تريشيه في ندوة الوطني: تعزيز الحوكمة أبرز دروس أزمة أوروبا

استعرض رئيس البنك المركزي الأوروبي السابق والرئيس الحالي لمجموعة الثلاثين جان كلود تريشيه توقعاته لمستقبل الحوكمة الاقتصادية الجديدة في منطقة اليورو ورؤيته لأثر أزمة الديون السيادية على الوحدة الأوروبية في ندوة بنك الكويت الوطني السنوية العالمية التي نظمها البنك أول أمس بحضور حشد من كبار العملاء والمسؤولين وقيادات البنك.

واستهل الرئيس التنفيذي لمجموعة بنك الكويت الوطني إبراهيم شكري دبدوب الندوة بكلمة ترحيبية أشار فيها إلى أهمية انعقاد هذه الندوة في هذا الوقت الذي تشهد فيه أوروبا أزمة حادة والأهمية التي يحظى بها الرئيس السابق للمركزي الأوروبي بحكم خبرته الطويلة ومهنيته المميزة ونظرته الاقتصادية الثاقبة والتي اكتسبت ثقلها بمعاصرته أزمات عالمية واقليمية عديدة.

وقال دبدوب أن بنك الكويت الوطني يستضيف سنويا أبرز الشخصيات العالمية المرموقة لمواكبة التطورات المالية والاقتصادية العالمية عن كثب. وبما أن تريشيه هو من مؤسسي العملة الأوروبية الموحدة وأحد الشاهدين على انطلاقتها وتطورها، فقد حرص البنك الوطني على استضافته هذا العام بغية إتاحة الفرصة أمام عملاء البنك وضيوفه والمعنيين بالشأن الاقتصادي لمشاطرته أفكاره والاستماع إلى تصوراته بشأن الدروس المستفادة من أزمة أوروبا والسبل المثلى لمواجهة اية تداعيات اقتصادية غير متوقعة مستقبلاً.

ورأى دبدوب أن المرحلة الماضية شهدت انقلاباً رأس على عقب في عالمي السياسة والاقتصاد على حد سواء، ففي الوقت الذي كان يركز فيه القطاع المصرفي على أوروبا باعتبارها منطقة اقتصادية عالمية، شهدت هذه المنطقة شيئاً من الركود، وعلى الرغم من محاولات تنشيط الدورة الاقتصادية، إلا ان ارتفاع ديون بعض الدول ترافق مع زيادة التوتر الذي بلغ مرحلة الشك في بقاء واستمرار اليورو، في وقت تفاقمت فيه ازمة اليونان وأصبحت الأضواء مسلطة على البرتغال واسبانيا وصولاً إلى الإجراءات المتخذة من قبل البنك المركزي الأوروبي عبر ضخ السيولة وغيرها من الإجراءات.  

لماذا في أوروبا أزمة؟

بدوره، بدأ تريشيه حديثه معبرا عن سعادته بدعوته إلى "هذه الندوة من قبل مؤسسة بوزن بنك الكويت الوطني في ظل الأهمية التي يحظى بها في الكويت ومنطقة الخليج عموما. واستعرض تريشيه الأسباب التي أدت الى ما تشهده أوروبا اليوم، ورأى أن الأزمة مرت بثلاث مراحل، إذ بدأت ملامحها الأولى بالظهور في أغسطس من العام 2007، وقد اطلق على هذه المرحلة اسم "الاضطرابات المالية القصيرة الأجل" حيث شهدت الاسواق صعوبة في التكيف مع أزمة الرهونات العقارية ما ادى الى حدوث انفلات في سلوكيات السوق، ولعل الطابع الذي اخذته هذه الاضرابات كان متسارعا ومفاجئا إلى أن استفاق العالم على ازمة في اسواق عواصم المال الرئيسية كنيويورك ولندن ومنطقة اليورو.

وانتقل تريشيه بعد ذلك للحديث عن المرحلة الثانية من الازمة العالمية والتي اعتبر انها وصلت عام 2008 الى ما يسمى "بتكثيف الازمة" وهنا بدات النظم المالية الكبرى بمواجهة تحديات جمة و في هذا الوقت دخلت البنوك المركزية في اليابان وغيرها من المؤسسات العالمية البارزة على الخط لايجاد حلول والتصرف تجاه ما سمي حينها بالكساد العظيم.

واعترف تريشيه انه كان بالامكان ان يكون للازمة تأثير أكثر سوءا خاصة انها كانت أزمة غير مسبوقة على مستوى العالم ولم يكن أحد ليتوقع ان افلاس مؤسسة مالية واحدة سوف يقوض احجار الدومينو بهذه الطريقة. ولعل ما حدث فرض اتخاذ تدابير صارمة من قبل صناع القرار الذين كانوا في صراع مع الوقت من أجل توفير المستلزمات والأدوات الاقتصادية الكفيلة بوقف نزيف الازمة، وأضاف "لقد حاولنا تجنب الكساد لكننا وقعنا في ركود كبير أخذ شكلاً تصاعديا".

