعانيه جهود التنمية في الكويت ، وتحدد طبيعته ، وتساهم – بالتالي – في البحث عن مخارجه.

أولاً – مؤشرات عن تعثر التنمية والائتمان

-رغم كل التحفظات على طريقة احتساب نسبة تنفيذ خطة التنمية ، فإن هذه النسبة لم تتجاوز 38% ، يدخل ضمنها حوالي 112 مشروعاً لم يبدأ العمل بها بعد.

-بين السنتين الماليتين 2000/ 2001 و 2010 / 2011 ، كان الإنفاق الإستثماري العام متقلباً وضئيلاً ، إذ تراوحت نسبته إلى إجمالي الانفاق العام بين 5. 7 و 2 . 14 بالمائه ، بمتوسط بلغ 6. 10 %.

-تراوحت مساهمة الإيرادات غير النفطية في الإيرادات العامة بين 8.8 % ، 5.6 % و 7.2 % في السنوات المالية المنتهية في 2001 و 2005  و 2011 على التوالي.

-في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين ازداد اجمالي الانفاق العام على الرواتب والدعم من 6. 3 الى 5 . 10 مليار د. ك  وازداد الانفاق العام على المستلزمات السلعية والخدمات ثمانية مرات من 366 مليون إلى أكثر من ثلاثة مليارات د. ك.

-انخفضت نسبة مساهمة القطاع الخاص في تكوين رأس المال الإجمالي من 7. 63 % عام 2008 إلى 23% عام 2011 ( من 4450 الى 1600 مليون د. ك ) ، أي أن كل طموحات خطة التنمية لتعزيز دور القطاع الخاص أصيبت بنكسة حاده.

-تراجعت استثمارات القطاع الخاص بنسبة 75% في الصناعة التحويلية ، 70% في النقل والمواصلات ، و60% في التمويل والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال ، و27% في التجارة والفنادق والمطاعم.

-بين عامي 2009 / 2010 و 2011/2012 ، ارتفعت تسهيلات الجهاز المصرفي إلى القطاع الخاص بنسبة 6% ( من 27 إلى 6. 28 مليار د.ك.) ، بينما ارتفع حجم ايداعات القطاع الخاص في البنوك المحلية بنسبة 8. 12% ( من 8. 24 الى 28 مليار د.ك ). أي أن معدل نمو الايداعات كان أكثر من ضعف معدل نمو الائتمان نظراً لضعف الثقة ، وضآلة الفرص الاستثمارية.

-في السنة المالية 2010/2011 ، وصلت أرصدة الجزء النقدي المستخدم من التسهيلات الإئتمانية المقدمة من البنوك المحلية إلى مختلف القطاعات الإقتصادية المحلية إلى نحو 26 مليار د.ك ، بزيادة نسبتها 3% عن نهاية السنة المالية السابقة ( 3, 25 مليار ). وقد استأثرت التسهيلات الشخصية وحدها بنسبة 3. 35 % من  هذا الرصيد وبنمو نسبته 1. 9 % عن السنة المالية السابقة ، مقابل زياردة نسبتها  7. 6 % للتسهيلات الممنوحة للصناعة ، و7 . 5 % للتجارة ، و7.1 % للعقار . وانخفاض نسبته ( - 3.18 %) في تسهيلات المؤسسات المالية عدا المصارف ، و ( - 3 .2 ) للإنشاء .

-بين الربع الثالث من عام 2008 ونهاية يونيو 2012 ، تراجعت قيمة الأسهم المدرجة في سوق الكويت للأوراق المالية بنسبة 50% .

-حتى نهاية عام 2011 ، ارتفعت مخصصات الجهاز المصرفي لمواجهة القروض غير منتطمة السداد إلى 8. 2 مليار د.ك. ومن المتوقع أن تحتاج المصارف إلى ما يقارب هذا المبلغ إذ استمر الانخفاض في قيم الاصول.

-بعد عشرين عاماً من اليوم (عام 2032)، سيكون العجز التراكمي للميزانية العامة أكثر من 282 مليار د.ك ، بافتراض سعر برميل النفط 75 دولاراً، وسينخفض هذا العجز إلى 154 مليار ، ثم إلى 61 مليار ، ثم إلى 10 مليار ، بافتراض سعر البرميل 100، 125، و150 دولار على التوالي.

