’المركزي’ يطلب تغييرات تدريجية.. لكن جذرية في تشكيل مجالس إدارات البنوك

يبدو أن البنوك المحلية تتجه نحو عهد جديد من الحوكمة مع طلب صلاحيات أوسع وأشمل وأدق لمجالس إداراتها، وفق مشروع القواعد المصرفية الجديدة التي وضعها بنك الكويت المركزي، ونشرتها القبس على 3 حلقات، ابتداء من الخميس الماضي.

وترسم قواعد الحوكمة الجديدة صورة لمجلس الإدارة يضع سياسات ويتابع استراتيجيات ويعدّل مخططات، يراقب، يدقق، ويُحاسب.

لا يكتفي بالاطلاع على البيانات المالية ليصادق عليها، بل يناقشها ويحدد المكافآت ويدرس المخاطر، ويتحمّل المسؤولية كاملة عن كل ما يحصل للبنك.

ويعتبر البنك المركزي، من خلال القواعدة الجديدة، أن من أبرز أسباب الأزمة المالية عدم اضطلاع مجالس إدارات البنوك بكامل مسؤولياتها، وعدم كفاية رقابتها على الإدارات التنفيذية.

لذا يؤكد مسؤوليات المجالس، بما في ذلك وضع استراتيجية إدارة المخاطر، والمشاركة الفعالة في تنظيم البنك والعمل على التحقّق من سلامته المالية وحوكمته، بالإضافة الى دوره في الإشراف الفعال على الإدارة التنفيذية، وتعزيز نظم ادارة المخاطر وضوابط الرقابة الداخلية، والتدقيق الداخلي والخارجي، ووضع سياسات المكافآت المرتبطة بتقييم الأداء والمخاطر.

ولا ينحصر دور مجلس الإدارة في مفهوم الربحية، بل يأخذ في الاعتبار أثر المخاطر على مصالح المودعين وعلى الاستقرار المالي. لذا يطلب «المركزي» ترسيخ مبدأ التزام كل عضو من أعضاء المجلس بتأدية دوره تجاه البنك وجميع مساهميه وليس تجاه مساهم معين أو مالك كبير يمثله.

وفي هذا السياق، لم يعد مجلس الإدارة، وفق قواعد الحوكمة المصرفية الجديدة، مجرد ممثل للملاك فقط، بل بات مطلوبا من أعضائه أن يكونوا أصحاب اختصاص ومؤهلات وخبرات تخوّلهم القيام بالمهام الجسام الملقاة على عاتقهم.

فقد يجدر بهم أحيانا تنفيذ أعمال يومية من خلال الحرص على ممارسة المصرف أنشطته بصورة آمنة وسليمة ونزيهة، مع الالتزام بالقوانين والتعليمات، والسهر على عدم تعريض القطاع المصرفي المحلي لأي أزمة نظامية.

مؤهلات وتدريب
ووفق القواعد الجديدة، يتعين على أعضاء مجلس الإدارة امتلاك الخبرة المناسبة والنزاهة والقدرات الشخصية. كما ينبغي أن يملك مجلس الإدارة بصفة جماعية قدرا كافيا من المعرفة والخبرة بالأنشطة المالية ومعايير الحوكمة والرقابة، وكذلك بالتمويل أو المحاسبة أو الاقراض، وبالعمليات المصرفية وأنظمة الدفع والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة المخاطر وضوابط الرقابة الداخلية وأنظمة البنك وتعليماته.

ويتعين على المجلس وبصفة جماعية أيضا أن يملك معرفة مناسبة بالتطورات الاقتصادية المحلية والاقليمية والدولية، والبيئة التنظيمية والرقابية. ويجدر على أعضاء المجلس أن يكونوا على اطلاع دائم بالتطورات داخل البنك والقطاعات المصرفية المحلية والعالمية.

كما يُراعى في تشكيل المجلس التنوع في الخبرات والمهارات المتخصصة، بما يساهم في تعزيز استقلالية القرارات وفعاليتها.

إلى ذلك، تفرض القواعد الجديدة على أعضاء مجلس الإدارة تنمية مهاراتهم وخبراتهم بصورة منتظمة، خصوصا في ما يتعلق بالحوكمة وإدارة المخاطر، وذلك من خلال الحصول على البرامج التدريبية المتخصصة، والمشاركة في المؤتمرات والحلقات النقاشية المصرفية والمالية.

ومن المفترض على المجلس ان يجسّد بممارساته معايير الحوكمة السليمة، مثل الحصول على الائتمان بالشروط ذاتها التي يطبقها البنك مع العملاء الآخرين، وكذلك تجنب تعارض المصالح.

