69 مليار دولار ديون خليجية تستحق في 2012

الشركات والحكومات في منطقة الخليج العربية التي تواجه استحقاقات ديون تتجاوز قيمتها 60 مليار دولار، يجب إعادة تمويلها في عام 2012، ستضطر على نحو متزايد إلى نبذ اعتمادها على التمويل التقليدي، والبحث عن حلول مبتكرة في ظل الظروف العالمية الصعبة.

ومن المرجح أن تنجح دول مجلس التعاون الخليجي التي يفيض معظمها بالسيولة، بعد ارتفاع أسعار النفط لمدة عام، في التصدي لتحدي إعادة التمويل هذا العام، من دون حدوث أزمات شاملة. وستتدخل الحكومات إذا لزم الأمر للحيلولة دون تخلف الشركات بشكل ضخم، وغير محكوم عن سداد سنداتها، وهو الأمر الذي قد يزعزع استقرار الأسواق.

لكن العملية لن تجري بسلاسة دائما. فظروف السوق غير المواتية، مثل ضعف أسعار العقارات في مدن مثل دبي وعدم التيقن بشأن توقعات الاقتصاد العالمي، تعني أن الكيانات المدينة قد تلجأ إلى إعادة هيكلة التزامات من خلال محادثات مع الدائنين.

قد تتفادى شركات أخرى إعادة الهيكلة هذا العام، عن طريق اللجوء إلى بدائل تختلف عن الطرق التقليدية المتمثلة في القروض المصرفية وسوق السندات. ويزداد بالفعل انتشار أدوات التمويل غير التقليدية في المنطقة، مثل التوريق واتفاقات إعادة الشراء التي يجري خلالها نقل الأوراق المالية لفترة مؤقتة، مقابل الحصول على المال.

عوامل الضغط
وقال ستيوارت اندرسون العضو المنتدب والمدير الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط لدى مؤسسة ستاندرد اند بورز للتصنيف الائتماني «أعتقد أن عوامل الضغط ستحتمل. الأولوية الفورية هي التعامل مع إعادات التمويل».
وستكون الحاجة لاتباع خطوات غير تقليدية أكثر إلحاحا بالنسبة إلى الشركات الصغيرة في القطاع الخاص التي ستكون قنوات تمويلها مقيدة بشدة. لكن حتى الكيانات الكبيرة المرتبطة بالحكومة قد تحاول النأي بنفسها عن قروض البنوك.
وقال اندرسون «خطوط البنوك قد تكون أرخص، لكن التنويع هو المنهج الأكثر عقلانية، لأنك تحافظ على مساحة ائتمانية، وتحسن هيكل الميزانية».
وأنجزت كيانات خليجية بالفعل -وإن كان عددها غير معلوم على وجه الدقة- إعادة الهيكلة أو دخلت في محادثات لإعادة هيكلة ديون بعشرات مليارات الدولارات منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008 التي فجرت فقاعات الائتمان والعقارات في منطقة الخليج. ولا يجري الإعلان عن كثير من مفاوضات إعادة الهيكلة.

ديون مستحقة
وحل أجل استحقاق قروض وسندات تقليدية وإسلامية بقيمة 80 مليار دولار تقريبا في الخليج العام الماضي، وفقا لحسابات لتقديرات تومسون رويترز، وشركة المركز المالي. ويقدر إجمالي الاستحقاقات بنحو 69 مليار دولار هذا العام، و45 مليار دولار في 2013، و51 مليار دولار في 2014. لذلك إذا استطاعت المنطقة اجتياز هذا العام من دون زعزعة الاستقرار، فإن لديها فرصا جيدة لتحمل بقية تداعيات الأزمة المالية.
لكن المهمة أصبحت معقدة بسبب انسحاب البنوك الأوروبية من الخليج خلال العام الماضي بسبب مشكلات الديون في أوروبا. وهذا يجبر المقترضين على إعادة تقييم استراتيجياتهم التمويلية نظرا لأن الأوروبيين كانوا في السابق مصدر نحو 50 في المائة من التمويل المصرفي في دول مجلس التعاون الخليجي.
وقال غانم نسيبة مؤسس شركة كورنر ستون غلوبال أسوسيتس «ترابط النظام المصرفي العالمي يجعل التمويل صعبا وسيكون لهذا أثر على خيارات التمويل في المنطقة بلا شك.» وتراجعت قروض البنوك للمنطقة إلى 14.9 مليار دولار في النصف الثاني من عام 2011 من 26.9 مليار دولار في الفترة نفسها من 2010 بحسب بيانات تومسون رويترز.
وقال مصرفي في بنك إقليمي طلب عدم كشف هويته «ولت أيام القروض المجمعة التي تبلغ مليارات الدولارات.. ستحتاج البنوك إلى الابتكار والمرونة لجمع 100 مليون دولار أو 200 مليون من هنا وهناك».