-حسب مؤشرات تقرير التنافسية الكويتية للعام 2011/2012، يأتي ترتيب الكويت أخيراً بين دول مجلس التعاون الخليجي في: التعليم العالي والتدريب، كفاءة سوق السلع، كفاءة سوق العمل، الجاهزية التكنولوجية، تطور الأعمال، الابتكار، الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا. ويأتي ترتيب الكويت أخيراً، أو في المرتبة 11 من أصل 12 دولة تضمها عينة منتقاة تتألف من دول مجلس التعاون الخليجي وكل من: النروج ، استونيا، سلوفينيا، سلوفاكيا، قبرص، وسنغافوره.

-أما عن مؤشر مدركات الفساد، فقد تدهور ترتيب الكويت عالمياً من المركز 35 عام 2003 إلى المركز 66 عام 2011، لتصبح بذلك أسوأ دول مجلس التعاون الخليجي بهذا المؤشر.

-ولعل تدهور موقع الكويت في مؤشر مدركات الفساد يجد تفسيره في مؤشرات بيئة الأعمال، حيث نجد أنه – وفقاً لتصنيف ممارسة الأعمال لعام 2012 الذي تصدره مؤسسة التمويل الدولية – "ما زال الاقتصاد الكويتي يعاني مشكلات كبرى من ناحية اللوائح المنظمة للأعمال وتطبيقها، وبصفة خاصة فيما يتعلق بمؤشر تأسيس الشركات (ترتيب 142) وارتفاع تكلفة الإجراءات اللازمة لذلك. كما تأتي الكويت في المراتب 121 للحصول على ترخيص بناء، 98 للحصول على ائتمان، 112 للتبادل التجاري عبر الحدود، و117 لتنفيذ العقود.

-وما يزيد في ألمنا واستغرابنا لهذه المؤشرات القاتمة، أن الكويت تأتي الأولى بين دول مجلس التعاون الخليجي، والأولى بين دول العينة المشار إليها أعلاه، والثالثة بين دول العالم، في مؤشر استقرار الاقتصاد الكلي، والذي يتكون من المؤشرات الفرعية التالية: معدل الادخار، توازن الميزانية العامة، الدين الحكومي، تصنيف ائتمان الدوله، والهامش بين معدل الفائدة ومعدل التضخم.

ثانياً - قراءة سريعة في المؤشرات المذكوره

1-من المعروف أن الاقتصاد الكويتي يعاني من اختلالات هيكلية رئيسية ثلاثة تتجلى في تركيبة السكان والعمالة، والاعتماد على مصدر شبه وحيد للدخل ، وهيمنة القطاع العام . غير أن مؤشرات التنافسية الكويتية تذهب إلى أبعد من ذلك لتؤكد أن اخفاقنا في تحقيق أي تقدم يذكر في التصدي لهذه التحديات الثلاثة قد أدى إلى ضعف عام في بنية  الاقتصاد الكويتي وبيئته وإدارته.

2-رغم مظاهر ومؤشرات التعثر التنموي ، شهد العامان الأخيران " انفلاتاً " غير مسبوق في مستويات الإنفاق العام الجاري ، وهو الإنفاق الذي يصعب تخفيضه مستقبلاً، والذي يشكل ضغطاً هائلاً على الانفاق العام الاستثماري، وعلى الاستقرار النقدي وسعر صرف الدينار . وبالتالي ، على كل جهود التنمية.  

3-أدى تواضع نسبة تنفيذ الخطة الإنمائية (2010- 2014) ، واتخاذ قرارات وإجراءات متعارضة مع أهدافها، إلى أن يكون حال الاقتصاد الكويتي اليوم أسوأ مما كان عليه قبيل اعتماد الخطة والبدء في تطبيقها ، وخاصة من حيث الأهداف الرئيسية للخطة والمتمثلة بتوسيع القاعدة الانتاجية، وتعزيز دور القطاع الخاص، واجتذاب العمالة الوطنية نحو القطاع الخاص، وتحسين التنافسية الاقتصادية للبلاد.

