البورصة: المتلاعبون يتربصون بنظام التداول الآلي الجديد

ينطلق غدا نظام التداول الآلي الجديد في بورصة الكويت.. وفيه ميزات تقنية وفنية متقدمة جداً، وهو افضل من النظام السابق حتماً، وعلى اكثر من صعيد، والاهم من ذلك انه يعد بامكان زيادة جرعة الرقابة.

فهذا الوعد هو جوهر القضية والباقي تفاصيل فنية، وهنا تتعين الاشارة الى جملة نقاط كالاتي:

التداول الوهمي

1 - كان واضحا خلال الاشهر القليلة الماضية ان التداول الوهمي مستمر بضرب اطنابه.. وللمثال هناك «مجموعة» استثمارية (علماً ان التسمية الصحيحة هي مجموعة مارقين) قامت بآلاعيب معينة لخلق تداول وهمي كثيف على 4 اسهم على الاقل اوهم المتعاملين والباحثين عن الثراء السريع بأن هناك طلباً غير مسبوق وان وراء ذلك ارباحاً طائلة وصعدت تلك الاسهم بنسب خيالية وصلت %100 في فترة وجيزة لم تتعد الاشهر القليلة.

ومع ذلك لم تحرك البورصة ساكناً ولم تكلف نفسها توجيه سؤال بسيط لتلك المجموعة. لو انها سألتها فقط: لماذا يصعد هذا السهم بالحد الاعلى لايام متتالية؟ وهل هناك ما يبرر ذلك؟ لكان ذلك كافيا نسبيا لتبيان ان لا شيء وراء الصعود الا مضاربات وتدوير اسهم وتربيطات مسبقة فقط لا غير.

فالشركات المعنية لا يمكنها الافصاح عن شيء حقيقي؛ لانها شركات ورقية غير تشغيلية، بعضها متخلف عن سداد قروض، وبعضها ملاحق قضائياً ورقابياً، علماً بأن مجرد ذكر اسم «الاب الروحي» لتلك المجموعة يثير ريبة وشكاً وسخرية بحاضره وماضيه ومستقبله.

فإذا لم يستطع نظام التداول الجديد بما يتيح من آليات رقابية وضع حد لهكذا شركات عبثية، فإن النظام لا خير فيه جوهرياً، وان كان شكله قد تغير نحو الاحسن.

 

إثراء غير مشروع

2 - أقرت تقارير محلية وإقليمية ودولية بأن في سوق الكويت تداولات بناء على معلومات داخلية، فهناك من يتداول بيعاً وشراء لانه يملك المعلومة قبل غيره، وفي ذلك احتيال واثراء غير مشروع، فضلا عن انه يضر بكفاءة السوق وعدالته.

فإذا كان النظام الجديد غير قادر على الحد من هذه الظواهر السلبية، وإذا كانت الجهات الرقابية بلا عين ساهرة لملاحقة المتلاعبين، واذا كان غض الطرف مستمراً، وإذا استطاع المتلاعبون تغيير اسلوبهم مع الابقاء على جوهر الإفادة غير المشروعة، واذا لم تضرب يد من حديد بغرامات باهظة وجزاءات وصولاً حتى السجن.. فإن النظام الجديد يكون ثوباً جميلاً يغطي بشاعة فظيعة، وماكياجاً براقاً يخفي تشوهات شنيعة.

 

اتفاقات الليل

3 - الى ذلك، ففي سوق الكويت خاصية نادرة، مفادها التشابك الهائل بين التابع والزميل، فهناك 4 الى 5 مجموعات تضم عشرات الاسهم في أوان مستطرقة ينفذ منها المتلاعبون في اتفاقات تبرم في «ليل» لتنفذ في نهار بتوزيع ادوار يحكمه رئيس «اوركسترا» لتحقيق غايات ضيقة لا علاقة لها بكفاءة السوق وعمقه وسيولته الصحيحة، ولا علاقة لها بنمط تشغيلي مترابط.. بل عبارة عن تدوير ملكيات وخلق وهم تداول يقع في فخه مساكين صغار المتداولين اللاهثين وراء سراب الثروة غير عابئين بما اذا كان هناك عقد او استحواذ او توسع او تخارج او هيكلية او سداد ديون او تنفيذ مشاريع او تغيير نموذج عمل او تنقية ميزانية او ترشيد انفاق او تعظيم ايراد او درس مخاطر او تطبيق حوكمة او زيادة شفافية او... او.. الى اخر سلسلة ما هو في حقيقة الامر مبرر كاف لصعود او هبوط اسهم بالنظر الى اثره المباشر على الشركة ومساهميها.

فاذا كان نظام التداول الجديد لا يتيح آليات تسمح بكشف هذا المشهد وفضحه على الملأ استناداً الى جهاز رقابي بشري عادل وصارم يتمتع بكفاءة عالية ونزاهة غير مشوبة بأي تواطؤ... فإن على الدنيا السلام، ولا نفع لاي نظام آلي جديد الا انه سيكون مطية جديدة يستخدمها المتلاعبون لرتق بكارتهم والامعان في لعب ادوار معروفة ومشبوهة بغطاء جديد يصفق له الجميع كأنه البلسم الشافي.. فاذا به سم في الدسم.

 

طمس الحقائق

4 - اذا لم يتواكب النظام الجديد بالتشديد على خلق ممارسات حوكمة وادارة سليمة للافصاح والشفافية، فإنه سيكون باثر ايجابي محدود.

فما نفع نظام آلي يتيح (نظرياً) قدرات واحتمالات رقابة اضافية اذا لم تكن هناك فرق رقابية وتنظيمية تواكبه بتطبيق افضل الممارسات الدولية على صعيد اتاحة المعلومات اولاً باول لتبرير معظم التداولات ان لم نقل كلها، وما قول مدير البورصة فالح الرقبة الاسبوع الماضي ان المضاربات ستستمر ولا قدرة لاحد على لجمها الا تسرع في الحكم واستباق لما سيكون.. على اساس ان المضاربة ملح السوق كما يحلو لبعض المتلاعبين القول دائما وابداً.

ان وجود جهاز بشري قادر على تطبيق قانون هيئة السوق ولائحته التنفيذية بات ضرورة أكثر من ملحة، ولا يمكن الاستمرار بالمنوال نفسه الذي كان.. علماً ان الموظفين يطالبون «بتسكين» مالي واداري في هيكل هيئة السوق، لكن الهيئة تعي خطورة بقاء الحال على ما كان والاكتفاء بما تيسر حتى «تجود بالموجود».. وإلا تكون بورصة الكويت دفعت اكلافاً طائلة لتركيب نظام تداول جديد واهدرت سنوات في وعود سرعة تشغيله واغدفت عليه أوصافاً ما قالها عنتر في عبلة.. ومع ذلك، لا تطور ملموساً، على صعيد الرقابة القادرة على نقل السوق من نظام «المزرعة» الى نظام «المؤسسة».

 

عربة التشريعات

5 - تبقى الاشارة الى ان على هيئة السوق تسريع استصدار بقية التشريعات اللازمة لزيادة جرعة الرقابة في السوق، وتكريس ممارسات الشفافية اللازمة، والبدء بانزال اشد العقوبات على المتلاعبين.. من دون ذلك لا خير يرجى من سوق الكويت الا استمرار العبث .. وهكذا تتكرس مفاهيم الحرمنة المشرعنة، والعياذ بالله!

×