تمديد آجال
وستبحث بعض البنوك عن قروض من مؤسسات خارج أوروبا. وفي هذا الصدد يشار إلى البنوك الأميركية والآسيوية ولاسيما الصينية. وستأمل بنوك عديدة في إقناع البنوك التي تربطها بها علاقات قديمة في تمديد أجل استحقاقات لتتحول إلى قروض جديدة.
لكن دانييل بروبي مدير الاستثمار في سيلك إنفست لإدارة الأصول في لندن يقول «من سوء حظ أي إعادة تمويل أن نجاح عمليات تمديد آجال الديون أو عدمه يتوقف على المعنويات التي تثيرها أزمة الديون السيادية العالمية».
ويقول أندرسون من ستاندرد اند بورز إن إحدى النتائج المحتملة هي أن يعتمد المقترضون على عدد محدود من البنوك للحصول على قروض. وهذا قد يجعل المقترضين يصطدمون بعقبة الحدود القصوى للإقراض لدى كل مؤسسة على حدة.
وتابع قائلا «السؤال هو إلى أي مدى يمكن لبنوك المنطقة في ظل تباطؤ سوق القروض المجمعة أن تزيد من تعرضها للأسماء الكبيرة؟ ومتى تصبح هذه مشكلة بالنسبة لتركز ائتمان البنوك؟ وهل ستدقق الهيئات التنظيمية في هذا الأمر؟».

التركز الائتماني
وذكرت مؤسسة موديز انفستورز سرفيس في تقرير بشأن بنك الإمارات دبي الوطني أنه حتى سبتمبر 2011 كان %24 من محفظة قروض البنك مرتبطا بالكيانات المرتبطة بحكومة دبي.
وقالت المؤسسة في التقرير الذي صدر في نهاية يناير «مثل هذه المستويات العالية والمتصاعدة من التعرض للكيانات المرتبطة بالحكومة يمثل عقبة كبيرة في تقييمنا لتعرض البنك للمخاطر».
وسبقت مواجهة هذه المشكلة في السعودية لدى شركات الإنشاءات الكبيرة التي اضطرت لتنويع تمويلها بعيدا عن القروض الرخيصة من البنوك السعودية.
واتجهت مجموعة بن لادن السعودية إلى المستثمرين المحليين، حيث طبعت إصدارين من السندات الإسلامية (الصكوك) قصيرة الأجل بينما سعت شركة سعودي أوجيه إلى جمع ملياري دولار من بنوك خارج المملكة وهي عملية بدأت في مارس 2011 ولم تصل إلى نهاية بعد.

تدخل الحكومات
وإذا لم يتمكن المقترضون من الوصول إلى مصادر خاصة للتمويل فقد تضطر الحكومات للتدخل. وقال مصدر في بنك عالمي «ينتهي المطاف إلى أن تصبح البنوك المحلية مقيدة بالحدود التنظيمية وإذا زاد الضغط واضطرت إلى حل المشكلات لدى الكيانات الحكومية فحينئذ أتوقع بعض المرونة في التدخل».
وفي ديسمبر، قدمت حكومة أبوظبي مساعدة مالية قيمتها 16.8 مليار درهم (4.57 مليارات دولار) إلى الدار العقارية لتخفيف أزمة السيولة التي تواجهها الشركة.
وكانت هذه إشارة مهمة لنوايا أبوظبي. فهي لن تسمح بأي تخلف عن السداد قد يضر بسوق الدين لعموم الشركات. وفي مكان آخر في الإمارات العربية المتحدة أعلن الشيخ أحمد بن سعيد آل مكتوم رئيس مجلس إدارة اللجنة العليا للسياسة المالية في دبي في ديسمبر أنه لن تجري إعادة هيكلة سندات تستحق في الفترة المقبلة لدى الشركات المرتبطة بحكومة الإمارة، لكن الحكومة قد تدرس إعادة تمويل جزء من الديون وربما يتم ذلك من خلال إصدار ديون جديدة.
وتمتلك الحكومات في الخليج ما يكفي من القوة المالية لدعم الشركات التابعة. وتوقع محللون استطلعت رويترز آراءهم في ديسمبر أن تسجل الإمارات مثلا فائضا في الميزانية بنسبة %6 من الناتج المحلي الإجمالي في 2012 بعد أن سجلت %8 في العام الماضي. ويعتقد محللون أن البحرين وهي الأضعف في الخليج يمكنها التعويل على مساعدة إضافية من السعودية إذا اقتضى الأمر.