4-رغم ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي في السنوات الأخيرة، ورغم ما سجلته الموازنة العامة للدولة من فوائض مالية ضخمة (مايناهز 70 مليار دينار بين عامي 2007و 2012) وما حققه الحساب  الجاري من نتائج إيجابية عالية، لم يستطع الاقتصاد الكويتي أن يتعافى من تبعات وانعكاسات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية التي ضربت الاقتصادات المتقدمة في النصف الثاني من سنة 2008 ، وللتعرف على مدى هشاشة نظامنا الاقتصادي في حال استمرار غياب الجهود الإصلاحية ، يكفي أن نتصور نتائج وتداعيات هذه الأزمة العالمية لو رافقها انخفاض في أسعار النفط .    وقد تجلت انعكاسات الأزمة المالية الاقتصادية بشكل خاص بظواهر ثلاث: أولاها؛ انخفاض معدل نمو الائتمان المصرفي نتيجة ضعف الثقة في قطاعي العقار والاستثمار ، وتركز هذا الائتمان في قطاعي النفط والتسهيلات الشخصية على حساب القطاعات الانتاجية غير النفطية كالصناعة والتجارة والإنشاء. أما الظاهرة الثانية ،  فهي انخفاض نسبة الإنفاق الاستثماري وتعطل أو تأخر تنفيذ مشروعات خطة التنمية بسبب العوائق التي حالت دون انتشار الائتمان المصرفي في كل الجسم الاقتصادي . أما الظاهرة الثالثة لانعكاسات الأزمة المالية العالمية ، فتمثلت بإنخفاض رسملة سوق الكويت للأوراق المالية انخفاضاً كبيرا ، نتيجة الخسائر الفادحة التي لحقت بشركات الاستثمار بشكل خاص، ونتيجة الانخفاض الحاد في ارباح الشركات المدرجة الأخرى ، ناهيك عن وجود ما أطلق عليه تعبير " الأسهم المسمومة" ، والتخوف من أثرها على بقية الاسهم.

نستخلص من هذا كله ، أنه بالرغم من ارتفاع السيولة لدى الجهاز المصرفي ، فإن هناك نقصاً كبيراً في التمويل المتاح للقطاع الخاص على وجه العموم.    وبتعبير آخر، يمكننا توصيف الأزمة الاقتصادية الأكثر خطورة وإلحاحاً في الوقت الراهن بإنها أزمة تمويل وائتمان بالدرجة الأولى ، أو ازمة إدارة الائتمان إن جاز  التعبير . فالأموال متوفرة والسيولة في أفضل أوضاعها، ولكن ضعف الثقة وتعطل المشاريع واستمرار تدهور قيم الأصول ، فضلاً عن التشنج السياسي تمنع هذه السيولة من التدفق في الاقنية التنموية الصحيحه ، وفي الإتجاهات السليمه. ولعل هذه الحال بالذات هي ما قصد إليه يوجين بلاك رئيس البنك الدولي حين كتب عام 1970 يقول : " إن كفاءة استعمال المال لا تقل أهميّـة عن توفره ".

ثالثاً - منطلقات أساسية لاستكمال معالجة تداعيات الأزمة المالية العالمية

لا تحاول الغرفة هنا ان تطرح مقترحات محددة ومفصلة تكفل تعافي الاقتصاد الكويتي من تداعيات الأزمة المالية العالمية. فمثل هذه المهمة تحتاج إلى قاعدة واسعة من البيانات لا تتوفر إلا للجهات الرسمية المختصة. غير أن الغرفة – ومع إداركها التام لهذه الحقيقة واحترامها الكامل لدور تلك الجهات- تجد من حقها ومن واجبها في آن معاً ان تبدي رأيها في الإطار العام الذي يجب أن تبقى المعالجة المطلوبة ضمن حدوده ، وفي المنطلقات الاساسية التي تضبط تكاليف هذه المعالجة ، وتضمن جدواها وعدالتها، فلا تنحرف لانقاذ أحد ، ولا تنجرف وراء الضغوط ، كما لا تنحسر تهيباً لمسؤولية القرار.  