ومضى تريشيه بالقول ان المرحلة الثانية من الأزمة انتهت عندما بدأت مؤشرات التعافي العالمي بالظهور وهذا مهد لظهور المرحلة الثالثة والمتمثلة بالمخاطر السيادية.

بين برنانكي وتريشيه

ورأى تريشيه أن هناك فرقا بين أول مرحلتين في الأزمة العالمية والمرحلة الثالثة المتمثلة في المخاطر السيادية، وعلق عند استعراضه لهذه المرحلة ما قاله رئيس مجلس الاحتياط الفيديرالي الأميركي بن برنانكي حينها عندما أراد الاشارة الى ان الأزمة انتقلت من الولايات المتحدة إلى أوروبا فقال: "لقد اتى دورك تريشيه".

وبين تريشيه ان ظهور أزمة الديون السيادية، لم تكن نتيجة هشاشة الأنظمة المالية في منطقة اليورو أو ضعف العملة الموحدة التي أثبتت في السنوات الخمس السابقة قوتها الاقتصادية، وقال انها نتجت في الحقيقة عن الواقع المالي لبعض الدول والمخاطر التي واجهتها نتيجة العجز الكبير في ميزانياتها بالإضافة إلى غياب معايير الحوكمة عن الأسواق المالية، مشيراً إلى انه كان لا بد مزيد من التشدد من قبل هذه الدول لا سيما وان الأسواق عكست وجود فجوة في السياسات وإجراءات تتناسب مع الواقع أو طبيعة كل سوق على حدة، فعلى سبيل المثال كانت اليونان تقترض بنفس أسعار الفائدة التي تقترض على أساسها ألمانيا على الرغم من وجود فوارق اقتصادية بين البلدين.

وقال تريشيه ان أوروبا اليوم كمؤسسات ومواطنين مجتمعة متفقة على ضرورة الاستفادة  دروس الازمة الراهنة مبينا ان مشاكل اوروبا نتيجة الديون السيادية والسياسات المالية الضعيفة وهذا ما خلق المشكلة انها ليست مشكلة العملة انما مشكلة هذه السلوكيات الفردية المحددة مع غياب حوكمة فاعلة، وأضاف" لقد قلنا دوما وحتى قبل الازمة كونوا حذرين لان الاستقرار مهم جدا".

يورو قوي

ورداً على سؤال عن مدى احتمال تفكك اليورو أوضح تريشيه ان العملة الأوروبية الموحدة مرت بعدة تحديات أثبتت مدى قوتها رغم الهشاشة في بعض النظم المعتمدة في أوروبا. وقد حافظت هذه العملة على تماسكها ضمن نطاقات معينة، وهي ما زالت تفرض نفسها كعملة قوية في مواجهة الدولار أو الجنيه الاسترليني، إذ أنها وعلى الرغم من التراجعات التي سجلتها إلا أنه بقيت أعلى من المستويات التي سجلتها عند بدء التداول بها مشيراً إلى ان الرهان على فشل هذه العملة كان يظهر بين الفينة والأخرى كما حدث عند بداية إطلاقها في يناير من العام 1999. ولكنه لفت في الوقت نفسه إلى أنه على أوروبا اتخاذ العديد من الإجراءات الداخلية لتعزيز قوة اليورو وتجاوز تحدي غياب الوحدة السياسية مشيراً إلى وجود آفاق كبيرة للتعاون بين دول منطقة اليورو نفسها أكثر من تلك التي أعقبت مرحلة الحرب العالمية الثانية متطرقاً إلى تجارب 3 نماذج تمكنت من تجاوز أزمات طاحنة، الاولى هي التجربة الكندية في الثمانينات وقدرة قطاعها المصرفي على تجاوز تحديات تلك الرحلة، ثم الثانية مع السويد في التسعينيات حيث استطاعت السيطرة على الإنفاق العام وتصحيح مسار القطاع المصرفي، ثم النموذج الثالث والأخير ألمانيا التي تفوقت على التبعات والأعباء الناتجة عن الاتحاد بين شطريها.

الحوكمة الجديدة

ثم انتقل تريشيه للحديث عن المرحلة المقبلة أوروبيا وعالمياً والتي تستوجب الوقوف بوجه اي نظام مالي هش، داعيا الى استخلاص العبر من هذه الازمة في كافة المجالات و خاصة تلك المتعلقة بالاسواق المالية و القطاع المصرفي . وقال انه اوروبيا نحتاج للقيام بكثير من الاصلاحات من اجل تطوير الادارة المالية المشتركة في منطقة اليورو وتعزيز معايير الحوكمة الاقتصادية والمالية سواء على مستوى المؤسسات أو الحكومات، مشدداً على ضرورة وجود إطار عمل موحد ومشترك بين دول منطقة اليورو فيما يتعلق بالسياسة النقدية والمالية وضرورة إقرار حزمة من القوانين والإجراءات على ان يجري تطبيقها بتشدد. كما تطرق إلى خيار فرض غرامات على الدول غير الملتزمة بتنفيذ القرارات المشتركة مشيراً إلى أنه وعلى الرغم من ان هذه الغرامات قد تشكل مبالغ ضخمة كونها تحسب على أساس نسب من الناتج المحلي، إلا انه لا بد ان تترافق تلك الغرامات مع عقوبات تصاعدية تمكن من تجاوز تحدي غياب الوحدة السياسية.

