شبهات ’التأمينات’... خيوط التحقيقات تلتف حول الإدارة

هناك لغز دائم يحيط بالمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، الاتهامات الخطيرة تواجه بعض القياديين في المؤسسة منذ 15 عاماً، وهم عاجزون عن تبرئة ساحتهم من أيٍ منها، ومع ذلك تبدو المؤسسة محصنة ضد المحاسبة.

لكن خيوطاً قويّة تتجمع هذه المرة لقطع الشك باليقين في شبهات العمولات والممارسات المشبوهة.

فهل يكون تجدّد فتح الملف وقرار مجلس الأمة بتكليف ديوان المحاسبة بالتحقيق في استثمارات المؤسسة الخارجية آخر المطاف لـ «بط الجربة»؟

عادت إلى الواجهة ملفات الشبهات المالية والإدارية حول ممارسات إدارة المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، لتشكل طبقاً سياسياً ساخناً على مائدة استجواب وزير المالية مصطفى الشمالي، بالتوازي مع قرار مجلس الأمة قبل أيام تكليف ديوان المحاسبة بالتحقيق في استثمارات المؤسسة الخارجية.

الوزير الشمالي يبدي دعماً كاملاً لإدارة المؤسسة في وجه كل محاولات التدقيق في ما يجري داخلها، حتى أنه رفض استخدام كلمة «تحقيق» في قرار مجلس الأمة الأخير، باعتبار أنه يرى إدارة المؤسسة فوق الشبهات!

لكن إلى أي مدى سيستمر الشمالي في تغطية ما يجري داخل المؤسسة، بصفته وزير الوصاية ورئيس مجلس إدارة المؤسسة، وتحمّل الثمن السياسي لذلك؟ خصوصاً وأن أوساطاً نيابية أكدت لـ«الراي» أن ملف «التأمينات» سيظل في صدارة اهتمامات مجلس الأمة، ولن يقلّل من ذلك تكليف ديوان المحاسبة بالتحقيق فيه.

وتشير المصادر النيابية إلى أن الخلل في «التأمينات» تزايد على مستوى الحوكمة والممارسات الإدارية والمالية بسبب هيمنة الإدارة التنفيذية على قيادة المؤسسة، وتخلي مجلس الإدارة الذي يرأسه وزير المالية عن القيام بدوره الإشرافي- الرقابي، بل إن هناك أمثلة خطيرة على الطريقة التي تحمي بها الإدارة التنفيذية نفسها من أية محاسبة، بتغطية من الوزير.

خلال السنوات الماضية، تلقى وزراء المالية المتعاقبون عشرات الأسئلة البرلمانية والكثير من التقارير الصادرة عن ديوان المحاسبة وفيها شبهات خطيرة عن سوء إدارة أو سوء أمانة. أمكن إحصاء بعضها للنواب الحاليين: وليد الطبطبائي وعبد الرحمن العنجري ومسلم البراك، وأخيراً رياض العدساني، وللنواب السابقين: عواد برد وخلف الدميثير وأحمد المليفي ومبارك الدويلة.

وغني عن القول ان هؤلاء ينتمون إلى اتجاهات وتيارات سياسية مختلفة، ومتباعدة أحياناً، وجميعهم يتفقون على خطورة ما تقع أيدهم عليه من شبهات مخالفات.

وهنا أبرز الملفات المفتوحة... و«المفضوحة» في ملف «التأمينات»:
1 - بلاغ إلى النائب العام: عمولات مودعة في بنك سويسري

من أكثر ملفات الشبهات غرابة وإثارة، ذلك الملف المتعلق بعمولاتٍ قد يكون أحد قياديّي المؤسسة تقاضاها عن إحدى الصفقات الاستثمارية التي نفذتها « التأمينات منتصف التسعينات.

فقد أثيرت شبهة «تنفّع وتربّح غير مشروع» لأحد قياديي المؤسسة على حساب المال العام، بأن تقاضى عمولات من خلال شركة «فابرجيه بروبرتي المحدودة» في مونت كارلو، والتي استخدمها هذا القيادي كوسيط لتقاضي العمولة.

وتم تحويل العمولات إلى حسابها في بنك «كريدي دو موناكو»، قبل أن تحوّل إلى حساب شركة اسمها «رالمان ترست» في بنك «كريدي سويس» في سويسرا، يشتبه أنها تعود إلى القيادي المستفيد.