1-لا معالجة للأزمة دون تدخل المال العام :  

ليس ثمة شك في أن بنك الكويت المركزي والفريق الاقتصادي الذي تعاون معه عند بداية الأزمة، قد نجحا في تحصين الجهاز المصرفي وإمداده بالسيولة الكافية. وهذا بالذات ما قامت به كل الدول في معالجتها لتلك الأزمة ، خشية أن تتحول مشكلة السيولة إلى مشكلة ملاءه. غير أن الكفاءة الاقتصادية للسيولة تعتمد على مقياسين اثنين هما الحجم والانتشار. ولئن نجح البنك المركزي في توفير حجم السيولة الكافي، فإن انتشار هذه السيولة في الجسم الاقتصادي بكل قطاعاته وأنشطته مازال متعثراً نتيجة التحفظ الشديد الذي يتمسك به الجهاز المصرفي في تقديم تسهيلاته الإئتمانية ، وهو تحفظ مبرر ومفهوم في ظل الانخفاض الكبير في أسعار الأصول، وضرورة حماية أموال المودعين التي تضمنها الدولة. ومن هنا، يصبح تدخل المال العام ضرورة لازمة لتوفير الأموال التي تسمح بعودة أسعار الأصول إلى مستويات عادلة، وتهيئ لكافة القطاعات الاقتصادية قنوات تمويل فاعله. وتدخّل المال العام بهذا المعني لا يقتصر على الشكل النقدي – مع التأكيد على أهميته – بل يمكن أن يأخذ صيغاً أخرى كثيرة كالضمان والكفالة والسندات والصكوك.

كما أن تدخل المال العام لا ينحصر في الإقراض، بل يمكن أن يكون – أيضاً – من خلال مشاركة حقيقية في ملكية وادارة الشركات التي تستعين بالمال العام. ولابد من التذكير هنا بأن الغاية الأساسية  لتدخل المال العام تتمثل في تجنب تكلفة مالية أعلى وتكلفة اجتماعية أخطر. علماً أن نجاح هذا التدخل يعني مردوداً اقتصادياً واجتماعياً عالياً على صعيد الاقتصاد الوطني ، ويحمل فرصة طيبة بأن يحقق المال العام ذاته عائداً مجزياً.

2-على القطاع الخاص أيضاً أن يساهم في معالجة الأزمة :

ومثل هذه المساهمة يمكن أن تأخذ أشكال مختلفة ، أهمها،

أ -زيادة رؤوس أموال الشركات المتعترة لكي تؤهل نفسها وترفع من ربحيتها وملاءتها،  لتكون جديرة بالاستفادة من البرامج التي يمكن أن تقرها الدوله مساعدة لهذه الشركات على تجاوز صعوباتها.

ب-الإندماج بهدف توسيع السوق، وتخفيض التكلفه، وتوزيع المخاطر، فضلاً عن التأهل للحصول على تمويل أفضل. وهنا ندعو إلى أن تقدم الادارة الاقتصادية حزمة مدروسة من الحوافز التي تشجع الشركات على هذا الاندماج . ولطالما كرر بنك الكويت المركزي الدعوة إلى الاندماج باعتباره ملاذاً أساسياً لانقاذ الشركات.

ج-فتح المجال أمام المواطنين للمساهمة في الصناديق أو المحافظ أو الشركات التي يمكن أن تؤسسها الدولة لتملك الأصول المرتهنة وإدارتها وفق معايير وشروط واضحة.

3-زيادة نسبة وحجم الانفاق العام الاستثماري :

بغية الحد من الإنعكاسات السلبية للأزمة المالية العالمية، اتخذت السلطات النقدية في الكويت تدابير عديدة، فصدر قانون ضمان الودائع المصرفية، وجرى تخفيض سعر الخصم ، وتم تعزيز السيولة في الجهاز المصرفي، ورفعت نسبة الإقراض إلى حجم الودائع. وينصب الدور الأكبر في المرحلة الحالية على السياسة المالية المتمثلة في زيادة الإنفاق العام لما له من تأثير مباشر ومضاعف على كافة القطاعات والنشاطات الاقتصادية. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن زيادة الانفاق العام لا تتحقق بمجرد زيادة المبالغ المعتمدة في الموازنة العامة، بل لابد من تنفيذ انفاق فعلي لكامل المبالغ المعتمدة. والزيادة المطلوبة في الانفاق العام يجب أن يوجه أقصى ما يمكن منها إلى المشاريع الكبرى ذات التأثير السريع في تحريك السيولة بين الأنشطة المختلفة، والتي تشكل قاطرة للمزيد من المبادرات الخاصة الداعمة للنمو.