وأكد تريشيه على ضرورة ان تتم معالجة المسألة على المستوى العالمي، داعيا الى البدء باصلاح الحوكمة العالمية لأن احدا لن يقبل بعد اليوم ان يعيش في عالم مالي بهذه الدرجة من الهشاشة، وعندما اتت الأزمة العالمية عرت هذه الانظمة واظهرت ضعفها، وخلص الى ان ما تحتاج اليه الاسواق اليوم هو طمأنة المستثمرين على المدى المتوسط والطويل.

المنظمات الدولية المشتركة

أما حول دور المنظمات والمؤسسات الدولية المشتركة كصندوق النقد الدولي ومجموعة العشرين G20، شدد تريشيه على أهمية وجود قواعد مشتركة مشيراً إلى ان أهمية دور هذه المؤسسات في لعب دور على مستوى توحيد الرؤى كما هو الحال مع لجنة بازل تجاه المصارف، وإقرار حزمة موحدة من معايير الحوكمة تتولى تنفيذها هذه المؤسسات  بما يساهم في المحافظة على استقرار النظام المالي العالمي، لا سيما في ظل تحول معظم الاقتصاديات العالمية إلى مفهوم الاقتصاد الحر ووجود حرية في تبادل السلع والخدمات. كما تطرق إلى بعض الإجراءات التي يمكن اتخذها على مستوى المصارف من بينها على سبيل المثال الاحتياطي القانوني الموحد بما يضمن قدرة هذه المؤسسات على مواجهة أي أزمات مشيراً إلى أنها مطالبة بإعادة هيكلة ميزانياتها وتطوير أطر الحوكمة لديها.  

دور صندوق النقد الدولي

إلى ذلك، تطرق تريشيه إلى دور صندوق النقد الدولي (IMF) مشيراً إلى أنه لوحظ في تلك الفترة عدم تطرق الصندوق إلى مخاطر الديون السيادية في وقت سابق لها أو على الأقل عدم التحذير من مخاطرها، كما أنه وبالنظر إلى الانتعاش الذي كان يعيشه القطاع الخاص آنذاك لم تبرز الحاجة لبحث في خيار إقراض الدول، وقد ترفقت هذا الواقع مع عدم وجود اهتمام كاف بتعزيز إدارة المخاطر وهو ما زاد من حجم الصدمة التي تركتها الأزمة.

تريشيه عن العملة الخليجية الموحدة

عند سؤاله عن العملة الخليجية الموحدة المرتقبة في دول مجلس التعاون، تحدث تريشيه عن تجربة الاتحاد الأوروبي في هذا الإطار، معتبرا ان وجود عملة موحدة وسوق مشتركة في ظل غياب اتحاد سياسي متكامل امام دول الخليج لا بد من إقرار إطار موحد للموازنات تتزامن مع معايير اقتصادية مشتركة، ألا أن ذالك لا يقتصر فقط على وجود اطار متين للسياسة المالية العامة، بل يفترض ان يترافق مع إجراءات موحدة ومشتركة بين هذه الدول من بنيها مؤشرات العمالة ومؤشرات التنافسية، بما يحد من اي تفاوت في النتائج على دولة دون الاخرى. وشدد على ضرورة تعزيز قواعد الاستقرار بين الدول ومعالجة اي اختلال في الأسواق المشتركة أو العملة موحدة مما يضمن لها استقلاليتها بوجه اي اختلاف بين الدول الأعضاء.

أهمية الندوة

عقدت الندوة تحت عنوان "دروس الأزمة العالمية: الحكومة الاقتصادية لمنطقة اليورو"، واكتسبت أهمية خاصة سواء لناحية توقيتها أو في مضمونها أو حتى لناحية المتحدث فيها بالنظر إلى الخبرات التي يتمتع بها تريشيه وإلى مواكبته محطات رئيسية ومهمة في مسيرة منطقة اليورو بدءاً بإطلاق العملة الأوروبية الموحدة وصولاً إلى الخطوات التي اتخذت على صعيد معالجة الأزمة.

 وقد تناولت الندوة واقع الأزمة المالية العالمية والمراحل التي مرت بها، وخلُصت إلى جملة من الدروس والعبر والمستفادة من هذه الأزمة، لا سيما على صعيد تعزيز الحوكمة المالية والاقتصادية سواء على مستوى المؤسسات أو الدول وأهمية وجود إجراءات مشتركة وموحدة بين الدول في مواجهة اي أزمات مستقبلية. كما تطرقت الندوة في أحد محاورها إلى سبل استفادة دول مجلس التعاون الخليجي من تجربة منطقة اليورو وهي على أبواب إطلاق عملة خليجية موحدة فيما بينها.

×