ثقة الأسواق
وعلى الرغم من ذلك فإن ثقة الأسواق في تجنب الخليج للأزمات الشاملة التي قد تنشأ عن الحاجة لإعادة تمويل الديون ليست مطلقة، إذ يجري تداول مبادلات الالتزام مقابل ضمان للديون السيادية الخمسية لدبي عند نحو 420 نقطة أساس. وهذا المستوى وإن كان منخفضا بشدة عن المستويات التي تجاوزت 650 نقطة التي سجلت في ظل عدم اليقين بشأن أزمة ديون دبي في فبراير 2010 إلا انها أعلى بكثير من المستويات الحالية للدول الخليجية القوية مثل السعودية التي تبلغ نحو 135 نقطة أساس.
والدعم الحكومي للشركات ليس مطلقا. فمن المتوقع أن يذهب فقط إلى الكيانات التي تعتبر ذات أهمية استراتيجية. وقد تضطر الشركات الأخرى للدخول في محادثات إعادة هيكلة كما فعلت ست شركات كبرى في دبي بالفعل.
وأصدرت حكومة أبوظبي في السابق بيانا قالت فيه إنها تعتبر شركة الاستثمارات البترولية الدولية (أيبيك) وشركة مبادلة وشركة التطوير والاستثمار السياحي شركات استراتيجية ستدعمها إذا اقتضى الأمر. وأضافت في وقت لاحق شركة أبوظبي الوطنية للطاقة (طاقة) إلى القائمة.
وشركة دانة غاز التي مقرها إمارة الشارقة مثال لشركة ترى السوق أنه لا يمكنها التعويل بالضرورة على الدعم الحكومي. فقد أدت حالة عدم اليقين بشأن سداد مدفوعات صكوك بقيمة مليار دولار في أكتوبر 2012 إلى هبوط أسهمها وسنداتها في منتصف يناير قبل أن تصدر الشركة بيانا أكدت فيه أنها ستفي بالتزامات ديونها وهو ما أوقف عمليات البيع.
ويقول بنك الاستثمار اكزوتيكس الذي يصنف سندات الشركة بتوصية بيع إن إعادة الهيكلة أو عرض شراء أسهم من المستثمرين الحاليين هو الخيار المحتمل لدانة. ويعزو اكزوتيكس ذلك إلى قلة السيولة المتاحة في الميزانية والظروف غير المواتية لجمع أموال جديدة.

شراء الأسهم
وعروض شراء الأسهم هي أداة لإدارة الالتزامات قد يكثر استخدامها في الخليج لأنها تتيح تمديد آجال الديون من دون الحاجة لجمع أموال جديدة. وقد استخدمت بعض الكيانات الخليجية هذه الأداة بالفعل. ففي نوفمبر أعادت طاقة شراء سندات بقيمة 1.5 مليار دولار باستخدام سيولة جمعتها من إصدار سندات جديد أطلقته في الوقت نفسه. واستبدل بنك البحرين والكويت، الذي يتخذ من البحرين مقرا، دينا ثانويا بسندات جديدة لها أولوية في السداد.
وبالنسبة لأولئك الذين يتطلعون لإصدار ديون جديدة قد تكون هناك مزايا في التكلفة إذا استخدموا هيكلا مضمونا بأصول. وهذا قد يتم مثل قرض مضمون مثل الاتفاق الذي تبلغ قيمته مليار دولار من شريحتين، الذي أنجزته شركة إعمار العقارية في دبي في ديسمبر بضمان دبي مول أحد أكبر مراكز التسوق في العالم.
وقد يجري جمع ديون جديدة أيضا من خلال التوريق. وقد فعلت ذلك دائرة المالية في دبي في عام 2011 باستخدام إيرادات رسوم استخدام الطرق لجمع 800 مليون دولار. ومن المتوقع أن يكون هذا الاتفاق نموذجا لعدد من الاتفاقات المستقبلية في دبي حسبما قال مصرفي متخصص في تمويل المشروعات.

انسحاب بنوك أوروبية أشد وطأة على مشروعات البنية التحتية
من المرجح أن يكون انسحاب البنوك الأوروبية أشد وطأة في مجال إقراض مشروعات البنية التحتية وهو ما قد يكون محفزا لظهور سوق سندات المشروعات التي تجري مناقشتها منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط.
وجرى ربط مشروعين في أبوظبي بإصدارين مقترحين للسندات لكن لم يتم طرح أيهما في السوق. وعقدت شركة دولفين للطاقة سلسلة من اللقاءات مع المستثمرين في يونيو الماضي لكنها لم تصدر سندات بسبب اعتبارات متعلقة بالتكلفة بينما كانت هيئة مياه وكهرباء أبوظبي تتطلع لإتمام إصدار سندات في إطار إعادة تمويل مشروع الشويفات 2، وهو ما كان سيمثل المرة الأولى التي يلجأ فيها مشروع كهرباء في الخليج إلى سوق السندات.

نمو سوق الصكوك
قد يكون وضع الشركات الشرق أوسطية ملائما لدخول سوق السندات الإسلامية. فقد جاءت معظم إصدارات السندات في المنطقة في الآونة الأخيرة في شكل صكوك، إذ أن الشركات تحاول تفادي سوق السندات التقليدية الأكثر تقلبا.
وكانت أحدث شركة تصدر صكوكا هي ماجد الفطيم القابضة في دبي، إذ أصدرت صكوكا بقيمة 400 مليون دولار هذا الأسبوع في صفقة شهدت اكتتابا أكثر من المعروض. وكان هذا أول إصدار من شركة خاصة كليا لها تصنيف استثماري في الإمارات العربية المتحدة في الذاكرة الحديثة، وقد تمهد الطريق لشركات أخرى من القطاع الخاص تحاول التغلب على تباطؤ الإقراض المصرفي.