وقد وردت هذه التفاصيل في سؤال برلماني وجهه النائب السابق أحمد المليفي إلى وزير المالية في 31 يوليو 2006.

ورغم توجيه العديد من الأسئلة البرلمانية في شأن هذه العمولات، فإن أي تحقيق إداري لم يصل إلى نهايته في هذا الأمر، إلى أن قرر عضو سابق في مجلس إدارة المؤسسة، هو الدكتور فهد الراشد، وهو الذي كان أول عضو منتدب للهيئة العامة للاستثمار، وله صولات وجولات في المؤسسات الحكومية.

تقدم الراشد ببلاغ إلى النائب العام في الكويت حول القضية قبل سنوات، ومازال التحقيق جارياً، وتشير بعض المعلومات إلى أن النيابة انتقلت إلى لندن للاستماع إلى شهادة في غاية الأهمية لأحد الشهود.

لكن مسار التحقيق لا يبدو سهلاً، فبعض المعلومات تحتاج إلى تعاون الجهات القضائية في دول أخرى للحصول عليها، إذ إن التحويلات تمت إلى حسابات مصرفية في سويسرا، ولا يمكن استقصاؤها من دون إذن قضائي هناك.

وحاولت «الراي» الاتصال بالدكتور الراشد حول مسار القضية، لكنه رفض التعليق أو الإدلاء بأي معلومات «لأن الأمر منظور أمام الجهات القضائية».
 

2- أين ذهب تقرير «كي بي إم جي»؟

حدث في العام 2007 أن قررت لجنة الاستثمار المنبثقة عن مجلس إدارة المؤسسة، والتي يرأسها وزير المالية، استدراج عروض من مؤسسات تدقيق عالمية لتحري الحقيقة حول الشبهات المالية والإدارية والمالية في المؤسسة، وبالذات عمولات «فابرجيه بروبرتي»، وكان الاتفاق على أن يتم التعاقد من قِبَل وزير المالية بنفسه، وأن ترفع التقارير إليه بصفته رئيس مجلس الإدارة، لا إلى الإدارة التنفيذية، التي هي محل التحقيق.

وبالفعل تم التعاقد مع مكتب التدقيق المحاسبي «كي بي إم جي» للقيام بهذه المهمة، لكن لحسن حظ الإدارة التنفيذية، تولى مصطفى الشمالي وزارة المالية في ذلك الوقت الحساس.

لا أحد يعرف كيف اقتنع الشمالي بتغيير قرار لجنة الاستثمار وسحب يده من الملف وترك الإدارة التنفيذية تتعامل مع مكتب التدقيق المحاسبي على هواها، فحددت بنفسها نطاق مهامه، وقررت وحدها ما تقدمه له من معلومات وما تحجبه. باختصار، صارت الإدارة هي الرقيب على الإدارة، وضاعت فرصة نادرة للمعرفة حقيقة ما يجري داخل المؤسسة.

وقد أثار النائب رياض عدساني هذا الأمر أخيراً، حين أشار عبر موقعه على «تويتر» إلى حقيقة أن المؤسسة حجبت بيانات عن مكتب التدقيق «كي بي إم جي»، وفقاً لما ذكرته هذه الأخيرة في تقريرها، والأنكى أن الإدارة التنفيذية عرفت كيف تحصل على قرار من مجلس الإدارة بالتخلي عن واجبه - وليس فقط حقه - في الاطلاع على هذا التقرير، وبدلاً من ذلك تفويض وزير المالية بالاطلاع عليه واتخاذ الإجراء المناسب.

ولا مفاجأة في أن القرار المناسب كان رمي التقرير في الإدراج، ورمي أكثر من مليون دولار صرفت عليه في سلة المهملات.

 

3- ثغرات في التدقيق الداخلي ... الإدارة تراقب نفسها!

النموذج السابق ليس إلا مثالاً واحداً على نمط الرقابة السائد داخل مؤسسة التأمينات، والذي كان محل نقد من ديوان المحاسبة والعديد من النواب في مناسبات عديدة.

ونتيجة للانتقادات، قرر مجلس إدارة المؤسسة في العام 2006 نقل تبعية التدقيق الداخلي في المؤسسة من المدير العام إلى رئيس مجلس الإدارة مباشرة، لأن من غير المعقول أن يقوم المراقب الداخلي بعمله بحريّة في الرقابة على المدير الذي يعيّنه أو يعزله أو يرقّيه أو يبعده!