4-العمل على استعادة توازن سوق الكويت للأوراق المالية :

عند انفجار الأزمة المالية العالمية، قاد البنك المركزي فريق عمل لبحث تداعيات الأزمة على الإقتصاد الكويتي، وقد أوصى الفريق بإيجاد محفظة استثمارية طويلة الآجل تختص بالاستثمار في سوق الكويت للأوراق المالية وفق أسس مهنية للمساعدة على استقراره. وفي اعتقادنا أن إعادة دراسة هذه التوصية في ضوء الأوضاع الحالية للسوق أمر جدير بالاهتمام. وهو مقترح يمكن أن يطّور بحيث يكون مدخلاً لمبادرة تدعمها الدولة لتوسيع القاعدة الوطنية لملكية الشركات المساهمة.

وإذا كان من واجبنا الاقرار بأن تجربة هذه المحفظة لم تحقق نجاحاً يذكر عام 2009، فإن من الموضوعية أن نذكر أيضاً بأن هذه الحقيقة تعود إلى سببين ، أولهما ؛ أن المحفظة باشرت عملها متأخرة ، وبأسلوب متردد وحجم متواضع وأجواء متناقضة .

وثانيهما ؛ أن المحفظة كانت جزء من برنامج متكامل ، تهاوت قاعدته الأساسية التي كانت متمثلة بإنشاء محفظة أو شركة لشراء أصول الشركات الاستثمارية المتعثرة ، على أساس استردادها بعد فترة محددة (REPU).

وبسبب عدم الأخذ بهذا البرنامج ، عجزت المحفظة الاستثمارية برأسمالها المتواضع عن حمل العبء منفردة . وهذا ما يذكرنا بمقترح شراء الأصول المرتهنه مع خيار الاسترداد ، والدعوة إلى إعادة تقييمه.

5-دعم استقرار الجهاز المصرفي :

بهدف دعم استقرار الجهاز المصرفي ، ومنعاً لأي احتمال بحصول أزمة نظامية نتيجة تداعيات الأزمة المالية العالمية ، أجاز " المرسوم بالقانون بشأن تعزيز الاستقرار المالي بالدولة " ، أن تقوم الدولة – ولمدة لا تزيد عن 15 عاماً – بضمان العجز في مخصصات البنوك التي يتعين تكوينها مقابل محفظة التسهيلات الائتمانية القائمة في 31/12/2008 ، كما أجاز القانون أن تضمن الدولة – وللمدة ذاتها – أي انخفاض قد يطرأ في قيمة كل من محفظة الاستثمارات المالية والمحفظة العقارية القائمة لدى البنوك في 31/12/2008 . وبما أن جهازنا المصرفي مازال يعاني انعكاسات الأزمة المالية العالمية ، تقترح الغرفة ، أن يدرس بنك الكويت المركزي جدوى وإمكانية تقديم مثل هذا الضمان مرة أخرى.

6-تدارك النقص التشريعي :

أثبتت التجربة ، وأكدت الأزمة الممتدة منذ عام 2008 بالذات ، أن " التشريع الاقتصادي الكويتي " ، يشكو من ضعف المرونة ، وغياب العديد من النصوص المواكبة للتطورات الاقتصادية السريعة ،   ما أدى إلى الحد كثيراً من الخيارات المتاحة للتعامل السريع مع الأزمة وتداعياتها ، فنحن بحاجة إلى سد النقص الكبير في الأدوات المالية الحديثة ، وإلى إيجاد تغطية تشريعية فاعلة وكاملة لعمليات الاندماج والاستحواذ والتملك والتصفية ، وإلى تيسير إجراءات زيادة وتخفيض رأسمال الشركات ، وانعقاد جمعياتها العامة . وفي هذا الصدد نجد من الضروري جداً أن نلفت النظر إلى أمرين اثنين :