حسن الاختيار
وفي ضوء ما تقدم من خبرات ومؤهلات مطلوبة، يبدو أن عملية اختيار مجالس إدارات البنوك في المستقبل تتجه نحو التغيير الجذري. ففي الوقت الحالي، يختار بعض من كبار الملاك والمساهمين وجوهاً تمثلهم، بغض النظر ــــ نسبيا ــــ عن قدراتهم ومؤهلاتهم وخبراتهم، متكلين في ذلك على مهارات الإدارات التنفيذية في تسيير أمور المصرف.

وتكفي شهادة جامعية مع شهادة حسن السلوك، حتى يوافق «المركزي» على انضمام الأعضاء إلى مجالس الإدارات.

لكن بسبب المهام الثقيلة والمسؤوليات الكبيرة التي وضعها البنك المركزي على عاتق هذه المجالس، يتوقع مراقبون أن يتجه المساهمون في الجمعيات العمومية المقبلة إلى إجراء تعديلات على تشكيلات مجالس الإدارات لتتناسب مع القواعد الجديدة، علما أن تلك التعديلات ستكون في مدى 2012 و2013.

لكن هل هذا ممكن على أرض الواقع؟ يجيب مراقبون ان تحديات كثيرة تعترض هذا التوجه، خصوصا أن عدد أصحاب الكفاءات المصرفية قليل نسبيا.

وما عملية البحث المضنية والطويلة عن رؤساء تنفيذيين للبنوك، قبل أن يأتوا بهم من الداخل أو الخارج، سوى دليل على قلة الخبرات المتوافرة.

ويشير هؤلاء المراقبون إلى تحدٍ آخر يتمثل في تمسك كبار ملاك بممثلين محددين في مجالس الإدارات. لذا، عليهم، وفق المراقبين، إما تطوير مهاراتهم في هذا المجال، وإما التوجه نحو اختيار ممثلين آخرين، حيث تضيق الخيارات.

اختبارات ولجان
بالإضافة إلى ما سبق، يتجه البنك المركزي إلى إجراء اختبار دوري لأداء مجالس ادارات البنوك.

وفي هذا الإطار، تشير القواعد المصرفية الجديدة إلى أهمية قيام جهة استشارية خارجية سنوياً بتقييم أداء المجلس ككل وأداء كل عضو على حدة.

ويشمل هذا التقييم ما يتوافر لدى الأعضاء من خبرة ومعرفة، وكذلك صلاحياتهم وسلطاتهم، بالإضافة إلى صفاتهم القيادية.

ومن هذا المنطلق، يقول المراقبون إنه في حال قرر «المركزي» فرض هذا الإجراء فعلا، فإن التغيير في مجالس الإدارات آت لا محالة خلال السنوات القليلة المقبلة، أو على الأقل التوجه نحو صقل المهارات بدل تبديل الوجوه.

ففي القواعد الجديدة، يطلب «المركزي» من أعضاء مجالس الإدارات أن يعرفوا هياكل مصارفهم جيدا، وأن يضعوا اجراءات مركزية للموافقة على تأسيس كيانات قانونية جديدة، وأن يحرصوا على الافصاح الجيد والشفافية اللازمة، على سبيل المثال لا الحصر. كما يفرض عليهم تشكيل 5 لجان متخصصة، تعمل ضمن قطاعات مختلفة في البنك:
1 - لجنة الترشحيات التي ترفع التوصيات لمجلس الادارة بشأن الترشيح لعضوية المجلس.
2 - لجنة إدارة المخاطر التي تضع استراتيجية ونزعة المخاطر الحالية والمستقبلية للبنك والإشراف على تطبيقها من قبل الإدارة التنفيذية.
3 - لجنة التدقيق التي تراقب نطاق ونتائج ومدى كفاية التدقيق الداخلي والخارجي للبنك.
4 - لجنة المكافآت التي تعد سياسة المكافآت وتشرف عليها.
5 - لجنة الحوكمة التي تعد وتحدّث دليل الحوكمة.

ولأن كل لجنة من هذه اللجان تتشكل من 3 أعضاء من مجلس الإدارة، ينصح «المركزي» في تعليماته بزيادة عدد أعضاء مجالس إدارات البنوك. ويكون لأعضاء المجلس ولجانه، إذا اقتضت الحاجة، صلاحية الاستعانة بالخبراء والمستشارين من جهات خارجية للاستفادة من آرائهم عند تأدية هؤلاء الأعضاء للمهام الموكلة إليهم.

فهل تصبح فعلا مجالس إدارات البنوك اسما على مسمى، أم تبقى بأغلبها مجالس ممثلي الملاك؟ ان غدا لناظره قريب!

×