لكن المدير العام لم ينفّذ هذا القرار، وظلت الرقابة الداخلية تابعة له، من دون أن يبدي رئيس مجلس الإدارة، وزير المالية أي اعتراض على ذلك!

 

4- ما سر العلاقة مع الشركة اللوجيستية وما حقيقة مشروع الفيليبين؟

تحيط علامات استفهام كبيرة بالعلاقة الاستثمارية التي تربط مؤسسة التأمينات الاجتماعية بشركة لوجيستية محلية معروفة.

فحتى الآن لم تقدم المؤسسة تبريراً منطقياً لمساهمتها بمبلغ 40 مليون دولار في صندوق أسسته هذه الشركة في العام 2007 للاستثمار في قطاع الموانئ.

فمساهمة «التأمينات» كان من المفترض أن تعادل 43 في المئة من رأسمال الصندوق، لولا أن «كي جي إل» لم تسدّد مساهمتها في رأسمال الصندوق التي كانت قد وعدت بتسديدها في النشرة التمهيدية، وتبلغ قيمتها 20.36 مليون دولار أميركي، ما ترك «التأمينات» تتحمّل الخسائر وحدها، من دون أي تتحمّل الشركة المؤسسة والمديرة للصندوق شيئاً منها.

بل إن بلاغاً ذهب إلى النيابة اتهم الشركة المؤسسة للصندوق بالتدليس على «التأمينات» لإقناعها بالاستثمار في الصندوق. وأضاف البلاغ تهماً أخرى، منها استغلال أموال الصندوق في أغراض مخالفة لنشاطه، وتحميله بأموال ونفقات مخالفة لعقد الاكتتاب الأصلي والنشاط الأساسي، وكذلك التدليس على المساهمين فيه لإخفاء حقيقة أدائه.

لكن بالطبع تبقى هذه التهم غير مؤكدة ما لم يتم التثبت منها قضائياً.

وما يزيد علامات الاستفهام، مساهمة «التأمينات» بحصة غير معلنة في شركة «بترولينك» التي أسستها الشركة نفسها في العام 2006 للاستثمار في قطاعات النفط والغاز.

وبالطبع لم يُعلن عن ذلك في الإعلام، ولم يُعرف شيء عن دراسات الجدوى التي استندت إليها المؤسسة لاتخاذ هذا القرار الاستثماري. وحتى الآن لم يُعرف عن الأداء المالي لهذه الشركة شيء، على الرغم من أن المال العام مساهم رئيسي فيها.

وزادت الشكوك أخيراً حين أعلنت الشركة نفسها عن مشروع لوجيستي ضخم في الفيليبين، باستثمارات تصل إلى 5 مليارات دولار، بمساهمة «التأمينات». لكن كما العادة، لم تتضح حقيقة المشروع، ولا مقدار مساهمة «التأمينات» فيه، ولا طريقة التمويل.

كل ما في الامر أن مسؤولي الشركة احتفلوا مع مسؤولي «التأمينات» «بترولينك» بإطلاق المشروع في مانيلا، ولم يقدّم أحد جواباً شافياً عن الأسئلة حول حقيقة المشروع.

ولا حاجة إلى القول إن مؤسسة التأمينات ربما تكون صندوق التقاعد السيادي الوحيد في العالم الذي يدخل في استثمارات من هذا النوع، بلا رقيب أو حسيب، علماً أن الفيليبين ليست مصنّفة كبيئة آمنة وجاذبة للاستثمارات، بل ربما تكون مصنّفة كبيئة ملائمة لإخفاء حقيقة الاستثمارات.

1.2 مليار دولار ضاعت في مضاربات عالية الخطورة

خسائر «الأوبشن»: ملف يفضح ولا يُفتح

خلال منتصف التسعينات، غامرت إدارة مؤسسة التأمينات بعمليات خطيرة في سوق الخيارات أدى إلى خسارة مبلغ 1.2 مليار دولار (308 ملايين دينار).

وفُضح هذا الملف من خلال أسئلة نيابية ومعلومات أدلى بها بعض من أعضاء مجلس إدارة المؤسسة، لكن الملف لم يُفتح جديّاً على المستوى السياسي ليصل إلى حد المحاسبة الجدّية، رغم ضخامة المبلغ، وتجاوزه للكثير من ملفات الفساد الكبرى في تاريخ الكويت.

ووثّق ديوان المحاسبة هذه الخسائر بأنها 28 مليون دينار منها سُجلت في العام 1995-1996 و280 مليوناً في العام 1996-1997.