أولهما : الدراسة التي قام بها البنك الدولي بناء على طلب وزارة التجارة والصناعة بغية إيجاد نظام تعامل أفضل بين المقرضين والمدينين . وهي الدراسة التي أوصت بإصدار قانون خاص بإفلاس وتصفية الشركات ، يسمح بوجود آلية للتصفية خارج المحاكم وعن طريق التحكيم . ولعل أهم ما جاء في الدراسة قولها : " إن المستويات الحالية للقروض المتعثرة في النظام المصرفي الكويتي ، والإيقاع البطئ في حلها ، تكشف عن نظام يقوم على آليات غير كافية وغير فعالة لحماية الائتمان وإدارة المخاطر الائتمانية . الأمر الذي حال دون أن تمنح البنوك قروضاً كافية للقطاعات الرئيسية في البلاد ، رغم ما تتمتع به هذه البنوك من رسملة جيدة وسيولة كافية . ولو وجد إطار فاعل وحديث لتسوية أوضاع الشركات المتعثرة لأمكن الخروج من الأزمة بسرعة . إن قانون تعزيز الاستقرار المالي يمثل جهداً جديراَ بالثناء ، ولكنه لم ينجح في تحقيق غايته لأنه اضطر إلى أن يترك القرار كاملاً بيد نظام قضائي لا تتوفر له المرونة الكافيه ولا الأدوات اللازمه ".

وثاني الأمور التي تود الغرفة توجيه الانتباه إليها ، هو ضرورة تنظيم وتسريع مدة واجراءات الفترة الفاصلة بين فتح ظروف أي مناقصة عامة وبين إبرام العقود اللازمة مع الجهة التي رست عليها المناقصة . ذلك أن ترك هذه المدة مفتوحة ورهن كفاءة ورغبة الموظفين المعنيين يخلق حالة مربكة من عدم اليقين ،  ويغير معظم المعطيات التي استندت إليها العطاءات ، ويزيد من تكلفة المتنافسين والمال العام ، وقبل هذا كله ، يعطل تنفيذ المشاريع ، ويحد من حجم الإنفاق الرأسمالي الفعلي ، ويضعف الثقة بمشاريع دولة الكويت ومناقصاتها ، مع ما يعنيه كل ذلك من تداعيات على اقتصاد يُعتبر قطاع الإنشاء فيه أهم قاطرات النمو بعد القطاع النفطي .

نعود فنذّكر هنا ، بأن ورقتنا هذه – وفي جزئها هذا على وجه الخصوص – تقصر اهتمامها على المعالجة الملحّة والسريعة لاستكمال تعافي الاقتصاد الكويتي من تداعيات الأزمة المالية العالمية . وبالتالي ، فإننا لم نطرح قضايا بالغة الأهمية في شأن الإصلاح والتنمية ، مثل تطوير التعليم ، وتطويق الفساد ، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة ... لأنها لا تدخل ضمن نطاق هذه الورقة .

رابعاً- " الشرعية التنموية " شرط لتحقيق الاستقرار السياسي

الحديث عن العلاقة العضوية المتبادلة بين السياسة والاقتصاد حديث قديم ، يثير قدراً كبيراً من الشؤون، وقدراً أكبر من الشجون. وفي بلد طغت فيه السياسة على القرار الاقتصادي حتى كادت أن تزهقه، ليس غريباً أن نتحدث عن السياسة في معرض البحث عن المأزق الاقتصادي، بل الغريب هو ألا نفعل. وواقع الأمر، أنه ما كان لنا أن نختم ورقتنا بهذا الجزء بالذات لولا قناعتنا العميقة بما سبق أن ذكرناه من أن  " الاخفاق السياسي في الكويت أصبح أخطر ما يهدد جهود التنمية ، وأن الاخفاق التنموي – بالمقابل – أصبح أقوى دوافع الاضطراب السياسي في منطقتنا".

ومن منطلق هذه الحقيقة - التي تستند إلى التجربة الكويتية طوال العقدين الماضيين عموماً، وإلى تطوراتها وإفرازاتها خلال العامين الآخرين على وجه الخصوص - ترى الغرفة أن من الواجب والمفيد أن تذَكّر – من خلال إضاءات موجزة ومركزه – بنقاط التقاطع التالية بين الممارسة السياسية والجهود التنموية في دولة الكويت.

