×

تحذير

JUser: :_load: غير قادر على استدعاء المستخدم برقم التعريف: 64

العالم على عتبة أزمة جديدة

في اعتقادي أن العالم أصبح على عتبة أزمة جديدة. هي استكمال للأزمة المالية المستمرة، لكنها قد تعيدنا إلى متاهة ما بعد انهيار ليمان براذرز في سبتمبر 2008.

في الأمس، غرقت المؤسسات المالية في وحل ديونها، وتدخلت الحكومات لإنقاذها. لكن اليوم، من ينقذ هذه الحكومات؟

الأزمة المالية شرسة بحق، وتداعياتها جاءت مدمرة. لا يخفى على أحد أن سبب الأزمة هو سلوك المؤسسات المالية القائم على الإفراط في الاستدانة والذي ساد طويلا، من دون أن تحرك السلطات الرقابية ساكنا.

في رأيي، إن العلة بدأت في أغسطس من العام 1971، حين قررت الولايات المتحدة (برئيسها ريتشارد نيكسون حينها) رفع غطاء الذهب عن دولارها وتعويمه، منهية بذلك اتفاقية بريتون وودز. منذئذ، تحولت العملات إلى مجرد أوراق وأرقام مجردة، غير مدعومة بأصل حقيقي.

وتحولت المؤسسات المالية إلى ضباع أطلقت جماحها. فالديون أشبه بالمرض الخبيث، تتفشى خفيا إلى أن تنهك الجسد. واليوم، أصاب هذا المرض الخبيث حكومات أوروبا والولايات المتحدة.

في أوروبا أيضاً، الوحدة الأوروبية في خطر. ولا سبيل أمام الدول الأقوى ماليا، ولاسيما ألمانيا، إلا أن تحافظ على هذه الوحدة، ليس خدمة للدول المأزومة، بل خدمة لمصلحتها.

ألمانيا تعلم أن انهيار اليورو سيكبدها خسائر أكثر مما سيكسبها. إن غرقت اليونان، على سبيل المثال، فسيكون القطاع المصرفي الأوروبي بأكمله في أزمة. لقد بدأت البنوك الأوروبية بالفعل (لاسيما الألمانية والفرنسية والهولندية) تقليل انكشافها على الديون السيادية لليونان والدول المأزومة الأخرى، وستواصل ذلك خلال السنوات المقبلة.

الخيار الوحيد حاليا هو إعادة جدولة قروض اليونان وتمديد آجال استحقاقها بأسعار فائدة منخفضة.

بالطبع، من شأن ذلك أن يكسب أوروبا بعض الوقت، ولكنه لن يحل أزمتها جذريا. ولا مهرب من أن تشد اليونان الحزام رغم تداعيات ذلك شعبيا، إذ لا خيار آخر أمام اقتصاد لا يملك سوى السياحة وزيت الزيتون.

وإذا لم يتحسن الوضع مع الوقت، لن يكون أمام الاتحاد الأوروبي إلا أن يخضع لإعادة هيكلة.

في المقابل قد تملك الولايات المتحدة المزيد من الوقت، لكنها ليست أفضل حالا من أوروبا. فالمسار الذي تسلكه الولايات المتحدة حاليا من شأنه أن يقود إلى تدمير الدولار.

لا يمكن للولايات المتحدة أن تستمر بالاستدانة من الخارج بهذه الوتيرة وأن تأمل بأن يحافظ الدولار على تماسكه. لقد تعود المستهلكون الأميركيون على الاستدانة لتمويل استهلاكهم، وهذا أمر مقبول إلى حدود معينة، لكن ما ليس مقبولا هو أن تعتمد الحكومة هذا النمط كسياسة دائمة.

وإذا أخذنا الإنفاق العسكري فقط كمؤشر، يمكن أن نتساءل كيف لبلد بعجز مالي يبلغ 1.5 تريليون دولار ومديونية تبلغ 14 تريليون دولار أن يقود ثلاثة حروب (على الأقل) في آن واحد وأن يمول 150 قاعدة عسكرية حول العالم؟

العالم ينتظر مناقشات الكونغرس الأميركي حول رفع سقف الدين، ولا يتوقع شيئا قبل الانتخابات الأميركية في العام المقبل. على الأرجح ستتمكن الولايات المتحدة من رفع سقف الدين هذه المرة، لكن ماذا بعد سنوات من الآن؟ هل سيدخل المشرعون الأميركيون في هذه الدوامة مجددا؟ فالخيارات أمامهم محدودة، وهم في حيرة من أمرهم، ويدركون صعوبة خفض الإنفاق في الوقت الراهن بسبب شبح الركود المتربص بأكبر اقتصاد في العالم (وهذه المرة مع منافذ أقل للخروج منه).

يرى البعض أن الحل الوحيد أمام الولايات المتحدة هو خفض سعر صرف الدولار، ويذهب منهم إلى الدعوة إلى خفضه بنحو 50 في المئة.

فهذا من شأنه أن يعزز الصادرات ويجذب رؤوس الأموال ويدعم السياحة، والأهم، أن يخلق فرص عمل بعدما وصل معدل البطالة إلى مستويات قياسية. قد يكون هذا الخيار أنسب من خيار خفض الإنفاق.

لكن هل هو الخيار الأنسب فعلا؟ لا نعلم. ما نعلمه هو أن الدولار ماض في مساره النزولي على كل حال.

في النتيجة، قد تجد كافة التحديات القائمة حاليا سبيلها للحل خلال السنوات المقبلة، وقد تزول الأزمة نهائيا. لكن العالم أدرك أنه لا يمكن الاستمرار بالمسار نفسه، وبالسلوكيات ونماذج العمل نفسها.

العالم على عتبة أزمة مالية جديدة، لن يخرج منها إلا من خلال نظام مالي جديد متعدد الأقطاب، سيكون للدول الناشئة دور أكبر فيه.

×