ثم عمد وزير المالية أواخر التسعينات ناصر الروضان إلى تكليف لجنة من الهيئة العامة للاستثمار لتقصي الحقائق في شأن هذه الخسائر، فخلصت اللجنة في استنتاج نهائي إلى أن العمليات المذكورة كانت لغرض المضاربة وتسببت بخسائر بلغت 280 مليون دينار في العام 1995-1996 وحده!

ولم تجد إدارة المؤسسة ما ترد فيه على هذين التقريرين الحاسمين إلا بتكليف مؤسستين ماليتين عالميتين («جي بي مورغان» و«إس بي سي ووربرغ») بتحليل هذه العمليات وتقييمها.

وبالطبع بنت المؤسسات تقريرهما على ما وصل إليها من معلومات ووثائق من قبل إدارة المؤسسة.

ومع ذلك فإن تقاريرهما أكدت وقوع الخسائر ولم تنف ذلك، وتم تقديم بعد الاستنتاجات غير القاطعة المبنية على أسسس افتراضية.

ونتيجة لتلك الواقعة، اتخذ مجلس إدارة المؤسسة حينها قراراً بمنع الاستثمار في سوق الخيارات بعد ذلك التاريخ، ومازال هذا القرار سسارياً حتى اليوم.

لكن أحداً لم يقدّم تبريراً لإقدام إدارة المؤسسة على هذه المغامرة غير المعتادة لدى صناديق التأمينات في العالم، فالغالب أن صناديق التقاعد والتأمينات تستثمر اكتتابات مشتركيها ومساهمات الدولة في الأدوات الأقل خطورة، لا في مضاربات خطيرة من هذا النوع.

وثمة شبهة أخطر يمكن أن يثيرها البعض، بأن تكون تلك العمليات ليست فقط مجرد مضاربات، بل ربما يكون فيها تربّح على حساب المال العام.

وإلى جانب خسائر «الأوبشن»، تبقى بعض الخسائر الكبيرة في بعض العمليات من العلامات الفارقة في تاريخ «التأمينات».

وحتى الآن لم نجحت الإدارة في طمس محاولات التدقيق في الخسائر التي تكبدتها المؤسسة في «أومني» السويسرية (بلغت الخسارة فيها أكثر من 6 ملايين دينار من أصل 9.6 مليون دينار هي قيمة الاستثمار)، وفي «إيفيل» الإيطالية (الخسارة الإجمالية تتراوح بين 67.5-97.5 مليون دينار، شاملة الفرص الضائعة)، و»في «هارتمان أند براون» الألمانية (الخسارة تتراوح بين 3.7 و5.7 مليون دينار).

وبغض النظر عن المبررات التي ساقتها المؤسسة لتبرير هذه الخسائر، فإن السؤال يبقى مطروحاً حول آلية اتخاذ القرار داخل المؤسسة، وسياسة توزيع المخاطر، خصوصاً أن شركات استثمار محلية عريقة لا تحظى بالفتات من أموال التأمينات، التي هي أموال عامة!


حقيقة خسائر الأزمة...
أين ذهبت 1.9 مليار دينار؟

من المفارقات العجيبة أن «التأمينات» تسلّمت من الخزينة العامة في العام 2008 نحو 5.5 مليار دينار، تشكل جزءاً من مساهمة الدولة في سد العجز الاكتواري للمؤسسة.

وفي العام نفسه خسرت المؤسسة في استثماراتها المختلفة 1.88 مليار دينار! أي ما يعادل 34.2 في المئة من المبلغ الذي تسلّمته من الحكومة في ذلك العام، علماً بأن مبلغ الـ5.5 مليار دينار أكل معظم فائض الميزانية في تلك السنة، وكان يشكل ثلث إيرادات الموازنة (القياسية) في ذلك الوقت.

وقد دفعت تلك المفارقة كثيرين إلى التساؤل عما إذا كان يصح «استئمان» مؤسسة التأمينات بوضعها الإداري الراهن على كل هذه الأموال العامة.

وعلى الرغم من أن المؤسسة قدمت تبريرات عديدة لهذه الخسائر، ووصفتها بأنها مجرد خسائر دفترية، إلا أن ديوان المحاسبة والمتابعين سجلوا ملاحظات أساسية على أداء «التأمينات» في ذلك الوقت، منها:

1  لم يوافق «ديوان المحاسبة» (في تقريره للعام 2008-2009) على تسطيح أمر الخسائر، وتصويرها على أنها مجرد قيود دفترية، خصوصاً وأنها أثرت على نتائج أعمال المؤسسة ومركزها المالي كما في تاريخ 31 مارس 2009.