1-من أول شروط الديموقراطية نجاح العملية التنموية إنتاجاً وتوزيعاً وتعليماً وصحة... ومن المؤسف فعلاً – وكما تثبت المؤشرات الكثيرة التي سبق عرضها – أن التنمية بمضامينها الاجتماعية والاقتصادية على حدٍ سواء لم تحقق حتى الآن نجاحات تحتسب لمصلحة الممارسة السياسية في الكويت. وبالمقابل ، لابد من الإقرار أن هذا  الإخفاق التنموي يعزى – أولاً وقبل كل سبب آخر – إلى ترسخ مفاهيم الدولة الرعوية التي يعتمد "رعاياها" على حضانة الدولة دون أن يكون لهم مساهمة مؤثرة في إيراداتها. وبالتالي، سيبقى من الصعب علينا أن نتكلم بجدية ومسؤولية عن ديموقراطية حقيقية وممارسة سياسية سليمة، قبل أن نلتزم بواجبات وطنية مكافئة لما نطالب به من حقوق.

2-تتفق التعاريف العديدة للديموقراطية (سواء اعتبرناها وسيلة أو منهجاً أو نظام حكم) على أن مقصدها النهائي هو تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة ، والتي تؤمن للمجتمع احتياجاته، وتكفل للمواطن مستوىً من المعيشة والمعرفة يحفظ كرامته. ومن هنا يمكننا القول أن "الشرعية التنموية" المتمثلة بالانجاز الاقتصادي لا تقل أهمية بالنسبة لأي حكم عن "الشرعية الدستورية". وبالتالي، فإن حرصنا على الثانية يجب ألا يكون أبداً على حساب غفلتنا أو تغافلنا عن الأولى.

وبتعبير آخر، إن الالتزام السياسي (حكماً وحكومة ، وسلطة تشريعية) بالشرعية الدستورية لا يمكن أن يكون ديموقراطياً وصادقاً ما لم يقترن – بالتساوي والتوازي – بالتزام تنموي. ذلك لأن مناعة الأمن الداخلي والاجتماعي الذي تتمتع به أية دوله، يرتبط ارتباطاً شديداً بقدرتها على تلبية حاجات مجتمعها وحفظ كرامة مواطنيها.
إن الديموقراطية لا تختزل بصناديق الاقتراع. وإذا انفصلت صناديق الاقتراع عن تطلعات التنمية، تفقد العملية الديموقراطية شرعيتها التنموية، وتنقلب إلى وسيلة عقيمه أو منهج فاشل.

3-إن معاجلة الإشكالية القائمة بين الممارسة السياسية والجهود التنموية في الكويت تقوم على ما يمكن تسميته "تحرير السياسة والتحرر منها". فالسياسة في بلدنا تتدخل في كل أمر وكل نشاط وكل قضية، ولا يدخر السياسيون جهداً في أن يضعوا  كل شؤون الفرد وقضايا المجتمع على أكتاف السياسة . ولا عجب – بالتالي - أن تنوء السياسة تحت ثقل هذا الحمل ، فتقع ويقع معها كل ما تحمل. أما في الدول العريقة بالديموقراطية، فإن نطاق الممارسة السياسية ينحصر في اختصاصاتها ومجالاتها، فيرتقي أداؤها وتنهض بمسؤولياتها بكل كفاءة واقتدار. فالديموقراطية الصحيحة، إذن، تقتضي تحرير السياسة من كل المجالات التي لا تدخل في اختصاصها، كما تقتضي تحرير هذه المجالات من ضغوط اللعبة السياسية. وبذلك يتحقق النجاح والإبداع في هذه وفي تلك.

وأخيراً ، إن الدول الناجحة اقتصادياً هي الدول التي تنجح سياسياً في حشد المواطنين وراء أهداف التنمية وسياساتها والتزاماتها، في ظل حرية قائمة على تكافؤ الفرص، وعدالة المنافسة، وشفافية المصالح. وهذا يتطلب ارتقاء وانتقاء في الممارسة السياسية، وتمسكاً مطلقاً واجماعياً بالديموقراطية الحقيقية، التي تسمح بالتغيير الهادئ باعتباره الضمانة الحقيقية للاستقرار، وباعتباره الحصانة المنيعة في وجه التغيير العاصف الذي تفرضه قوى خاطئه وطرق خطره. فالمجتمعات الديموقراطية هي أكثر المجتمعات تقدماً وغنىً، وتطوراً واستقراراً، وهي أكثر المجتمعات قدرة على تنشئة المواطن القادر ، بعلمه وعمله وإلتزامه الوطني ، على تطوير حريته ، وحفظ كرامته ، وتعميق ابداعه .

فليس بالسياسة وحدها تنهض الاوطان.