ولا حاجة إلى القول إن العديد من تلك الخسائر، التي تصفها المؤسسة بالدفترية، لا أمل بتعافيها بعد ثلاث سنوات على وقوعها.

2  هناك من يتهم إدارة المؤسسة بشيء من التدليس في إظهار الخسائر على حقيقتها، إذ تتم الاستعانة بعوائد الاستثمارات السائلة والقليلة المخاطر (الودائع والسندات) للتغطية على فداحة الخسائر في الفئات الأخرى من الأصول المستثمرة. والأخطر أنها احتسبت خسائرها في العام 2008 كنسبة من إجمالي أصولها، بما فيها الأموال الهائلة التي حصلت عليها المؤسسة من الدولة في العام نفسها (5.5 مليار دينار).

وقد أشار «ديوان المحاسبة» إلى شيء من هذا حين شدّد في تقريره للعام 2008-2009 على أهمية استبعاد الأموال السائلة التي تسلّمتها المؤسسة من الدولة عند احتساب الخسائر، لتنجلي الحقيقة بأنها تمثل 25 في المئة من الأصول المستثمرة! أي أن المؤسسة خسرت ربع استثماراتها خلال عام واحد، ولم يحاسبها أحد!

3  وجه آخر للتدليس (المحتمل) يكمن في الكيفية التي تنتهجها المؤسسة في انتقاء الفترات التي تحتسب خلالها الأرباح أو الخسائر، فتقول مثلاً إن العائد على استثمار معيّن بلغ 40 في المئة، من دون أن توضح أن هذه النسبة تمتد على مدى عقود، وبأنها تشمل التوزيعات السنوية.

كما أنها تغفل «تكلفة الفرصة» (opportunity cost) التي أهدرتها، بقرارها السلبي بعدم التخارج من استثمار معين قبل أن تنهار أسهمه بأكثر من 90 في المئة. في النهاية لا بد أن يحسب القرار الاستثماري للإدارة أو عليها، وليست العبرة فقط بمقارنة العوائد على مدى سنوات بسعر التكلفة، بل أيضاً بحصافة القرار الاستثماري في كل مرحلة من مراحل الاستثمار.

ومن الممارسات التي يرى بعض الاقتصاديين أنها «خطيرة»، إقدام المؤسسة في العام 2008-2009 على استخدام وفورات في بنود الموازنة لتدعيم مخصص هبوط الاستثمارات بمبلغ 117 مليون دينار، لتجنّب استصدار قانون باعتماد إضافي.

وفي ذلك مخالفة للدستور والمرسوم بقانون رقم 31 لسنة 1978 باستصدار قانون إضافي لهذا الغرض، كما أنه يؤثر بشكل مباشر على نتائج المؤسسة ومركزها المالي للمؤسسة بالحسابات الختامية، نتيجة تضخيم مصروفات الباب الثالث مقابل تخفيض خسائر الاستثمارات.

5  لم تتحمّل المؤسسة المعنويّة عن قراراتها الاستثمارية التي كبّدت المال العام خسائر فادحة، سواء عندما استثمرت 50 مليون دولار في صناديق المحتال العالمي برنارد مادوف، أو عندما حافظت على استثمارات محلية انهارت أسعارها السوقية لاحقاً.

6  أظهر تقرير «ديوان المحاسبة» أن أجمالي الأموال المستثمرة والمدارة بمعرفة إحدى الشركات الاستثمارية بلغ في نهاية الربع الأول من 2009 ما يعادل 268 مليون دينار! أي ما يقارب المليار دولار.

وهذا الرقم هو ما تبقى للمؤسسة (نظرياً) بعد أن خسرت 93.4 في المئة من تكلفة استثمارها في رأسمال الشركة، والبالغة 114 مليون دينار.

(تبقى منها كما في ذلك التاريخ 7.5 مليون دينار فقط). وتوزعت الاستثمارات الأخرى للمؤسسة على سندات صدّرتها الشركة إدارتها (18.3 مليون دينار)، أو صناديق تحت إدارتها، مقفلة ومفتوحة وعقارية (242 مليون دينار في ذلك التاريخ، من أصل تكلفة تعادل 278 مليون دينار، أي بانخفاض يزيد على 36 مليون دينار).